2026-06-13
47
الحب والزواج
قُدِّر لي، أو قدر عليَّ أن أتعلَّق بشاب مسلم مثقف، ذي خلق ودين، وفيه في نظري كل ما تطلبه الفتاة في فارس أحلامها، وقد تعلَّق هو بي أيضًا، وأصبح كلانا لا يتصوَّر أن يعيش بدون الآخر، فقد دخل قلبي ودخلت قلبه، وملك حبه عليّ نفسي، وبنيت أملي ورجائي كله على أن يكون شريك حياتي وقسيم عمري.
ولا تظن يا فضيلة الأستاذ أنَّ هذا كان نزوة من نزوات المراهقة، أو مغامرة من مغامرات الشباب، فما كان لنزوة أو مغامرة أن تستمر ست سنوات كاملة؛ في طهارة واستقامة، وبُعد عن كل ريبة، دون أن تنطفئ شعلة الحبِّ بيننا، أو تضعف علاقتنا، بل ما ازدادت على مر الأيام إلّا قوة.
والمهم أنَّه بعد طول الانتظار والصبر هذه السنين حتَّى تخرج، واحتل مكانه في الدولة والمجتمع، وجاءت اللحظة الَّتي ظللت انتظرها أنا وهو على أحر من الجمر، أقول: إنَّه بعد طول الانتظار تقدم إلى أهلي يخطبني على سنة الله ورسوله.
وهنا كانت المفاجأة، بل الصدمة العنيفة له ولي، فقد رفضه أهلي لا لسبب إلّا لأنَّ عائلته أقل مركزًا من عائلتنا، مع أنَّ له أخًا شقيقًا خطب من عائلة أكبر من عائلتنا، ولم يجدوا في ذلك غضاضة، ولم يبدوا أيَّ اعتراض.
وأنا لا أدري ماذا أصنع، فأنا لا أتصور الحياة بدونه، ولا أتخيل لي مستقبلًا مع أحدٍ غيره، وأنا مستعدة لأي شيء من أجله، حتَّى لو كانت روحي لا أبخل عليه بها، ولو أجبرت على الزواج من غيره فسيكون هذا حكمًا عليَّ بالموت، إن لم يكن ماديًّا فمعنويًّا.
فهل يقبل ديننا الحنيف هذا التصرف؟ وهل هناك حل لمشكلتنا، في ضوء الشرع الشريف؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
1 ـ أودُّ أن أؤكد ما ذكرته مرارًا: أنِّي لا أحبذ ما يقوله بعض النَّاس في عصرنا من ضرورة «الحبِّ قبل الزواج»؛ لأنَّ هذا الطريق محفوف بالخطر، مُحاط بالشبهات.
فكثيرًا ما يبدأ بداية غير سليمة ولا مستقيمة، كالحبِّ الَّذي يأتي عن طريق المحادثات الهاتفيَّة التليفونيَّة العشوائيَّة، الَّتي يتسلَّى بها بعض الشباب، في فترات فراغهم أو مللهم أو عبثهم، فتستجيب لهم بعض الفتيات، وهذا يحدث عادة من وراء الأهل، وبدون اختيار ولا تفكير.. لا من الفتى ولا من الفتاة، فهو يبدأ كما قالوا في التدخين «دلعًا» وينتهي «ولعًا»، يبدأ هزلًا وينتهي جِدًّا.
وكثيرًا ما يؤدي إلى عواقب غير محمودة، لأنَّه يتم بعيدًا عن دائرة الضوء، مع طيش الشباب، وتحكم العواطف، وغلبة الهوى، وسيطرة الغرائز، ووسوسة الشياطين من الإنس والجن، وفي مثل هذا المناخ لا يبعد من الفتى والفتاة أن يقعا في الخطأ، وهما ليسا من الملائكة المطهرين، ولا الأنبياء المعصومين.
وفضلًا عن هذا وذاك قد يكون الحب بين طرفين غير متكافئين اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، فتحول دونهما الحوائل، وتقف العقبات والعوائق؛ دون ارتباطهما بالزواج، وفي هذا ما فيه من حرج الصدر، وشتات الأمر.
