2026-06-14
35
علاج الزوجة على من تكون نفقته؟
أثار بعض الدعاة قضيَّة «علاج المرأة» وعلى من تكون هذه النفقة وقال هؤلاء: إنَّ فقهاء المذاهب قالوا: إنَّ نفقة علاج المرأة غير واجبة على الرجل، ومعنى هذا أنَّ المرأة إذا مرضت وهي عند زوجها، تقوم على رعايته ورعاية أبنائه، تؤنسه بالليل، وتخدمه بالنهار، ولا يلزمه علاجها ومداواتها، بل إذا مرضت عالجها غيره، وداواها سواه، أو تركت فريسة للمرض حتَّى تموت!
فضيلة الشيخ، نريد من سماحتكم بيان الحكم في هذه المسألة ـ الَّتي تظهر إجحاف الإسلام للمرأة ـ في ضوء ما عرفناه عنكم من سعة اطلاع، وتبصُّر بالواقع، ووسطية في المنهج، واتباع للدليل.
بعض طلاب العلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ من الفتاوى ما يحمل طابع زمانه؛ لأنَّ الإنسان ـ وإن كان من الفقهاء ـ لا يستطيع أن يتحرَّر من تأثير زمانه ومكانه، إلَّا نادرًا، ولهذا قرَّر المحققون من علمائنا: أنَّ الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والعرف والحال. وهو ما يلحظه كل دارس للفقه وأثر هذا التغير فيه. وهو ما جعلنا نصدر كتابنا «موجبات تغير الفتوى في عصرنا»(1). وأوردنا فيه عشرة موجبات في عصرنا لتغير الفتوى.
ومن ذلك: ما قرره الفقهاء حول دخول المداواة والعلاج في «نفقه المرأة» الواجبة على الزوج، والَّتي ينبغي أن تدخل ضمن المعاشرة بالمعروف، الَّتي أمر بها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾[النساء: 19]، وليس من المعروف أن يراها الزوج تتلوَّى أمامه من الألم، ولا يحضر لها الدواء اللازم لها، أو يعرضها على الطبيب الَّذي يشخِّص الداء، ويصف الدواء.
وهذا يتنافى مع ما شرعه الإسلام من الرحمة بالضعفاء، والمريض منهم: «الراحمون يرحمُهم الرحمٰن، ارحموا مَنْ في الأرضِ يرحمُكم من في السماء»(2).
بل هذا يتَّفق مع القسوة الَّتي ذمَّ الله أصحابها، كما قال مخاطبًا بني إسرائيل:﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ﴾[البقرة: 74]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ﴾[المائدة: 13].
ثم هناك قاعدة فقهية متفق عليها، وهي: لا ضرر ولا ضرار. وهي قاعدة قطعية مقتبسة من نصِّ حديث، وهي كذلك مقتبسة من جملة آيات صريحة من القرآن في منع الضرر والضرار(3).
ومنها أخذت قواعد فرعية، مثل قاعدة: الضرر يُزال بقدر الإمكان. ولا ريب أنَّ المرض ضرر بصاحبه، وخصوصًا إذا كان مؤلمًا لصاحبه، وإذا كان علاجه معروفًا.
ومن هنا رأينا أمم الأرض كلها تنشئ «وزارات الصحَّة» وتؤسِّس المستشفيات لعلاج المرضى، وتقيم كليات الطب ومعاهد التمريض، وكليات الصيدلة، ومصانع الدواء، لمعالجة الَّذين يشكون من الأمراض، ويعتبرون المرض أحد «الأعداء الثلاثة» الَّتي تصيب المجتمعات، وتحتاج إلى المقاومة المنظمة للتغلب عليها: الجهل، والفقر، والمرض. وبعض الدول تفرض التأمين الصحي لكلِّ مواطنيها.
والمسلمون في عهود ازدهار حضارتهم أقاموا المستشفيات والبيمارستانات الَّتي يعالج فيها الجميع بالمجان. كما ارتقى علم الطب ارتقاءً عظيمًا.
