2026-06-14
53
ما يحلُّ للزوج من زوجته
نحن من العرب المسلمين، نعيش في أمريكا الشمالية منذ سنوات، وقد أكرمنا الله تعالى بالعمل في مجال النشاط الإسلامي بين المسلمين من كل الأجناس والألوان والطبقات، فمنَّا العرب، ومنَّا الهنود والباكستانيون، ومنا الماليزيون والأفارقة، ومنا الأمريكان من بيض وسود.
وتصادفنا أسئلة كثيرة منها ما لا عهد لنا بمثله في أوطاننا العربية والإسلاميَّة، وكثير منها يسأله إخواننا وأخواتنا من الأمريكيين المسلمين والأمريكيات المسلمات، بعضها يتعلَّق بالصلات الجنسيَّة بين الرجل وزوجته، ممَّا هو معتاد في تلك البيئة، وأصبح جزءًا من حياتهم وعاداتهم الراسخة.
من ذلك: تجرُّد الزوجين عند الجماع من الثياب تمامًا.
ومنها: نظر الرجل إلى فرج امرأته، والمرأة إلى فرج زوجها.
وأشياء أخرى من هذا القبيل قد نستحي من ذكرها علانية، ممَّا من شأنه أن يحرِّك شهوة كل منهما إلى الآخر، إذ يبدو أنَّ حالة التكشف والعري والتحلل هناك أصابت القوم بنوع من البرود الجنسي، الَّذي يحتاج إلى محرِّك أو مثير لا نحتاج إليه نحن في بلاد العروبة والإسلام.
وقد كنَّا نجيب عن مثل هذه الأسئلة بالمنع والتحريم، لما ترسَّب في أذهاننا من أقوال وأحاديث سمعناها في الغالب من أهل الوعظ، لا من أهل الفقه.
ولكن بعض الإخوة ذكروا لنا أنَّهم سمعوا منك ما يخالف هذا، في بعض زياراتك لأمريكا، وإجاباتك لبعض الأسئلة الَّتي وجِّهت إليك في المؤتمرات العامة، واللقاءات الخاصة.
لهذا أحببنا أن نستوثق منك بصورة مباشرة، ونعرف رأيك في هذه الأسئلة المثارة، مؤيدًا بأدلته من الكتاب والسُّنَّة؛ راجين ألَّا تهمل الردَّ علينا، وإن كنا نقدِّر كثرة أعبائك ومشاغلك، ولكن للمسلمين فيما وراء البحار حق عليك أيضًا.. وفَّقك الله وأعانك لخدمة الإسلام والمسلمين.
مجموعة من مسلمي الولايات المتحدة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أرى من المفيد للأخ السائل أن يراجع ما كتبته عن «العلاقة الجنسيَّة بين الزوجين»(1) وموقف الإسلام منها، حتَّى يتبيَّن للأخ المستفتي ومن معه من الإخوة وراء البحار: أنَّ الإسلام لم يهمل هذا الجانب من جوانب الحياة، الَّذي قد يحسبه بعض النَّاس أبعد ما يكون عن الدين واهتماماته، بل قد يتوهَّم بعض النَّاس أنَّه ينظر إلى «الجنس» وما يتَّصل به على أنَّه «رجس من عمل الشيطان» وأنَّ نظرة الإسلام إلى الجنس كنظرة الرهبانيَّة إليه.
والواقع أنَّ الإسلام قد عني بهذا الجانب الفطري من حياة الإنسان، ووضع فيه من القواعد والأحكام والتوجيهات ما يضمن أداءه لوظيفته؛ في غير غلو ولا كبت ولا انحراف.
وحسبنا ما جاء في سورة البقرة حول هذا الموضوع في قوله تعالى:﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[البقرة: 222، 223].
وقد حفلت كتب التفسير والحديث والفقه والآداب وغيرها بالكثير ممَّا يتصل بهذا الجانب، ولم يرَ علماء المسلمين أيَّ بأس في الحديث عن هذا الموضوع ما دام في إطار العلم والتعليم، وقد شاع بين المسلمين كافة هذا القول: لا حياء في الدين، أي في تعلُّمه وتعليمه، أيًّا كان موضوعه.
والإسلام قد جاء لكلّ الأجناس، ولكل الطبقات، ولكل البيئات، ولكل الأعصار ولكل الأحوال، فلا ينبغي أن تتحكَّم في فقهه وفتاويه وتوجيه أحكامه أذواق أو تقاليد أقوام معينين، في بيئة معينة، كبيئة المسلمين العرب أو الشرقيين، فنحجر بذلك ما وسَّع الله، ونعسِّر ما يسَّر الدين، ونمنع النَّاس ممَّا لم يمنعهم الشرع منه، بنصوصه الثوابت المحكمات.