2 ـ وأرى أنَّ أفضل الطرق للزواج، هو ما تعارفت عليه مجتمعاتنا العربية والإسلاميَّة؛ قبل الغزوة الثقافيَّة الغربية لأمتنا، وهو الاختيار الهادئ العاقل من كلا الطرفين لشريكة الحياة أو شريكها، بعد الدراسة المتَّزنة لشخصية كل من الشاب والشابة، وملاءمة كل منهما للآخر، وإمكانات النجاح لهذا الزواج من النواحي المزاجية والنفسية والعقلية، والاقتصادية والاجتماعيَّة، وعدم وجود موانع وعقبات في طريق الزواج من جهة أحد الطرفين، أو أسرته، أو أعراف المجتمع أو قوانينه المرعية، إلخ.
هنا يأتي الخاطب البيت من بابه، ويتقدَّم إلى أهل الفتاة، ويُتاح له رؤيتها، كما تتاح لها رؤيته، وحبذا أن يتم ذلك من غير أن تعلم الفتاة بذلك، رعايةً لمشاعرها، إذا رآها الخاطب فلم تعجبه ولم تدخل قلبه.
3 ـ ومع هذا كله أرى أنَّه إذا «دخلت الفأس في الرأس» كما يقال، أي «وقع الحب» بالفعل، وتعلق كل من الشاب والشابة أحدهما بالآخر، وكان من نوع الحب الطاهر الشريف، الَّذي تحدَّثت عنه ابنتنا السائلة، واستمر مدة طويلة دلَّت على أنَّه لم يكن نزوة طارئة، أو «لعب عيال» هنا ينبغي للأهل أن ينظروا في الأمر بعين البصيرة والحكمة، ولا يستبدُّوا بالرأي، ويرفضوا الخاطب بأدنى سبب، أو بلا سبب.
وينبغي الإصغاء جيدًا لما أرشد إليه الحديث النبوي الشريف الَّذي رواه ابن عبَّاس ^ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لم يُرَ للمتحابِّين مثلَ النكاح»(1).
يعني أنَّ النكاح أي الزواج هو أنجح الوسائل لعلاج هذا التعلق العاطفي، الَّذي يصل إلى درجة «الحب» أو «العشق» بين قلبي رجل وامرأة، خلافًا لما كان يفعله بعض قبائل العرب في البادية من ضرورة حرمان المحبِّ ممَّن يحبُّها، وخصوصًا إذا عرف ذلك، أو قال فيها شعرًا، ولو كان حبه من الحب العذري الطاهر العفيف.
إنَّ الإسلام شريعة واقعية، ولهذا رأى ضرورة تتويج الارتباط العاطفي بارتباط شرعي قانوني، تتكوَّن على أساسه أسرة مسلمة، يُغذِّيها الحبُّ، كما يُغذِّيها الدِّين.
إنَّ استبداد الأهل بالرأي، والصمم عن الاستماع لنبضات قلب الفتى والفتاة، وتغليب اعتبارات الرياء الاجتماعي، والمفاخرات الجاهلية بالأنساب والأحساب، ليس وراءه في النهاية إلّا تعاسة الأبناء والبنات، أو دفعهم ودفعهن إلى التمرُّد على التقاليد الَّتي تجاوز أكثرها الزمن، وغدت من مخلفات عصور الانحطاط وأصبح «نسب» عصرنا هو العلم والعمل والنجاح.
إنَّ الَّذي يحرص عليه الإسلام بالنسبة للزوج أو الخاطب هو: الدين والخلق وهما أهم مقومات الشخصية المسلمة. وفي هذا يقول الرسول الكريم ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون خُلُقه ودِينَه فزوِّجوه، إلَّا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض»(2).
(1) رواه ابن ماجه (1846)، والحاكم (2/160)، وصحَّحه، كلاهما في النكاح، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (5200)، عن ابن عبَّاس.
(2) سبق تخريجه صـ 255.