الطلاق في إغلاق

❓ الطلاق في إغلاق

📅 2026-06-15 👁 11 مشاهدة

نص السؤال:

أرجو من فضيلتكم أن تقوم بالإجابة على سؤالي، حيث إنِّي أثق في علمكم، وأسمعكم كثيرًا خلال بعض القنوات، وأشعر بطمأنينة لفتاويكم، وأرجو منكم الصبر على رسالتي وقراءتها كاملة.
مشكلتي أيها الشيخ الكريم.. أنَّه حدث معي أمر صعب أصبح يؤلمني بشدَّة، ويسلب النوم من عيني، وصرت أعيش في حالة من القلق اليومي غير الطبيعي، والوساوس المستمرَّة الَّتي أصبحت تؤثِّر على حياتي، وعلى علاقاتي بمَن حولي من زوجي وبناتي الصغيرات، وحتَّى أهلي وأصدقائي!
وكنتُ منذ فترة أخطط لتنفيذ مشروع طالما حلُمتُ به، وهو تكملة دراستي والعمل كأستاذة جامعية، ولكن ما حدث في حياتي جمَّد كلَّ خططي، وسلبني أفكاري الإيجابية، حتَّى أصبحت ذابلة، وكأنَّني أنتهي ببطء، وكلُّ ذلك بسبب تلك الكلمة المشؤومة (الطلاق)، وعدم تأكُّدي من الوضعية الَّتي أعيش عليها مع زوجي «حلال أم حرام»؟
فأنا يا شيخ، لا أريد أن أغادر هذه الدنيا وأنا آثمة، ولقد كنتُ من قبل ـ للأسف ـ متهاونة في أمر ديني، متبرِّجة، ولا أُصلِّي، وكنتُ أجهل الكثير من أمور الدين الأساسيَّة، وكذلك زوجي، وبالتأكيد ما حدث في حياتي الزوجيَّة نتيجة لهذا التهاون!
ولكن ولله الحمد والشكر، الَّذي أنعم عليَّ بالهداية، تبتُ منذ سنتين، وأصبحتُ أُصلِّي بانتظام، وارتديتُ الحجاب الشرعي، وأصبحتُ أجتهد وأحاول الالتزام في كافة أموري قدر المستطاع، وأقرأ وأتثقَّف في الدين باستمرار، حتَّى أصبحتُ أشعر بأنِّي مراقبة من قِبَل ربِّي في كلِّ وقت وكلِّ حين، وهذا ما يجعلني قلقة باستمرار، وغير متيقِّنة من وضعي، فأنا إنسانة عصبيَّة، وزوجي المصون سريع الغضب، ومتسرِّع، دائمًا يلفظ كلمة الطلاق بسرعة، وبدون تفكير، وفي لحظات غضب، ومن ثَمَّ عندما يهدأ يندم كثيرًا، ويعلن في كلِّ مرة: أنَّه لم يكن ينوي فعليًّا الطلاق، ولكنَّه نتيجة الغضب.
يا شيخي الكريم في حياتي الزوجيَّة الممتدَّة عشر سنوات، طلَّقني زوجي أربع مرات:
المرة الأولى: حدثت بعد سنة من زواجنا بعد مشادَّة كلامية كان في حالة غضب ولَفَظَ بصيغة: أنت طالق. ثمَّ خرج من البيت ورجع بالمساء وتصالحنا.
المرة الثانية: عن طريق الهاتف، وللأسف لَفَظَ نفس الصيغة، ولكن لخطأ أنا ارتكبته، ولم أحسب العواقب لقلَّة عقلي وتفاهتي في تلك الفترة، فقد رويتُ له حكاية كاذبة لم تحدث في الواقع، بأنَّ أحد الزملاء في العمل معجب بي، حتَّى أغيظه وأثير غيرته، فلم يتحمَّل، وتسرَّع ولفظ: أنت طالق! فصرختُ فيه معاتبة: بأنِّي أكذب، ولا شيء ممَّا حكيتُ صحيح، فلامني على ذلك، وقال: إنَّه لم يكن يريد الطلاق، ولكن أنا مَن أغظته ودفعته إلى تلفُّظه. ولكن رجعنا وتصالحنا في نفس اليوم.
