تمنِّي أعلى الدرجات

❓ تمنِّي أعلى الدرجات

📅 2026-06-13 👁 21 مشاهدة

نص السؤال:

أودُّ الاستفسار عن طريقة التفكير هذه، الَّتي أعرضها على فضيلتكم، هل هي صحيحة أم خاطئة؟ فإنِّي أتمنَّى أن أكون أحسن الخَلْق وأقربهم إلى الله، وأحبَّهم إليه سبحانه بعد رسول الله ، وأتمنَّى أن تكون لي أفضل خاتمة بين النَّاس أجمعين، وأن أموت بعد أن يغفر الله لي، وأن يرحمني ويرضَى عنِّي كل الرضا.
وسبب استفساري هذا أنِّي ألاقي كثيرًا من النَّاس يعارضون طريقة تصرفاتي هذه، فهل من الخطأ ـ مثلًا ـ أنِّي عندما أركب السيارة أضع حزام الأمان؛ لأنِّي أعتقد أنَّه لو حصل حادث ـ لا قدر الله ـ وأصابني فيه الموت، فسيسجل عليَّ إثمٌ، وسوف أُسأل يوم القيامة: لماذا فرطتِ في أمانة الروح الَّتي وهبها الله لكِ؟ وقد توفرت لي سبل المحافظة على نفسي، ومعروف أنَّنا سنحاسب على الصغيرة والكبيرة، فما قولكم في مثل هذا التصرف؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا حرج على هذه الأخت أن تتمنَّى لنفسها أعلى الدرجات، وأن تحاول الرقي بنفسها من درجة إلى درجة، الإنسان حين يتقرَّب إلى الله، يرتفع من مستوى إلى مستوى أعلى منه. وفي جانب المنهيَّات: قد يترك الإنسان في أول الأمر الكبائر، ويقع في بعض الصغائر، يرتقي بعد ذلك فيترك الكبائر والصغائر، ثمَّ يرتقي أكثر فيترك الشبهات: «فمن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضه»(1). «دعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك»(2). ثمَّ يرتقي أكثر وأكثر فيترك المكروهات، حتَّى المكروهات التنزيهيَّة، ثمَّ يرتقي حتَّى يترك بعض المباحات، هذه كلها درجات بعضها فوق بعض.
وكذلك في جانب المأمورات، قد يكتفي في أول الأمر بأداء الفرائض الرُّكْنية، ثمَّ يرتقي فيؤدي غير الفرائض، يؤدي السنن المؤكدة، ثمَّ يرتقي فيؤدي بعض المستحبات، كأن يصلِّي أولًا الصلوات الخمس، ثمَّ يترقَّى، فيصلي السنن المؤكدة، ثمَّ يترقَّى فيقوم الليل، ثمَّ صلاة الضحى.. وهكذا.
كان يصوم رمضان فقط، فترقَّى بعد ذلك فأصبح يصوم الأيام الستة من شهر شوال، ثمَّ يصوم يوم عرفة، أو التسعة الأيام الأولى من شهر ذي الحجَّة، ويصوم تاسوعاء وعاشوراء، قد يرتقي بعد ذلك فيصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، وقد يترقى فيصوم أحبَّ الصيام إلى الله صيام داود، الَّذي كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وهكذا، فالترقي مطلوب.
النبي يعلِّمنا الطموح إلى المعالي:
والنبي يقول: «إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنَّه أوسط الجنَّة، وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمٰن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة»(3). لا تسأل أقل درجة في الجنَّة، لا تقل: يا رب أدخلني الجنَّة، ولو في آخر فوج، لا، اسأل أعلى درجة في الجنَّة، أنت تسأل كريمًا، بل تسأل أكرم الأكرمين، فلماذا تسأله شيئًا قليلًا؟ اسأله أعلى شيء عند الله: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى»؛ لأنَّ الجنَّة ليست درجة واحدة، ولا جنة واحدة، وإنَّما هي جنان ثمان، بعضها أعلى من بعض، وأعلى هذه الجنان الثمان الفردوس الأعلى،﴿أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ[المؤمنون: 10 ـ 11].
