2026-09-18
237
طلاق الغضبان
س
أنا امرأة متزوجة، ولي أولاد، وقد تركني زوجي، وكان متوتر الأعصاب، شديد الغضب، وقال لي: أنتِ طالق. فهل يقع هذا الطلاق؟
ج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأولى بالزَّوج في هذه الحالة أن يكون هو الَّذي يسأل، لنعلم ماذا قال، وهل كان في إغلاق أو شبه إغلاق، أم لا؟
لكن على كلِّ حال إذا كان الأمر كما تقول الأخت أنَّه كان متوتر الأعصاب، وشديد الغضب والانفعال، وحينئذٍ فقد السيطرة على نفسه، ووصل إلى حالة من الغضب لا يتحكَّم خلالها في تصرفاته، فهذا غضب شديد لا يقع به الطلاق؛ لأنَّ هذه هي حالة الإغلاق الَّتي جاءت في الحديث الشريف: «لا طلاقَ في إغلاق»(1). على تفسير بعض العلماء للإغلاق، وهو أن يشتدَّ التوتر بالإنسان فيطلِّق امرأته، وبعد أن يُفيق ويهدأ يندم على طلاقها، ويقول لنفسه: لماذا فعلتُ هذا، ما كان يفكر في طلاق امرأته، ولم يخطِّط لذلك، ولم يُرتِّب أن يطلقها، إنَّما بعد الشجار هاج وماج فصدر منه هذا الطلاق.
فإذا كان الحال كما قالت السائلة، فهذا الطلاق غير واقع، وأكرر: ينبغي لزوجها أن يسأل أهل العلم حتَّى يبيِّن لهم كيف وقع الطلاق، فإن كان الطلاق قد وقع، وكانت هذه أول طلقة، فليراجع امرأته إذا كانت في العدة، ونوصيه أن يثبت خلف العقد هذه الطلقة وتاريخها، قال تعالى:﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓاْ إِصْلَٰحًۭا﴾[البقرة: 228].
(1) رواه أحمد (26360)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود (2193)، وابن ماجه (2046)، والحاكم (2/198)، ثلاثتهم في الطلاق، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (1665)، عن عائشة. قلت: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصحَّحه على شرط مسلم. وقد أخرجه الحاكم من طريقين عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم. ورده الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه: محمد بن عبيد بن أبي صالح لم يحتجَّ به مسلم، وضعفه أبو حاتم: ومن الأخرى نُعَيْم بن حمَّاد، صاحب مناكير. قلت: أمَّا محمد بن عبيد فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب، فليس مجمعًا على تضعيفه، وبخاصة أن أبا حاتم لم يبين سبب ضعفه. وأمَّا نعيم بن حماد الخزاعي فقد أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو من الرجال الذين انتُقِدوا على البخاري. وقال الحافظ في مقدمة الفتح عنه: «مشهور من الحفاظ الكبار، لقيه البخاري، ولكنَّه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلق له أشياء أخر. وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا، وأصحاب السنن إلَّا النَّسائي. وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين: كان من أهل الصدق، إلَّا أنَّه يتوهم الشيء فيخطئ فيه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ضعيف ونسبه أبو بشر الدولابي إلى الوضع. وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنَّه كان شديدًا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب، والله أعلم» انتهى من مقدمة فتح الباري (1/447). وأخرجه البيهقي في السنن (7/357) من طريق ثالثة عن عائشة، على خلاف ما ذكر ابن حجر في التلخيص. وبهذا يظهر أنَّ الحديث بطرقه لا ينزل عن درجة الصحة التي ادعاها الحاكم، وأقره عليها ابن القيم وغيره، فإن نزل عنها فليس إلى أقل من درجة الحسن المحتج به، وقد سكت عليه أبو داود، واحتج به البيهقي لمذهب الشافعي: أن طلاق المكره لا يقع على أساس تفسير الإغلاق بالإكراه وهو لا ينافي تفسيره بالغضب. ورواية أبي داود: «في إغلاق». قال: أظنه الغضب.