وإنَّما لم ينصَّ الفقهاء على اعتبار العلاج (الذي يعبرون عنه بثمن الدواء وأجرة الطبيب) ضمن النفقة الواجبة للمرأة؛ لأنَّه ـ كما ذكروا ـ ليس من النفقة الراتبة، وإنَّما يحتاج إليه لعارض.
ولكن لماذا لا يُقال: إنَّ هناك أشياء تعرض للإنسان، وهي عند عروضها يجب أن نقوم بها.
وأعتقد أنَّ السبب البعيد وراء ذلك هو أنَّهم لم يوجبوا على الشخص أن يداوي نفسه، بل اعتبروا التداوي من جملة المباحات، وقد روي عن الإمام أحمد: أنَّ ترك التداوي أفضل(4).
وفي باب من أبواب كتاب التوكل في «الإحياء»(5) ردَّ الإمام الغزالي على مَن قال: ترك التداوي أفضل في كل حال. وإذا كان التداوي لا يجب على المرء في شأن نفسه، فكيف يجب عليه مداواة غيره؟!
وقد كان الطبُّ في ذلك الوقت علمًا تخمينيًّا في الغالب: في تشخيصه، وفي وصفه للدواء. بخلاف الحال في عصرنا؛ بعد تقدم الطب تقدمًا هائلًا، وتقدمت الصيدلة وعلم الأدوية، وأصبح أكثر الأمراض يسهل معرفته، ويسهل وصف علاجه، فكيف ندع المريض أمامنا يتوجَّع ممَّا به من أوصاب وآلام، ولا نزيله عنه؟ والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا﴾ [النساء: 29].
وهناك أشياء لا يمكن القول إلّا بعلاجها، مثل الكسور والجراحات الَّتي تصيب الإنسان بسبب وآخر.. لا مفرَّ من القول بوجوب علاجها. وهذا معروف بالفطرة والممارسة.
والله أعلم.
(1) نشره الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كما نشرته دار الشروق، بالقاهرة.
(2) رواه أحمد (6494)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود في الأدب (4941)، والترمذي في البر والصلة (1924)، وقال: حسن صحيح. والحاكم في البر والصلة (4/159)، وقال بعد أن ذكره مع أحاديث عدة في الباب: وهذه الأحاديث كلها صحيحة. ووافقه الذهبي. وصحَّحه الألباني في الصحيحة (925)، عن عبد الله بن عمرو.
(3) هي إحدى القواعد الكبرى انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (1/72)، والأشباه والنظائر للسيوطي (7). وقد دل عليها حديث «لا ضرر ولا ضرار». رواه أحمد (2865)، وقال مخرِّجوه: حسن. وابن ماجه في الأحكام (2381)، عن ابن عبَّاس. ورواه الدارقطني في البيوع (3/77)، عن أبي سعيد الخدري، وقال النووي في الأربعين (الحديث الثاني والثلاثون): حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فأسقط أبا سعيد. وله طرق يقوي بعضها بعضًا. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه للحديث: وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنَّه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم. وقال ابن الملقِّن: وصحَّحه إمامنا ـ أي الشافعي ـ في حرملة. خلاصة البدر المنير (2/438)، نشر مكتبة الرشد، ط 1، 1410هـ ـ 1989م. وقال ابن رجب: وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث. في جامع العلوم والحكم (2/210).
وهو صحيح بمجموع طرقه. ومعناه مقطوع به من استقراء أحكام الشريعة النافية للضرر والضرار، الثابتة بالقرآن والسُّنَّة. ولهذا عُدَّ من القواعد الشرعية المسلَّمة عند الجميع.
(4) انظر: المبدع في شرح المقنع لابن مفلح (2/217)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418هـ ـ 1997م.
(5) إحياء علوم الدين (4/290) وما بعدها.