2026-06-15
27
حول طلاق الغضبان والطلاق البدعي
نتوجه إليكم بطرح هذه الأسئلة الَّتي عمَّت بها البلوى، وشاعت في حياتنا الاجتماعيَّة على مختلف الأقطار والأمصار. وهي مسألة طلاق الغضبان والطلاق البدعي، حيث إنَّه ـ وكما هو معلوم لديكم ـ نظرًا لانتشار ظاهرة التلاعب بألفاظ الطلاق على ألسنة الأزواج، بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل، ومعظم هؤلاء الَّذين يتلفظون بالطلاق لا يقفون عند حدوده، ثمَّ يبعث بعد ذلك يلتمس الفتوى، ويطرق أبواب المفتين، ولعلَّ الَّذي يتوسَّل أمام باب المفتي عادة هي الزوجة الَّتي وقع عليها الطلاق.
ويقف المفتي حائرًا بين أمرين أحلاهما مرٌّ: إمَّا أن يفتي بوقوع طلاق الغضبان طالما أنَّ الزوج يدرك ويعي ما يقول، وإمَّا أن يقلِّد قول بعض أهل العلم ممَّن لا يوقعون طلاق الغضبان في حالة الغضب الشديد، ولو كان يدرك ما يقول، أو أن يقلد قول من يقول بعدم وقوع الطلاق البدعي من باب لمِّ شمل الأسرة، ونظرًا لانتشار هذه الظاهرة المقيتة، فالحاجة والضرورة تستدعيان تقليد هؤلاء الأئمَّة في الانتهاء لا في الابتداء، أي لمَّا أن تتوقف عليها الحياة الزوجيَّة، وذلك في الطلقة الثالثة، وإلَّا ترتب على القول بوقوع الطلاق عملًا بقول المذاهب الأربعة أن تعيش آلاف البيوت ـ بلا مبالغة ـ في الحرام في بلادنا.
الأمر الَّذي دفع المجلس الإسلامي للإفتاء، أن يبحث عن رخصة فقهية، ولو مرجوحة، للحفاظ على الأسرة، وإلَّا تمزقت الأسر، بسبب تهورات الأزواج العبثية وغير المسؤولة.
ولمَّا كانت هذه المسألة من الحساسية بمكان، ولا يتصور أن تُبحث على نطاق مجلسنا الضيق، كما لا يمكن بسبب ظروف بلادنا السياسية إجراء تعديل على قانون الأحوال الشخصية الَّذي ينصُّ تقليدًا للمذهب الحنفي على قوع الطلاق البدعي والطلاق في حالة الغضب، بل إنَّ القضاة لمَّا أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق على استمرارية الحياة الزوجيَّة وإغلاق ملف الطلاق يوجِّهونهم علينا كمجلس إفتاء لاستصدار فتوى بإمكانية الاستمرار.
وإنَّنا في المجلس الإسلامي للإفتاء نقف حائرين ومضطرين أمام هذه المسائل، لأنَّ المنهجية عندنا عدم الخروج من المذاهب الأربعة، إلّا بموجب قرار صادر عن مجمع فقهي، ولذا قرَّرنا أن نتوجَّه لمجمعكم الكريم بتعميم هذه المسألة على أعضاء المجمع كي نخرج برأي جماعي تطمئن النفس باتباعه وتطبيقه بخصوص هذه المسألة. ونؤكِّد سلفًا أنَّ المجلس لن يعمِّم هذه الفتوى، بل لن يفتي بها ابتداء، وإنَّما ستكون من قبيل الإفتاء الخاص المعين، وذلك في حالة توقف الحياة الزوجيَّة على قول من يقول بعدم وقوع الطلاق البدعي والغضب الشديد في الطلقة الثالثة، وليس في المرتين الأوليين.
وختامًا نسأل الله تعالى لكم التوفيق في الدارين، والله ولي المؤمنين.
المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الفتوى وجِّهت في الأساس لمجمع الفقه بالهند، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وأحالاها كلاهما عليَّ.
