2026-06-13
69
التطلُّع إلى الزواج من الفطرة
أنا فتاة متديِّنة، أصلِّي وأصوم، وأؤدِّي فرائض ربِّي والحمد لله، وعلى قدر لا بأس به من الجمال، مشكلتي أنَّني دائمًا أدعو وأطلب من الله في صلواتي وخلواتي أن يرزقني بزوج صالح، تقي طيب، كريم الخلق، ولكنَّ الله تعالى لم يستجب لدعائي، فهل يوجد دعاء أو صلاة خاصَّة أصلِّيها وأدعو الله أن يستجيب لي؟ وقد سمعت عن صلاة الحاجة، وقد أدَّيتها، ولكنَّ الله تعالى لم يستجب لي بعدها، فماذا أفعل؟
علمًا بأنِّي أريد الزواج حتَّى أحمي نفسي، ولا أقع فيما يغضب الله، حيث إنَّني بتُّ أتعرَّض لمضايقات بعض الشباب من جيراننا وأقربائنا؛ لأنَّني محافظة ولله الحمد، ماذا أفعل؟ وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من حقِّ أيِّ فتاةٍ أن تتطلَّع إلى الزواج، فهذه هي الفطرة الَّتي فطر الله النَّاس عليها، لا تستغني المرأة عن الرجل، ولا يستغني الرجل عن المرأة، وحينما خلق الله آدم خلق له زوجًا من جنسه: ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]. فالرجل يسكن إلى المرأة، والمرأة تسكن إلى الرجل.
وقد عبَّر الله عن العلاقة بين الزوجين فقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187]. والتعبير باللباس يوحي بالقرب واللصوق، والدفء والستر والزينة، كل هذا تتضمَّنه كلمة اللباس، فالرجل لباس للمرأة، والمرأة لباس للرجل، لهذا لا حرج على المسلمة أن تتطلَّع إلى الزواج، وأن تصون نفسها وتُحْصِنها بزوج من أهل الدين والخلق، كما قال النبيُّ ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون خُلُقه ودينه فزَوِّجوه، إلَّا تفعلوا، تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض»(1).
الاستعجال في الدعاء:
ولكن يجب على الداعي أن يصبر، ولا يستعجل، ويظلُّ يدعو الله 4 ، ويُلِحُّ عليه في الدعاء، فالنبي ﷺ يقول: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجَبْ لي»(2). ويقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه: لا يكن تأخُّر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الَّذي يريد، لا في الوقت الَّذي تريد(3).
فلا تيئسي بُنَيَّتي وتتركي الدعاء لتأخُّر الإجابة، فالدعاء عبادة، والإنسان يتعبد لله بالدعاء، كما قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة». ثمَّ قرأ قول الله 8 : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر: 60](4). يستكبرون عن عبادتي أي: عن دعائي، فوضع كلمة «العبادة» موضع كلمة «الدعاء»، فالدعاء هو العبادة؛ لأنَّ روح العبادة هي الابتهال إلى الله، والشعور بالافتقار إلى الله، وهذا أبرز وأظهر ما يكون في دعاء الداعي.
فالإنسان يظل يدعو الله، ولا يستحسر ولا ييئس، ولا يدَع الدعاء أبدًا، والله لا يعْجَل بعجلة أحدنا، فالإنسان عجول بطبعه، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ ٱلْإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلْخَيْرِ ۖ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًا﴾[الإسراء: 11]، ﴿خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾[الأنبياء: 37]. الإنسان يريد أن يدعو اليوم، ويستجيب الله له في الغد، أو يدعو في الصباح ويستجاب له في المساء، لا، ليس الأمر كذلك.
لله تعالى سنن، لا بدَّ أن نصبر على هذه السنن، وأن نراعيها، وكل شيءٍ عند الله بأجلٍ مسمَّى، ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ﴾[الرعد: 8 ـ 9]. والناس يقولون: كل شيء بأوان.
في وقت معين سيأتي ابن الحلال هذا، لكنَّ الإنسان يحبُّ العجلة، ولعلَّ الخير في التأخير، النَّاس من تجاربهم يقولون: «كلُّ تأخيرة وفيها خِيرة». والله تعالى يقول:﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216].
وعلى الإنسان أن يظل يدعو الله 4 ، والنبي ﷺ يقول: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن تُعجَّل له دعوته، وإمَّا أن يدَّخرها له في الآخرة، وإمَّا أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذن نُكثر. قال: «الله أكثر»(5).