وفي المرَّة الثالثة: لفظها أيضًا عن طريق الهاتف بعد مشادَّة كلامية عنيفة، وصل إلى حدِّ السباب وشتم الأهل، ولفظها وهو يتغيَّظ من شدَّة الغضب، ولكنَّه ندم بعدها كثيرًا، وظلَّ حزينًا؛ لأنَّه أيضًا لم يُرِد ذلك، ولكن بسبب شعوره الشديد بالغيظ لفظها، وكنتُ وقتها حائض، فقام بعض الأخيار من أهلي، بالبحث عن فتوى من بعض الشيوخ في بلد مجاور، حيث إنِّي سُنيَّة، ومذهب بلدي إباضي، فأفتوا بأنَّه طلاق غير واقع، لأنَّه حرام، ووقع في غير التوقيت الَّذي شرعه الله، وهو أن تكون المرأة على طهر ولم يمسَّها فيه زوجها، فرجعتُ إليه، بعد يومين من المشكلة، أمام شهود من أهلي وأهله.
وفي المرَّة الرابعة: حدثت نتيجة غضبه الشديد، لاتهامي له بالخيانة، فقام من مكانه، وأخذ يصرخ، ويرمي بالأشياء في الأرض كالمجنون، ويلطم بكفيه رأسي، ووجهي، ثمَّ كأنِّي سمعتُه ولستُ متأكِّدة يتمتم بصيغة: أنت طالق. بسبب تغيُّر صوته من شدَّة الغضب فتركته، وذهبت أنام في غرفة منفصلة، وفي الصباح عندما هدأت الأمور ذكَّرته بما نطق، فتفاجأ، وأنكر ذلك، وأنَّه لا يتذكَّر ما قال، وأنَّه كان على غير وعيه من شدَّة الغضب. والحقيقة أنِّي ـ أيضًا ـ غير متيقِّنة من صيغة اللفظ هذه المرَّة، وعندي فقط الظنُّ والشكُّ، وعليه وبناءً على إنكاره وعدم تذكُّره، وعدم تيقُّني أنا أيضًا، تغاضينا عن الموضوع.
· سؤالي الأول: هنا أيها الشيخ، ما هي الطلقات الَّتي وقعت، وأي منها لم تقع؟
· سؤالي الثاني: هل تعتبر الطلقة الثانية واقعة، والَّتي كنتُ أنا المتسبِّبة فيها، بسبب الرواية الكاذبة عن غير قصد، ونتيجة جهلي وقلة عقلي، والَّتي لا زلتُ نادمة عليها أشدَّ الندم؟
· سؤالي الثالث: أنَّه بعد أن استفتينا بعض الشيوخ في الطلقة الثالثة عندما كنتُ حائضًا، وعرَفتُ منهم أنَّه غير واقع، لم أكن أعلم وقتها بسبب جهلي ـ مثلما ذكرت في تلك الفترة ـ في أمور الفقه والدين، ولأنَّهم لم يفصِّلوا الأمر أيضًا لي، بأنَّ هناك اختلافًا في وقوع هذا النوع من الطلاق، وهذا ما أوقعني في حَيرة شديدة، وقلق مزمن؛ لأنَّ جمهور العلماء يذهب إلى وقوع الطلاق في فترة الحيض، لكن هناك مجموعة من العلماء يقولون بعدم وقوعه، وأيضًا هؤلاء العلماء من الشيوخ المشهود لهم بالعلم والورع والنزاهة والثقة.
· والحقيقة أنِّي بحثتُ وراء التفسيرين، وأسباب كلٍّ منها، وحجج الشيوخ في كلا الفريقين. لا أعرف لماذا يا شيخ: اطمأننتُ للفتوى الَّتي لا توقع الطلاق في الحيض، ليس لأنِّي أردتُ الإفلات من الطلقة الأخيرة، ولكن والله العظيم هذا ما شعرتُ به. وأيضًا هناك حديث واضح عن ابن عمر ^ ، وهو حسب علمي المتواضع حديث متَّفق على صحَّته. ألا تستغرب معي أيها الشيخ، من الخلاف الواقع حوله ألا يبدو الحديث واضحًا، وهؤلاء الشيوخ أليس لهم ثِقَلهم الديني والتاريخي، كأمثال ابن تيمية، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، والشيخ محمد متولي الشعراوي.
· سؤالي هنا: هل يجوز أن آخذ بفتوى هؤلاء الشيوخ دون أن يقع عليَّ إثم، وخاصَّة أنِّي عشتُ مع زوجي بعد هذه الفتوى سنوات، دون أن أعلم أنَّ جمهور العلماء يجيز وقوع الطلاق في الحيض، بالرغم من اعترافهم بأنَّه حرام. لا أدري ولكن ألا يشبه الأمر بنهي المرأة عن الصلاة وقت الحيض، وإذا أدَّت الصلاة وهي حائض لا تجوز صلاتها، ولا تقبل أليس الأمر سيَّان؟ ألم يُنه الرجل عن تطليق امرأته في الحيض، وإذا طلقها ألا يعتبر فعله هذا غير جائز، وبالتالي غير مقبول.
