2026-06-15
15
حكم طلب المرأة الطلاق بلا بأس
ماذا تقول يا فضيلة الدكتور، في شأن الزوجة الَّتي تطلب من زوجها الطلاق كثيرًا، ماذا يفعل الزوج؟ وماذا تقول لهذه الزوجة؟
(س. ع)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الزوجة ترتكب حرامًا بغير شك بهذا الطلب؛ لأنَّ النبي ﷺ يقول: «أيُّما امرأةٍ سألتْ زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحة الجنة»(1).
فالطلاق جُعِل عند تعذر الوفاق، إذا أخفقت كل وسائل إصلاح ما بينهما، لم ينفع لا وعظ، ولا هجر في المضجع، ولا ضرب، لمن لا يؤدبها إلّا الضرب، وتدخَّل الحكمان: حكم من أهله وحكم من أهلها، فلم يستطيعا إصلاح ذاتِ البَيْن، وردم هوة الشقاق، ولم يستطيعا أن يفعلا شيئًا، في هذه الحالة نلجأ إلى الطلاق، ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ﴾ [النساء: 130].
وكثيرًا ما ذكرتُ أنِّي أشبِّه الطلاق بالعملية الجراحية، الإنسان إذا استطاع أن يستغني عن العمليَّة الجراحية بأن يأخذ دواءً لا يلجأ إلى العمليَّة، فالعملية الجراحية نلجأ إليها إذا عُدِمت وسيلة أخرى غيرها، كما قال الشاعر:
إذا لم يكن إلَّا الأسنَّة مَرْكَبٌ
فما حيلةُ المضطرِّ إلَّا ركوبُها(2)
فالمرأة أحيانًا تطلب الطلاق وتلح في الطلب، فإذا طلقها زوجها أخذت تبكي وتصرخ، لماذا تبكين؟! أنتِ من طلب هذا الأمر، المرأة المسلمة عليها أن تعمل قدر طاقتها على استقرار بيتها وأسرتها وحياتها الزوجيَّة، وتحرص على أن تتمسَّك بزوجها ولا تفرِّط فيه، فكما قال الله تعالى للرجال في شأن النساء: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾[النساء: 19]. يقال هذا للنساء أيضًا، عاشروا الرجال بالمعروف،﴿فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾، إن كرهتِ الرجل اصبري عليه، فعسى أن يرزقكِ الله منه أولادًا صالحين، يؤنسونكِ في وحشتك، ويعينونك في شيخوختك.
لا بد من الصبر حتَّى تستمر الحياة الزوجيَّة:
الحياة الزوجيَّة تقتضي من كلا الزوجين أن يصبر على صاحبه، وليس لأول غضبة يطلِّق الزوج زوجته، أو تقول له الزوجة: طلِّقني. لا بدَّ من أن نحتمل الحياة بحلوها ومرِّها، وخيرها وشرِّها، وعجرها وبجرها، وهذا شأن الحياة، هي ورود وأشواك، ونسمات وأعاصير، هذه حياتنا، لا بدَّ أن نأخذها كما هي، أمَّا إن كنَّا نريد الحياة وردًا بلا شوك، ولحمًا بلا عظم، ونهارًا بلا ليل، ونورًا بلا ظلام، فهذا ليس شأن الحياة.
فأنا أقول لهذا الأخ: اصبر على زوجتك، ولا تستجب لها، كلَّما قالت لك: طلِّقني. وأنصح هذه الأخت أن تكفَّ عن هذا الأمر، فلم يشرع الله الطلاق استجابةً للنزوات، وإلَّا لم تبقَ أسرة مستقرة أبدًا، الأسر يحدث فيها كثير من الخلافات، كل خلاف تختلف فيه المرأة مع زوجها تقول له: طلقني؟! هذا لا تقوم عليه حياة أسْرية.
(1) رواه أحمد (22379)، وقال مُخَرِّجوه: حديث صحيح. وأبو داود (2226)، والترمذي (1187)، وحسّنه، وابن ماجه (2055)، ثلاثتهم في الطلاق، عن ثوبان.
(2) ديوان الكميت بن زيد الأسدي صـ 71.