إذا دعا المسلم وقال ـ مثلًا ـ كما قالت الأخت: اللهمَّ ارزقني الزوج الصالح الطيِّب، أو كان المسلم متزوِّجًا وقال: اللهمَّ ارزقني الذرية الطيبة، أو كان طالبًا وسأل الله النجاح، أو كان فقيرًا وسأل الله الغِنَى، فإذا دعا بمثل هذه الدعوات، وهي دعوات مشروعة، ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، لا بدَّ أن يُجاب بإحدى ثلاث: الأولى: أن تُعجَّل له دعوته: من طلب الغِنَى، يرزقه الله الغنى، ومن طلبتْ زوجًا صالحًا، يرزقها الله الزوج الصالح. يعجل له دعوته كما طلب.
الطريقة الثانية للإجابة: أن يصرفَ الله عنه من السوء مثلها. كادت تصيبه مصيبة، فببركة الدعاء أبعد الله عنه هذه المصيبة، كانت ستدهسه سيارة، أو كان سيتَّهم بتهمةٍ هو بريء منها، أو كذا، فأبعد الله عنه هذه الأشياء رغم وجود أسبابها، ببركة الدعاء؛ لأنَّ الدعاء سبب من الأسباب الرُّوحية.
الطريقة الثالثة: أن يدَّخر الله له ثوابها وجزاءها في الآخرة. ولهذا لمَّا سمع الصحابة ذلك قالوا: يا رسول الله، إِذن نكثر. أي من الدعاء. إذا كان الإنسان سيكسب لا محالة، وسيربح من الدعاء لا بد، إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، إِذن نكثر. فقال رسول الله ﷺ : «الله أكثر». أي: أكثروا، وما عند الله أكثر من دعائكم. فالله تعالى لا تنفد خزائنه، ولا تفنى كنوزه.
فهذا هو المطلوب من المسلم، أن يظل يدعو، ويصلِّي صلاة الحاجة، وهي ركعتان، يدعو الله تبارك وتعالى بعدهما أن يحقِّق له حاجته، وكما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[البقرة: 153]. فيستعين المسلم بالصلاة، وكان النبيُّ إذا حزبه أمر ـ أي: اشتدَّ به أمر ـ ونزل به كرب، فزع إلى الصلاة(6)، فالصلاة مدد للإنسان في معركة الحياة.
فالأخت تدعو وتصلِّي، وتستغفر الله، وتنتظر نصيبها، وإن شاء الله سيأتيها، ولكن لا تجزع ولا تيئس، فكل شيء له أوانه، ولا أحد يعرف أين الخير.
حتى لا يضايقكِ الشباب:
وأنصح ابنتي أن تتمسَّك بالتزامها وجدِّيَّتها، فهؤلاء الشباب من الجيران والأقارب الَّذين يعاكسونها ويضايقونها تستمر في صدِّهم وردِّهم بقوة؛ لأنَّ الشباب إذا لمسوا من الفتاة مجرد رضا أو سكوت يطمعون أكثر، لذا قال الله تعالى:﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[الأحزاب: 32].
الإنسان الَّذي في قلبه مرض الشهوة بمجرد كلمة لطيفة، أو نظرة أو حركة: يطمع وتتحرك نفسه الأمَّارة بالسوء، وعقله المريض، ولذلك أمر ربنا 4 نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وقال: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾[الأحزاب: 59]. أي يعرفن بالعفَّة والطهارة، فالمرأة المتستِّرة المتوقرة الَّتي تمشي على استحياء، والَّتي لا تكون لعوبًا في كلامها وحركاتها ومشيها، تعرف بعفتها، فلا يؤذيها أحد.
(1) رواه الترمذي (1084) موصولًا ومرسلًا. وإنَّما يعني بقوله: مرسلًا انقطاع ما بين ابن عجلان وأبي هريرة، وقد رجَّح البخاري المنقطع على المتصل. وابن ماجه (1967)، كلاهما في النكاح، وحسَّنه الألباني في الصحيحة (1022)، عن أبي هريرة.
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، عن أبي هريرة.
(3) حكم ابن عطاء الله شرح الشيخ زروق صـ 47 ـ 49.
(4) سبق تخريجه صـ 223.
(5) سبق تخريجه صـ 218.
(6) رواه أحمد (23299)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في قيام الليل (1319)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (4703)، عن حذيفة بن اليمان.