· أمَّا الرابعة: فهل يجوز الاعتماد على الظنِّ والشكِّ فقط لوقوع الطلاق؟ لأنَّ زوجي لم يتذكَّر ما قال، وأنكر تلفُّظه بصيغة الطلاق، لأنَّه في حالة غضب أشبه بالهستيريا، وأنا لستُ متأكِّدة ممَّا تمتم.
أيها الشيخ عندي رأي متواضع في موضوع الطلاق، فأنا من شدَّة انشغالي بموضوع الطلاق، قرأتُ واطَّلعتُ كثيرًا في هذا الموضوع، ورأيت ـ والله أعلم في النهاية ـ لأنَّ رأيي مجرَّد رأي إنسانة حاولت الاجتهاد بطريقتها الخاصَّة، ووصلت إلى هذا التحليل.
أيها الشيخ، الله ربٌّ عادل، وربٌّ رحيم، والله بكلِّ ما يحمل من صفات الكمال والعظمة، أحلَّ الطلاق، وهو كاره له، ألا تعتقد بما أنَّه كاره له سيضع من الضوابط والشروط الدقيقة؛ حتَّى لا يقع ما هو كاره له بكلِّ سهولة، لأنَّ فيه تفكُّك أسرة بأكملها، وهو أمر يسعد الشيطان؟!
ألا ترى يا شيخ، بأنَّ الطلاق الصحيح هو الَّذي يقع بين الطرفين بالتفاهم والاتفاق في جلسة هادئة من غير أيِّ انفعالات، ويكون عن تراضٍ حتَّى لا يعقبه ندم؟!
وأنا أعتقد أنَّ من أسباب تفشِّي الطلاق ووصوله إلى نسب عالية ـ حتَّى تكاد تكون أعلى من نسب الزواج ـ هو استسهال الكثير من الشيوخ في وقوع الطلاق، فالجميع ـ تقريبًا الآن ـ يوقعون الطلاق بكلِّ الطرق والوسائل: الهاتف، الفاكس، رسائل الجوال، البريد الإلكتروني، إلخ، وعدم إعطاء أهمية لبعض التفاصيل الصغيرة أثناء وقوع الطلاق، والَّتي لا تلاحظ بسبب التركيز على الأمور الواضحة فقط.
أين التريُّث؟ أين التعمُّق في هذا الموضوع؟ أيها الشيخ، أنت أحد علماء هذه الأمة، وأنت ترى وتسمع ما يحدث لهذه الأمة، فالأسرة والكيان الأسري هي الورقة الوحيدة الرابحة الَّتي لا زالت بحوزتنا، والَّتي فقدتها الأمم الأخرى، وإنَّ تسهيل تفكيك هذه الأمة من خلال تسهيل تفكيك الأسرة بالطلاق لأمر يبعث على الحزن وجدير بالتفكير.
· ملاحظة: استخرت ربِّي عدَّة مرَّات في موضوع الانفصال، ولكن بعد كلِّ استخارة أتراجع عن الموضوع.
أرجوكم أفيدوني، وأعتذر على الإطالة، ولكن رأيتُ من الصواب أن أوضِّح الأمور، خصوصًا أنَّنا الآن نحاول أن نبدأ صفحة جديدة في حياتنا من أجل مصلحة الأطفال، الَّذين سيتضرَّرون كثيرًا من هذا الطلاق، وتعاهدنا على التقرُّب إلى الله، وربِّي يعلم كم أنِّي أدعوه ليلًا ونهارًا، بأن يغفر لنا ويلطف بنا. وشكرًا لكم.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أشكر لابنتنا الَّتي لم تذكر اسمها على صراحتها، واعترافها بخطئها وتقصيرها في الماضي، وندمها على ما وقع منها، وتوبتها منه، وعزمها على المضي قُدُمًا في طاعة الله سبحانه والاستقامة على أمره، من التفقُّه في الدين، والمحافظة على الصلوات، وترك التبرُّج، واجتناب كلِّ ما يغضب الله تبارك وتعالى.
وأسأل الله لابنتنا ولزوجها الثبات على الخير، والعزيمة على الرشد، والمزيد من التوفيق، وأن يغفر الله لهما ما مضى، ويصلح لهما ما تبقَّى.