وقد اطَّلعت على سؤال الإخوة في المجلس الإسلامي بالداخل الفلسطيني، وأفيد السائلين بالآتي:
أولًا: حكم الطلاق البدعي:
الطلاق البدعي هو ما خالف السُّنَّة في طريقة وقوعه، بأن يطلق الرجل زوجه في طهر جامعها فيه، أو يطلقها في حالة الحيض أو النفاس. وهو حرام باتفاق العلماء.
وجمهور العلماء يقولون بوقوعه، وإن كان حرامًا، ويستحبون للزوج أن يراجع زوجته بعد ذلك، وبعضهم يوجب عليه أن يراجعها، كما هو مذهب مالك ورواية عن أحمد، لحديث ابن عمر في الصحيحين: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يراجعها(1). وظاهر الأمر الوجوب في نظر أكثر العلماء.
وقال طائفة من العلماء: لا يقع؛ لأنَّه طلاق لم يشرعه الله تعالى، ولا أذن فيه، فليس من شرعه تعالى، فكيف يُقال بنفوذه وصحته، وقد جاء في الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ»(2). وهذا ما ذهب إليه الإمام ابن القيِّم. وهو رأي شيخه ابن تيمية.
وأنا أرجِّح الرأي الأخير لوجاهته، ولأنَّه السبيل لتحقيق مقصد الشريعة في الحفاظ على الأسرة وحمايتها، وهو من المقاصد الأساسيَّة للشريعة.
ثانيًا: حكم طلاق الغضبان:
هذا حكم في غاية الأهمية، فالغضب من أهم الطوارئ الَّتي تطرأ على الإنسان، ومعرفة الحكم فيه مهم، وقد بيَّنَّاه في فتاوينا المنشورة من قبل، وكتب ابن القيِّم رسالة فيه، ولا بأس أن نوضح للإخوة خلاصة ما كتبنا، ونرجو أن يقرَّه المجلس الأوربي، ومجمع الفقه الهندي.
اختلف الفقهاء في حكم الطلاق في حالة الغضب، وفقًا لاتجاهاتهم في التوسيع أو التضييق في إيقاع الطلاق، وإذا كان الأمر خلافيًّا وجب علينا أن ننظر في أدلة الفريقين، لنختار أرجحها وأقربها إلى تحقيق مقاصد الشريعة.
وقبل أن نبيِّن الرأي المختار في طلاق الغضبان، يلزمنا أن نبيِّن الغضب المختلف فيه بين المضيِّقين والموسِّعين. يقول العلامة ابن القيِّم: «الغضب ثلاثة أقسام:أحدها: أن يحصل للإنسان مبادئه وأوائله، بحيث لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه، ويعلم ما يقوله ويقصده. فهذا لا إشكال في وقوع طلاقه وعتقه وصحة عقوده، ولا سيَّما إذا وقع منه ذلك بعد تردُّد فكره.القسم الثاني: أن يبلغ الغضب نهايته، بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة، فلا يعلم ما يقول، ولا يريده. فهذا لا يتوجه خلاف في عدم وقوع طلاقه، كما تقدم.والغضب غول العقل، فإذا اغتال الغضب عقله، حتَّى لم يعلم ما يقول، فلا ريب أنَّه لا ينفذ شيء من أقواله في هذه الحالة، فإنَّ أقوال المكلَّف إنَّما تنفذ مع علم القائل بصدورها منه، ومعناها، وإرادته للتكلم بها.فالأول: يُخرج النائم والمجنون والمبرسم(3) والسكران، وهذا الغضبان.والثاني: يُخرج مَن تكلم باللفظ وهو لا يعلم معناه البتة، فإنَّه لا يلزم مقتضاه.والثالث: يخرج من تكلم به مكرهًا، وإن كان عالمًا بمعناه.القسم الثالث: من توسط في الغضب بين المرتبتين، فتعدَّى مبادئه ولم ينتهِ إلى آخره بحيث صار كالمجنون، فهذا موضع الخلاف ومحل النظر.والأدلة الشرعيَّة تدل على عدم نفوذ طلاقه وعتقه وعقوده، الَّتي يعتبر فيها الاختيار والرضا، وهو فرع من «الإغلاق» كما فسَّره به الأئمة»(4).
