2026-09-18
351
الإشهاد على الطلاق والرجعة
س
رجل تشاجر مع زوجته فطلقها أثناء الشجار طلقة واحدة أولى، ولم يعلم بهذا الطلاق أي شخص ثالث (أي تم الطلاق فيما بينهما).
وفي نفس اليوم راجعها بقوله لها: أرجعتك إلى عصمتي. فأجابت قائلة: قبلت. وهذه الرجعة أيضًا تمَّت فيما بينهما، بدون علم أو حضور أي شخص ثالث، وبدون شهود، فهل هذا الطلاق واقع؟ وهل هذه الرجعة الَّتي بدون شهود صحيحة شرعًا، وتحل الزوجة لزوجها شرعًا؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إذا كان الطلاق الَّذي وقع من السائل عقب الشجار مع زوجته، لم يكن في حالة غضب شديد هيَّج الزوج، وأفقده السيطرة على نفسه، فنطق بما لم يكن يفكر فيه ولا ينويه: فإنَّ طلاقه واقع؛ لأنَّه صادر من أهله في محله، وباللفظ الصريح، وعدم وجود مانع مثل حالة «الإغلاق» الَّتي جاء فيها الحديث الشريف «لا طلاق في إغلاق»(1). وقد فُسِّر الإغلاق بـ «الإكراه»، وفسِّر بـ «الغضب». والمراد به: الغضب الشديد، الَّذي يفقد الرجل السيطرة على نفسه، فيقول ما لم يكن يريده.
وجمهور الفقهاء لا يشترطون الشهادة على الطلاق، ولا على الرجعة، وإن كانوا يستحبُّون الإشهاد على الرجعة، لقوله تعالى عن المطلقات:﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي استوفين العدة،﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍۢ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ﴾[الطلاق: 2].
والإشهاد هنا مهم، حتَّى لا ينكر أحدهما فيما بعد وقوع هذا الطلاق؛ نسيانًا أو مكابرةً وعنادًا، أو لغير ذلك من الأسباب.
على كلِّ حال، فما دام الزوج قد راجع زوجته باللفظ الصريح، وقال لها: أرجعتك إلى عصمتي. فقد رجعت إليه، ولا يشترط أن تقول هي: قبلت؛ لأنَّ المراجعة من حق الزوج ما دامت المرأة في العدة، فقد قال تعالى:﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓاْ إِصْلَـٰحًا﴾[البقرة: 228].
فسمَّى الله الزوج المطلق «بعلًا» وجعله أحق برد المرأة إليه في ذلك ـ أي في وقت العدة ـ إن أراد إصلاح الأمور، وإعادة المياه إلى مجراها.
بل إنَّ بعض الفقهاء يعتبر جماع الرجل للمرأة في أثناء العدة إرجاعًا لها، يعني: أنَّه إرجاع بالفعل بدل القول، حملًا لحال المسلم على الصلاح، بمعنى: أنَّه لم يعاشرها إلَّا وهو يريد إرجاعها إليه.
فهذه الرجعة بالقول الصريح أولى بالاعتبار والصحة والقبول شرعًا، وتحل الزوجة لزوجها، والزوج لزوجته في ضوء أحكام الشريعة السمحة. والحمد لله.
(1) رواه أحمد (26360)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود (2193)، وابن ماجه (2046)، والحاكم (2/198)، ثلاثتهم في الطلاق، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (1665)، عن عائشة.
قلت: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصحَّحه على شرط مسلم. وقد أخرجه الحاكم من طريقين عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم. ورده الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه: محمد بن عبيد بن أبي صالح لم يحتجَّ به مسلم، وضعفه أبو حاتم: ومن الأخرى نُعَيْم بن حمَّاد، صاحب مناكير. قلت: أمَّا محمد بن عبيد فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب، فليس مجمعًا على تضعيفه، وبخاصة أن أبا حاتم لم يبين سبب ضعفه. وأمَّا نعيم بن حماد الخزاعي فقد أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو من الرجال الذين انتُقِدوا على البخاري. وقال الحافظ في مقدمة الفتح عنه: «مشهور من الحفاظ الكبار، لقيه البخاري، ولكنَّه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلق له أشياء أخر. وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا، وأصحاب السنن إلَّا النَّسائي. وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين: كان من أهل الصدق، إلَّا أنَّه يتوهم الشيء فيخطئ فيه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ضعيف ونسبه أبو بشر الدولابي إلى الوضع. وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنَّه كان شديدًا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب، والله أعلم» انتهى من مقدمة فتح الباري (1/447). وأخرجه البيهقي في السنن (7/357) من طريق ثالثة عن عائشة، على خلاف ما ذكر ابن حجر في التلخيص. وبهذا يظهر أنَّ الحديث بطرقه لا ينزل عن درجة الصحة التي ادعاها الحاكم، وأقره عليها ابن القيم وغيره، فإن نزل عنها فليس إلى أقل من درجة الحسن المحتج به، وقد سكت عليه أبو داود، واحتج به البيهقي لمذهب الشافعي: أن طلاق المكره لا يقع على أساس تفسير الإغلاق بالإكراه وهو لا ينافي تفسيره بالغضب. ورواية أبي داود: «في إغلاق». قال: أظنه الغضب.