أمَّا حكم الطلقات الأربع الَّتي سألت عنها ابنتنا العزيزة، فأستطيع أن أقول على الإجمال: أنَّها غير واقعة، لأنَّها وقعت كلها في حالة غضب، ينتهي الغضب بالطلاق.
وقد جاء عن النبيِّ أنَّه قال: «لا طلاقَ في إغلاق»(1). وقد فسَّر بعضهم الإغلاق بحالة الإكراه، وبعضهم بحال الغضب(2). والصحيح أنَّه يشمل الحالتين جميعًا.
ففي كلٍّ منهما يفقد الإنسان إرادته، ويقع منه ما لم يكن يريده. حيث ينغلق عليه قصده وتصوُّره، ويفقد السيطرة على نفسه، ويخرج لفظ الطلاق من فمه فجأة، دون أن يكون قد فكَّر فيه، أو وجَّه إليه نيَّته وإرادته.
والأصل في ذلك: أنَّ الشرع لا يعتمد الأعمال والتصرُّفات الواقعة من الإنسان إلَّا إذا كانت واقعة بإرادة ونية، كما جاء في الحديث الصحيح المشهور: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى»(3).
ولهذا رفع الإثم عمَّا وقع من المكلَّف تحت تأثير النسيان أو الخطأ أو الإكراه، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله وضع عن أُمَّتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»(4).
وذكر القرآن من الأدعية الَّتي علَّمها الله 8 للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا[البقرة: 286]، وثبت في الصحيح: أنَّ الله تعالى أخبر رسوله ! : أنَّه قد استجاب هذا الدعاء(5).
وحالة الغضب أشبه بحالة الخطأ والنسيان والإكراه، ولا سيَّما إذا اشتدَّ الغضب بصاحبه، فأصبح يتكلَّم بما لم يكن يريد، ويتصرَّف بما لم يكن يقصد. ففي هذه الحال يتصرَّف كالمجنون، أو كالسبع. والمجنون قد رُفع عنه قلم التكليف، والسبع لا يتوجَّه إليه تكليف أصلًا.
ولنتحدَّث عن الطلقات الأربع واحدة واحدة، فنقول:
الطلقة الأولى:
الطلقة الأولى وقعت بعد مشادَّة كلامية، كان الزوج فيها في حالة غضب، ولفظ بصيغة: أنت طالق. ثمَّ خرج من البيت، وعاد في المساء وتصالحا.
ورغم أنَّ الزوجة لم تصف حالة غضب الزوج بأنَّه كان شديدًا، فإنَّ الظاهر من الحالة العصبية للزوج في سائر الحوادث: أنَّه من النوع الَّذي يثيره الغضب، فلا يملك إرادته، ويقع في حالة «الإغلاق»، الَّتي جاء بها الحديث، وأنَّه لا يقع فيها الطلاق. وقد تحدَّثنا عن الطلاق في حالة الغضب، وفصَّلنا القول فيه وفي أحكامه، في فتوى سابقة، فيلزم الرجوع إليها. فقد فرَّقنا هناك بين الغضب الخفيف، والغضب الشديد، والغضب المتوسط، وما لكلٍّ منهم من حكم وأثر شرعي.
الطلقة الثانية:
والطلقة الثانية أقرب إلى عدم الوقوع من الأولى، لأمرين:
الأول: أنَّ الزوجة لفَّقت له قصَّة كاذبة، أثارت غضبه، ممَّا أدَّى إلى التلفُّظ بالطلاق الصريح. وقد اعترفت الزوجة بذلك، وأنَّها ارتكبت الكذب، ولم تكن تحسب العواقب! وأخبر الزوج أنَّه لم يكن يريد الطلاق ولا يفكِّر فيه، لولا هذه القصة الزائفة. ومن المقرَّر: أنَّ ما يبنى على الباطل فهو باطل.
الثاني: أنَّ الطلاق وقع نتيجة غضب، كالطلقة الأولى.
