2026-06-13
47
الاستمناء لغلبة الشهوة
نحن الشباب نتعرَّض لبعض الفتن والمغريات، وأنا أغضُّ بصري دائمًا، وأقيِّد نفسي بأوامر الشرع، ولكن أحيانًا تفلتُ منِّي نظرة أو نحو ذلك، وأحيانًا أُضطرُّ إلى عملية الاستمناء لأفرغ شهوتي، حتَّى لا أفكِّر في الحرام، فهل يجوز لي ذلك؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
يقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 30 ـ 31]. ومعنى الغض من البصر خفضه، وعدم إرساله طليق العنان، يلتهم الغاديات والرائحات، أو الغادين والرائحين. فإذا نظر إلى الجنس الآخر: لم يغلغل النظر إلى محاسنه، ولم يطل الالتفات إليه والتحديق به. ولهذا قال الرسول ! لعليِّ بن أبي طالب: «يا عليُّ، لا تُتْبِعِ النظرةَ النظرةَ؛ فإنَّما لك الأولى، وليست لك الآخِرة»(1). وسئل النبيُّ ﷺ عن نظر الفجأة فقال: «اصرفْ بصرَك»(2).
وقد جعل النبي 0 : النظرات الجائعة الشرهة من أحد الجنسين إلى الآخر زِنًى للعين، فقال: «العينان تزنيان، وزناهما النظر»(3). وإنَّما سمَّاه زِنًى؛ لأنَّه ضرب من التلذُّذ والإشباع للغريزة الجنسيَّة، بغير الطريق المشروع.
إنَّ هذا النظر المتلذِّذ الجائع ليس خطرًا على خُلُق العفاف فقط، بل هو خطر على استقرار الفكر وطمأنينة القلب، الَّذي يصاب بالشرود والاضطراب.
قال الشاعر:
وكنتَ إذا أرسلتَ طرفك رائدًا
لقلبِكَ يومًا أتعبتْكَ المناظرُ
رأيتَ الَّذي لا كلَّه أنت قادرٌ
عليه ولا عن بَعْضِه أنت صابرُ(4)
وإطلاق العين هو الخطوة الأولى من مصايد الشيطان، كما قال الشاعر قديمًا:
كُلُّ الحوادثِ مبداها من النَّظَرِ
ومعظمُ النَّارِ من مَسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ(5)
وكما قال الشاعر أحمد شوقي رحمه الله تعالي:
نـظـرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ
فـكـلامٌ فـمـوعدٌ فـلـقـاءُ(6)
هذا كلُّه سببه النظرة، فأنصحك أن تتجنَّب هذه النظرة، وتغلق هذا الباب، كما قيل في المثل العامي: «الباب الَّذي يجيئك منه الريح، سدّه واستريح».
وأمَّا بالنسبة للاستمناء فأقول: إنَّ على الشباب المسلم أن يمتنع عن هذه العادة السيِّئة، وهي الَّتي يسمُّونها العادة السِّرِّيَّة، أو وفق التعبير الفقهي الاستمناء، وهي: محاولة الذكر استخراج منيِّه بيده، عن طريق العبث بالآلة التناسلية، إلى أن ينزل المني، فتستريح أعصابه، وتهدأ ثورته الغريزية.
والفقهاء مختلفون في حكم الاستمناء، بعضهم يحرِّم هذا الأمر تحريمًا باتًّا، ويستدل بقول الله تعالى في وصف المؤمنين المفلحين: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾[المؤمنون: 5 ـ 7]. العادون أي: المعتدون الظالمون المتجاوزون للحدود. قالوا: من استمنى بيده فقد ابتغى وراء الزوجة وملك اليمين، ولا يكون ممَّن ذكرتهم الآية من المؤمنين المفلحين الَّذين هم لفروجهم حافظون.