هكذا يعلِّمنا النبي الطموح إلى المعالي، وأن نتعلَّق بأعلى شيء، وإذا أعطى الله الإنسان موهبة الذكاء، لماذا ينجح بدرجة مقبول، وهو قادر أن ينجح بدرجة جيد جدًّا أو درجة امتياز، يجب على المسلم أن يطمح إلى المعالي، لا أن يرضى بالدون والحياة الهون.. أن يريد الامتياز، بل أن يكون أول الدفعة، وهكذا.
وإذا كان هذا في شأن أمور الحياة الدنيا، فأمور الآخرة أيضًا أولى وأولى.
على المسلم أن يحاول أن يرتقي من درجة أصحاب اليمين إلى درجة السابقين، كما ذكرت لنا سورة الواقعة:﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ١١ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ[الواقعة: 10 ـ 12].
فرق بين التمني والرجاء:
فطموح الأخت هذه أن تكون أفضل شيء، وأن يختم لها بأفضل خاتمة، هذا طموح محمود ومشكور، لا يلومها أحد على هذا، لكن المفروض أنَّ الإنسان يطمح، ويعمل على أن يحقِّق طموحاته، وألَّا يكون ذلك مجرَّد أمانيَّ، كما يقول الشاعر(4):
أعلِّل بالمُنَى قلبي لعلِّي
أُرَوِّح بالأماني الهمَّ عني
وأعلم أن وَصْلَك لا يُرَجَّى
ولكن لا أُقِلَّ من التمني
فالتمنِّي مجرد أمانيّ بدون عمل، أمَّا التمني مع العمل فيسمَّى الرجاء، فالرجاء مطلوب من الإنسان، ولمَّا قال رجل للنبيِّ : أسألك مرافقتك في الجنَّة. فقال له النبي : «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود»(5).
فهذه الأخت مشكورة على طموحها أن تكون من أفضل الناس، ولذلك ترى أنَّها مسؤولة عن كلِّ شيء، وأنَّ الإنسان ينبغي أن يحافظ على نفسه، وعلى حياته، فلا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يقتل نفسه، كما قال الله تعالى:﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ[البقرة: 195]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا[النساء: 29].
التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب:
ولذلك هذه الأخت حينما تركب السيارة تضع حزام الأمان، وتقول: أنا أفعل هذا؛ لأنِّي أرى أنِّي مسؤولة أمام الله، لو حصل لي حادث ومتُّ فالله سيسألني: لماذا فرطتِ ولم تأخذي الاحتياط، فالله تعالى يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا﴾ [النساء: 71]. ولذلك كان النبي يأخذ حذره، فيلبس المِغْفر على رأسه في الحرب(6)، ويلبس الدرع، وظاهر بين دِرْعَيْن يوم أحد(7)، ليكون أقوى في الحماية، وكان يتَّخذ الحُرَّاس له، حتَّى نزل قول الله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67](8). كل هذا اتباع للأسباب الَّتي شرعها الله 8 .
وقد سُئل النبي : أرأيت رُقًى نسترقيها، ودواء نتداوى به وتقاةً نتَّقيها؟ هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال : «هي من قدر الله»(9).
واستشار سيِّدنا عمر أصحابه وهو قادم إلى الشام، وقد وقع بها الطاعون، فأراد أن يرجع بأصحابه ولا يدخل الشام، حتَّى لا يصابوا بالطاعون، فقال له سيِّدنا أبو عبيدة بن الجراح: أفِرارًا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله(10).
هذا قدر الله، وهذا قدر الله، ولذلك قال الإمام ابن تيمية وابن القيِّم وقبلهما الشيخ عبد القادر الجيلاني: إنَّ الفقيه يردُّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر(11). يدفع قدر الله بقدر الله، يدفع قدر الجوع بقدر الغذاء، يدفع قدر العطش بقدر الماء، يدفع قدر الداء بقدر الدواء، وقدر الإصابة في السيارة بربط الحزام، هذا قدر يدفعه بقدر، فهذا من قدر الله، وهذا من قدر الله، فتصرف الأخت تصرُّفٌ سليم، ويدلُّ على فقهٍ عميقٍ للإسلام. وفَّقها الله إلى الحق، وأبعد عنها الشطط.
← العودة لقسم 9- الدعاء والذكر