ومن هنا أطالب الإخوة الغيورين، الَّذين يسارعون إلى الإفتاء بالمنع والتحريم فيما لم يألفوه، أو تستشنعه أنفسهم بحكم نشأتهم وتربيتهم الخاصة، أن يتبيَّنوا ويتثبَّتوا قبل الجزم بالحكم، وخصوصًا عند الإيجاب أو التحريم، وألا يأخذوا الأحكام من كتب الوعظ والرقائق، ولا من ألسنة أهل الوعظ والترغيب والترهيب، فكثيرًا ما ينقصها التحقيق والتدقيق، وقلَّما تخلوا من التهويل والمبالغات إلّا من رحم ربك.
كما لا ينبغي عند اختلاف العلماء أن يلتزموا المذهب الأشد في ذلك أخذًا بالأحوط، فقد يكون الأخذ بالأيسر هو الأولى، لأنَّه الأقوى دليلًا، أو لأنَّه الأوفق بروح الشريعة وحاجات الناس، وخصوصًا إذا كان السائلون من حديثي العهد بالإسلام، كما في موضوعنا، فالإفتاء بالأيسر لهؤلاء أولى من الإفتاء بالأحوط، ولكل مقام مقال!
وفي الموضوع الَّذي سأل عنه الإخوة نجد كتب الفقه لم تهمله، بل تحدَّثت عنه.
ذكر في متن «تنوير الأبصار» وشرحه «الدر المختار» من كتب الحنفية جواز أن ينظر الرجل من امرأته إلى ما ظهر منها وما بطن، ولو إلى فرجها، بشهوة وبغير شهوة.
قال في «الدر»: والأولى تركه، لأنَّه يورث النسيان، وأضاف آخرون أنَّه يضعف البصر(2). فعلَّلها بتعليلات غير شرعية، إذ لم يجئ بها نص من كتاب ولا من سنة، وهي مردودة من الناحية العلميَّة، فليس هناك أي ارتباط منطقي ولا واقعي بين السبب والنتيجة.
واستدل في «الهداية» لأولوية الترك بحديث: «إذا أتى أحدكم أهله فليستترْ ما استطاع، ولا يتجرَّدان تجرُّد العَيْرين» أي الحِمارين.
قال: وكان ابن عمر يقول: الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل اللذَّة(3).
قال العلامة ابن عابدين:
لكن في «شرح الهداية» للعَيْني: أنَّ هذا لم يثبت عن ابن عمر بسندٍ صحيحٍ ولا ضعيف(4).
قال: وعن أبي يوسف: سألتُ أبا حنيفة عن الرجل يمسُّ فرج امرأته، وهي تمسُّ فرجه، ليتحرَّك عليها، هل ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا، وأرجو أن يعظم الأجر(5).
ولعلَّه يشير إلى الحديث الصحيح: «وفي بُضْعِ أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: «نعم، أليس إذا وضعها في حرامٍ كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، أتحتسبون الشرَّ، ولا تحتسبون الخير؟!» رواه مسلم(6). فرضي الله عن أبي حنيفة ما كان أفقهه!
أمَّا الحديث الَّذي استدل به في «الهداية» فلا حجَّة فيه، لأنَّه ضعيف(7).
وحتَّى لو قبلنا تساهل السيوطي الَّذي رمز للحديث السابق بالحسن في جامعه الصغير(8) لكثرة طرقه، فإنَّه لا يفيد أكثر من الكراهة التنزيهيَّة الَّتي تزول لأدنى حاجة.
وفي مجتمع مثل المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات الغربية نجد أنَّ لهم عادات في اللقاء الجنسي بين الزوجين، تخالف ما درجنا عليه في أوطاننا مثل التعرِّي عند الجماع، أو نظر الرجل إلى فرج امرأته، أو لعب المرأة بذكر زوجها وتقبيله ونحو ذلك؛ ممَّا قد يدفعهم إليه ما أصيبوا به من برود جنسي؛ نتيجةً لانتشار الإباحية والتحلل والعري، ممَّا يجعل الرجل وربَّما المرأة أيضًا في حاجة إلى مثيرات غير عادية. فهذه أشياء قد تنكرها أنفسنا، وتنفر منها قلوبنا، وتستسخفها عقولنا، ولكن هذا شيء وتحريمها باسم الدين شيء آخر.
ولا ينبغي أن يقال في شيء: حرام، إلّا أن يوجد في القرآن والسُّنَّة الصحيحة، النص الصريح على حرمته، وإلَّا، فالأصل الإباحة.
