2026-06-13
73
عدد الرضعات المحرِّمة
أنا واحد من الشبان المسلمين البنجلاديشيين، وقد أردت أن أنكح فتاةً قريبةً لي، وهي بنت عمَّتي، ماتت أمها بعد يوم ولادتها، وأخذت زوجة عمي مسؤولية تربيتها ولكنَّها رضعت من أمي، وهي في سن سبعة أو ثمانية أشهر مرَّة واحدة لمدة دقيقتين، ولم ترضع غيرها قط، فسألت العلماء في بلادي، فأفتوني بأنَّه لا يجوز لي النكاح منها؛ لأنَّها شربت اللبن في الدقيقتين أكثر من خمس مرات، لكنَّني قرأت كتابكم «الحلال والحرام» الَّذي ترجمه أحد علماء بنغلاديش إلى اللغة البنغالية؛ فنظرت فإذا فيه مكتوب: أن لا يقل عدد الرضعات عن خمس مشبعات، والرضعة المشبعة هي الَّتي يدع الطفل فيها الثدي من تلقاء نفسه لشعوره بالشبع.
فتيقَّنت أنَّها رضعة واحدة. إذن إنَّها لا تحرم عليَّ كما هو مبيَّن في كتابكم، فما الحل في هذه الحالة، والحال أنَّ علماء بنغلاديش أفتوا بتحريم الزواج منها؟
نرجو من سماحتكم التكرم بالجواب على الفتوى في أسرع وقت ممكن.
وجزاكم الله خيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ ما أفتى به السادة العلماء في «بنجلاديش» مبنيٌّ على مذهبهم الَّذي التزموه، ولم يدرسوا غيرَه، وهو المذهب الحنفي، الَّذي يحرِّم بما قلَّ من الرضاع وكثر، ولو برضعة واحدة، ولو بمصَّة واحدة، وهذا ما نصَّت عليه كتب السادة الحنفيَّة، وأجمعت عليه، ومن هنا كانت الفتوى الصادرة من هؤلاء العلماء صحيحة، بالنسبة للمذهب الَّذي يُقلِّدونه.
ولكنَّ القرآن والسُّنَّة لم يوجبا علينا اتباع مذهب معيَّن، لا نحيد عنه في صغيرة ولا كبيرة، ولم يوجب ذلك أحد من الأئمَّة المتبوعين أنفسهم، ولم يوجبه الإمام أبو حنيفة ولا أحد من أصحابه على أحد بعده.
لهذا لا يوجد مانع شرعي من الخروج من الضيق إلى السَّعَة، إذا كانت هذه السعة مع مذهب آخر، من المذاهب الَّتي قبلتها الأمة، ورضيتها في مجموعها.
فكيف إذا كان الدليل مع المذهب المخالف، كما هو الحال في قضيتنا، في الرضاع وحكمه؟
فالذي أُفِتي به هنا: ما عليه مذهب الشافعية والحنابلة، وهو أنَّ التحريم إنَّما يكون بخمس رَضَعات مشبعات معلومات، وقد أيَّد ذلك الحديث الصحيح.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عائشة # مرفوعًا: «لا تحرِّم المصَّة والمصَّتان»(1).
وأخرج أيضًا من حديث أم الفضل # قالت: دخل أعرابي إلى النبي ﷺ وهو في بيتي فقال: يا نبي الله، إنِّي كانت لي امرأة، فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنَّها أرضعت امرأتي الحديثة (الجديدة) رضعة أو رضعتين. فقال النبي ﷺ : «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»(2). أي الرضعة.
وفي رواية أخرى للحديث: «لا تحرِّم الرضعة والرضعتان، والمصَّة والمصَّتان»(3).
وأخرج مالك في الموطأ، وأحمد في المسند من حديث عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لسهلة: امرأة أبي حُذَيْفة ـ في قصَّة سالم مولاه ـ: «أرضعيه خمسَ رَضَعات»(4). أي لكي يحرم عليها، فهذا يدلُّ على أنَّ ما دون خمس رَضَعات لا يحرِّم.
وأخرج مسلم وغيره عن عائشة أيضًا: كان فيما نزل من القرآن: عشر رَضَعات معلومات يحرمن، ثمَّ نسخن بخمسٍ معلومات، وتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يُقرأ من القرآن(5). وقد روي بألفاظ مختلفة.
وفي الحديث مناقشة، ولكن الَّذي يهمُّنا منه هو ثبوت حكم التحريم في الرضاع بخمس رَضَعات معلومات، لا فيما هو أدنى من ذلك، وقد كان الحكم السابق عشر رضعات، وهذا هو الَّذي يتفق مع حكمة التحريم بالرضاع، وهو أنَّه يثبت نوعًا من الأمومة بين المرضعة والرضيع، وعليها تتفرع الأخوة أيضًا، وهذا لا يثبت برضعة أو رضعتين، فكلَّما زاد عدد الرضعات كان أقرب إلى تحقيق تلك الأمومة.
ثم إنَّ الرضعات الخمس هي الَّتي يمكن أن تفتق الأمعاء، وتنبت اللحم، وتنشر العظم؛ كما جاء في بعض الأحاديث الأخرى(6).
وإذا كان النصُّ قد حدَّد الرضاع المحرِّم بخمس رضعات، فإنَّه لم يحدِّد مقدار كل رضعة، بل ترك ذلك للعرف، كما ترك أشياء كثيرة لعرف الناس؛ كالقبض في البيع، والحرز في السرقة، وإحياء الموات وغيرها.
والعرف لا يعتبر الرضعة إلَّا ما أشبع، ولهذا يقول الناس: إنَّ الطفل يحتاج كل يوم إلى أربع رَضَعات أو خمس، يعنون: الرضعة الَّتي هي للطفل بمثابة الوجبة للكبير.
وعلى هذا الأساس يكون من المباح أن تتزوَّج بابنة عمَّتك المذكورة، ولا تكون هذه الرضعة الَّتي لم تستمر أكثر من دقيقتين كما شرحت في سؤالك: مانعة من الزواج بها؛ على ما بيَّنته من مذهبَي الإمامين: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وقد أيدتهما الأحاديث الصحاح في ذلك.
فالحمد لله حمدًا كثيرًا، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
(1) رواه مسلم في الرضاع (1450)، وأحمد (24026)، عن عائشة.
(2) رواه مسلم في الرضاع (1451) (18)، وأحمد (26873)، عن أم الفضل.
(3) رواه مسلم في الرضاع (1451) (20).
(4) رواه مالك في الرضاعة (2247) تحقيق الأعظمي، وأحمد (25650)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين
(5) رواه مسلم في الرضاع (1452)، وأبو داود في النكاح (2062).
(6) منها حديث: «لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما فتق الأمعاء في الثدي». رواه الترمذي (1152)، وقال: حسن صحيح. عن أم سلمة. «لا يحرم من الرضاع المصة، والمصتان، ولا يحرم منه إلَّا ما فتق الأمعاء من اللبن». رواه عبد الرزاق في الطلاق (13910)، والنَّسائي في الكبرى، في النكاح (5442)، عن أبي هريرة.