الطلقة الثالثة:
أمَّا الثالثة فقد وقعت ـ كما تقول الزوجة ـ بعد مشادَّة كلامية عنيفة، وصلت إلى حدِّ السباب وشتم الأهل، فلفظ بالطلاق، وهو يتغيَّظ من شدَّة الغضب، فنطق بلفظ الطلاق، بالرغم من أنَّه لم يكن يريده. وقد ندم بعدها كثيرًا، وظلَّ حزينًا لما وقع. وهذا كلُّه يؤكِّد: أنَّ الغضب كان مؤثِّرًا وقويًّا، وأدَّى إلى حالة «الإغلاق» الَّتي لا يقع فيها الطلاق. وهذه من الوضوح بمكان.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الزوجة في حالة حيض، ومعنى هذا: أنَّ هذا الطلاق مخالف لطلاق السُّنَّة، الَّذي شرعه الله ورسوله، وهو: أن يطلِّق المرأة في طهر لم يمسَّها فيه. فإذا طلَّقها في حالة حيض، أو في طهر مسَّها فيه، فهذا هو الطلاق «البدعي» المحرَّم. وقد اختلف فيه الفقهاء، برغم اتفاقهم على بدعيته، وإثم فاعله، فهل يقع أم لا يقع؟
المذاهب الأربعة على أنَّه واقع وإن كان محرَّمًا ومخالفًا للسُّنَّة، ولهم أدلَّة على ذلك، وهناك مذاهب أخرى، واجتهادات داخل المذاهب الأربعة، ترى أنَّ هذا الطلاق لا يقع؛ لأنَّه على غير ما أمر الله تعالى ورسوله، وقد صحَّ في الحديث: «مَن عمِل عملًا ليس من أمرنا فهو ردٌّ»(6)، أي مردود على صاحبه.
وثبت عن ابن عمر: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائض، فردَّها رسول الله ، ولم يرها شيئًا(7).
وقد انتصر لهذا الحديث العلاَّمة ابن القيِّم في كتابه «تهذيب سنن أبي داود»، وأطال النفس في الاحتجاج به، والدفاع عنه.
وما أفتاها به مَن أفتاها من جيران بلدها: فيعتمد على ما قاله ابن القيم، وقبله شيخه ابن تيمية، واجتهادهما هنا، اجتهاد له اعتباره، وهو موثَّق بالأدلَّة، وهو الموافق لمقاصد الشرع في بقاء الأسرة، وحمايتها من التصدُّع لأدنى الأسباب. وقد أخذ به كثير من قوانين الأحوال الشخصية، كما تبنَّاه كثير من رجال الفقه والفتوى. فلا حرج على الزوجين إذا أخذا بذلك. وإن كان رأيي أنَّ الغضب الشديد وحده كافٍ في عدم إيقاع الطلاق.
الطلقة الرابعة:
والرابعة فيها شكٌّ في وقوعها، والزوج ينكرها، والشكُّ هنا يفسَّر لصالح بناء الأسرة، لأنَّ الزواج ثابت بيقين، فلا يُزال بالشكِّ. على أنَّ حالة الغضب الَّتي وصفتها الزوجة بخصوص زوجها، وأنَّه أخذ يصرخ ويرمي بالأشياء على الأرض كالمجنون، ويلطم رأسها ووجهها بكفيه.
وقول الزوج: أنَّه كان في غير وعيه، وأنَّه كان في حالة أشبه بالهستيريا، كلُّ هذا يثبت أنَّ الطلاق ـ حتَّى لو كان موجودًا ـ لم يحكم بوقوعه؛ لأنَّه لا طلاق في إغلاق.
وأشكر لابنتنا الكريمة: اهتمامها بأمر دينها، وحرصها على أن تقرأ وتطَّلع على ما يهمُّها، ولا سيَّما في أمر الطلاق وأحوال الأسرة. و«مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفقِّهه في الدِّين»(8).
وأودُّ أن أقول لها: إنَّ ما وصلت إليه نتيجة تأمُّلها وقراءتها، هو ما قرَّره المحقِّقون من العلماء أمثال ابن تيمية وابن القيِّم وغيرهما، وهو الَّذي مال إليه الإمام البخاري في صحيحه. وهو التضييق في وقوع الطلاق(9)، فلا يقع طلاق السكران، ولا طلاق المكره، ولا طلاق الغضبان، ولا طلاق الناسي، وكما جاء عن ابن عباس: إنَّما الطلاق عن وَطَر(10).
وتوسُّع كثير من الفقهاء في إيقاع الطلاق، لا يوافق عليه هؤلاء العلماء، وأنا منهم. وأنا أضيق كثيرًا في وقوع الطلاق، كما هو واضح في كتابي «فتاوى معاصرة».
وما قالته الأخت العزيزة: من أنَّ الله أباح الطلاق، وهو له كاره، فأعتقد أنَّها تشير إلى الحديث الَّذي يقول: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»(11)؛ لأنَّ الأصل: أنَّ الحلال لا يكرهه الله، ولكن لأنَّ هذا الحلال يترتَّب عليه تشتيت الأسرة، لم يكن محبوبًا من كلِّ وجه، ولهذا قيل: أبغض الحلال.
والحمد لله ربِّ العالمين.
← العودة لقسم 3- الطلاق