ولا نجد هنا النصَّ الصحيح الصريح الدال على حرمة هذا السلوك مع الأزواج، وهذا ما جعلني في زياراتي لأمريكا، في مؤتمرات اتحاد الطلبة المسلمين، وزياراتي للمراكز الإسلاميَّة في عدد من الولايات، إذا سئلت عن هذا الأمر ـ وهو غالبًا يأتي من المسلمات الأمريكيات ـ أن أميل إلى التيسير لا التعسير، والتسهيل لا التشديد، والإجازة لا المنع، لحديث: «احفظْ عورتك إلَّا عن زوجتك وما ملكت يمينُك»(9)، ولقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5، 6].
وهذا ما ذهب إليه، وشدد النكير على من خالفه الإمام ابن حزم، حيث لم يصح لديه نص يمنع من ذلك، ولهذا لم يجد فيه أي كراهة أصلًا. فقال في «المحلى»:
«وحلالٌ للرجل أن ينظر إلى فرج امرأته: زوجته وأَمَته الَّتي يحلُّ له وطؤها، وكذلك لهما أن ينظرا إلى فرجه، لا كراهية في ذلك أصلًا.برهان ذلك الأخبار المشهورة من طريق عائشة، وأم سلمة، وميمونة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أنهن كن يغتسلن مع رسول الله ﷺ ، من الجنابة من إناء واحد.وفي خبر ميمونة بيان أنَّه ! كان بغير مئزر، لأنَّ في خبرها أنَّه ! أدخل يده في الإناء، ثمَّ أفرغ على فرجه وغسله بشماله، فبطل بعد هذا أن يلتفت إلى رأي أحد.ومن العجب أن يبيح بعض المتكلِّفين من أهل الجهل وطء الفرج ويمنع من النظر إليه، ويكفي في هذا قول الله ﷻ :﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾[المؤمنون: 5، 6].فأمر 8 بحفظ الفرج إلَّا على الزوجة، وملك اليمين، فلا ملامة في ذلك، وهذا عموم في رؤيته ولمسه ومخالطته.وما نعلم للمخالف تعلقًا إلَّا بأثرٍ سخيف عن امرأة مجهولة عن أمِّ المؤمنين: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطُّ(10).وآخر ـ في غاية السقوط ـ عن أبي بكر بن عياش، وزهير بن محمد، كلاهما عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي، وهؤلاء: ثلاث الأثافي والديار البلاقع! أحدهم كان يكفي في سقوط الحديث»(11).
والحديث الَّذي استدل به ابن حزم في صحيح البخاري عن ابن عبَّاس عن ميمونة أم المؤمنين قالت: سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة؛ فغسل يديه، ثمَّ صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه. الحديث(12).
وفي الصحيح أيضًا عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناءٍ واحدٍ من قدح يقال له: الفَرَق(13).
وذكر الحافظ في «الفتح» استدلال بعض العلماء بالحديث المذكور على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه.
قال: «ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنَّه سُئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة، فذكرت هذا الحديث بمعناه، وهو نصٌّ في المسألة. والله أعلم»(14).
(1) فتاوى معاصرة (1/483 ـ 490)، نشر دار القلم، الكويت، ط9، 1422هـ ـ 2001م.
(2) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (6/366 ـ 367).
(3) الهداية في شرح بداية المبتدي للمرغيناني (4/370)، تحقيق طلال يوسف، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت. حاشية رد المحتار على الدر المختار (6/367).
(4) البناية شرح الهداية للعيني (12/152)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1420هـ ـ 2000م.
(5) حاشية رد المحتار على الدر المختار (6/367).
(6) رواه مسلم في الزكاة (1006)، وأحمد (21473)، عن أبي ذر.
(7) وهو حديث: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرَّد تجرُّد العَيْرين». رواه ابن ماجه في النكاح (1921)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (2/109): هذا إسناد ضعيف لضعف الأحوص بن حكيم العنسي الحمصي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (279)، عن عُتْبة بن عبدٍ السلمي.
(8) الجامع الصغير للسيوطي (1/15)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
(9) رواه أحمد (20034)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده حسن. وأبو داود في الحمام (4017)، والترمذي في الأدب (2769)، وحسَّنه، عن معاوية القشيري.
(10) رواه أحمد (25568)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن ماجه في الطهارة (662)، وضعَّفه الألباني في الإرواء (1812).
(11) المحلى بالآثار لابن حزم (9/164 ـ 165).
(12) رواه البخاري في الغسل (266).
(13) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الغسل (250)، ومسلم في الحيض (319)، عن عائشة.
(14) فتح الباري (1/364).