وهناك أحاديث وردت في تحريم الاستمناء، قال عنها علماء الحديث: لم يصح منها شيء، وبعض الخطباء والوعاظ يتساهل في إيراد هذه الأحاديث، مع أنَّ أحاديث الأحكام لا بدَّ من التدقيق والتحقيق فيها، هل هي صحيحة أم لا؟
وهناك من العلماء من أجاز الاستمناء للحاجة والضرورة من باب الرخصة، وهذا جاء عن بعض السلف، وهو مذهب الحنابلة، وقيَّد فقهاء الحنابلة الجواز بأمرين: الأول خشية الوقوع في الزِّنى، والثاني عدم استطاعة الزواج. فهو بهذا يرتكب أخفَّ الضررين، ويفعل أهون الشرين. وقد أفتيتُ بهذا من قديم في كتابي «الحلال والحرام في الإسلام» فقد قلتُ: ويمكن أن نأخذ برأي الإمام أحمد في حالات ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام؛ كشاب يتعلم أو يعمل غريبًا عن وطنه، وأسباب الإغراء أمامه كثيرة، ويخشى على نفسه العنت، فلا حرج عليه أن يلجأ إلى هذه الوسيلة يطفئ بها ثوران الغريزة، على ألَّا يسرف فيها ويتَّخذها دَيْدَنًا، فمثل هذا يجوز له ما دام ليس عنده زوجة.
أو من كان في سنٍّ لا تسمح له بالزواج، أو من ليس عنده مقدرة على الزواج، أو من كان في غربة وهو متزوِّج، ولكنَّه في بلد وزوجته في بلد آخر، فمثل هذا يلجأ إلى الاستمناء للضرورة، فهذه رخصة، ولكن بشرط ألَّا تصبح عادة؛ والمشكلة هنا أنَّ النَّاس يسمُّونها «العادة السريَّة»، وهذا يعني أنَّها أصبحت لدى البعض عادة، وهذا لا يجوز؛ لأنَّها متى أصبحت عادة كانت خطرًا على الصحة والقوة البدنيَّة والعصبية؛ وخطرًا على نفسية الشخص؛ لأنَّه يصبح عبدًا لها، وقد يصل الأمر ببعض النَّاس أنَّهم يرتكبون هذا الأمر حتَّى بعد زواجهم، يترك الرجل امرأته ويفعل هذه العادة السيِّئة، والمرأة في حاجة إلى الإمتاع والإحصان؛ فهو لأنَّه عاش مع هذه العادة زمنًا طويلًا أصبح مدمنًا لها.
وأفضل من ذلك ما أرشد إليه الرسول الكريم الشاب المسلم الَّذي يعجز عن الزواج؛ أن يستعين بكثرة الصوم، الَّذي يربِّي الإرادة، ويعلِّم الصبر، ويقوِّي ملكة التقوى ومراقبة الله تعالى في نفس المسلم وذلك حين قال: «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطعْ فعليه بالصومِ؛ فإنَّه له وِجَاء»(7).
الصوم يربِّي عند الإنسان مَلَكة التقوى، ويعطيه قوة الإرادة، فيمتنع عن العادات السيِّئة، ومنها هذه العادة.
(1) رواه أحمد (22991)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره. وأبو داود في النكاح (2149)، والترمذي في الأدب (2777)، وحسَّنه، عن بريدة.
(2) رواه مسلم في الآداب (2159)، وأحمد (19197)، عن جرير بن عبد الله.
(3) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الاستئذان (6243)، ومسلم في القدر (2657)، عن أبي هريرة بلفظ: «فزنى العينين النظر».
(4) رواه الخرائطي في اعتلال القلوب صـ 138
(5) ذكره من غير نسبة ابن القيم في بدائع الفوائد (2/271)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.
(6) انظر: أحمد شوقي الأعمال الشعرية الكاملة (2/112)، نشر دار العودة، بيروت، 1988م.
(7) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (5065)، ومسلم (1400)، كلاهما في النكاح، عن ابن مسعود.