وما أرجِّحه أنَّ طلاق الغضبان لا يقع، وأنا من المضيقين في إيقاع الطلاق ـ ومنه طلاق الغضبان ـ ويؤيد هذا عدة أدلة منها:
(أ) ما روته عائشة عن النبيِّ ﷺ : «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغلاقٍ»(5).
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ يقول: هو الغضب، وقال بعض أهل اللغة: الإغلاق وجهان، أحدهما: الإكراه، والآخر: ما دخل عليه ممَّا ينغلق به رأيه عليه.
وهذا مقتضى تبويب البخاري فإنَّه قال في صحيحه: باب الطلاق في الإغلاق والكُره (أي الإكراه)، والسكران والمجنون.
ففرَّق بين الطلاق في الإغلاق وبين هذه الوجوه، ممَّا يشير إلى أنَّ الإغلاق عنده يعني الغضب.
قال الإمام ابن القيِّم: وهو قول غير واحد من أئمة اللغة.
(ب) قال الله تعالى:﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾[البقرة: 225].
روى ابن جرير الطبري، عن أجلِّ أصحاب ابن عباس، وهو طاوس قوله: كل يمين حلف عليها رجل وهو غضبان فلا كفارة عليه. واستدلَّ بالآية(6).
قال ابن القيِّم: «وهذا أحد الأقوال في مذهب مالك: أنَّ اليمين في الغضب لغو، وهذا اختيار أجل المالكيَّة وأفضلهم على الإطلاق، وهو القاضي إسماعيل بن إسحاق. فإنَّه ذهب إلى أنَّ الغضبان لا تنعقد يمينه»(7).
(جـ) ما حكاه القرآن من قصَّة موسى، لمَّا رجع إلى قومه غضبان أسفًا:﴿وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ﴾[الأعراف: 150]الآية.
ووجه الاستدلال بالآية: أنَّ موسى لم يكن ليلقي إلى الأرض ألواحًا كتبها الله، كما أنَّه قسا على أخيه وهو نبي رسول مثله، وإنَّما حمله على ذلك الغضب، فعذره الله تعالى به، ولم يعتب عليه بما فعل، إذ كان مصدره الغضب الخارج عن سلطان قدرته واختياره، وهو غضب لله تعالى.
(د) توضح ذلك الآية الكريمة الأخرى في نفس السورة:﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ﴾[الأعراف: 154]. فعبر بـ «سكت» تنزيلًا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي، الَّذي يقول لصاحبه: افعل أو لا تفعل، فهو مستجيب لداعي الغضب المسلَّط عليه، فهو أولى بأن يُعذر من المكره.
(هـ) قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾[يونس: 11]. جاء عن مجاهد في تفسير الآية: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم: اللهمَّ لا تبارك فيه والعَنْه(8). فلو يعجِّل لهم الاستجابة في ذلك، كما يستجاب في الخير لأهلكهم. قال ابن القيِّم: «فانتهض الغضب مانعًا من انعقاد سبب الدعاء، الَّذي تأثيره في الإجابة أسرع من تأثير الأسباب في أحكامها؛ لأنَّ الغضبان لم يقصده بقلبه»(9).
(و) إنَّ الغضب يحول بين الإنسان وبين سلامة التفكير وصحة الإدراك، ويشوش عليه معرفة الأمور، وحكمه على الأشياء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»(10). والطلاق حكم من الرجل يصدره على المرأة، فلا يجوز أن يصدر منه وهو غضبان، وإذا صدر ينبغي أن يُلغى اعتباره حماية للمرأة وللأسرة.
(ز) إن معظم الأدلة الَّتي يعتمد عليها في عدم إيقاع طلاق السكران، تنطبق على حالة الغضبان، بل قد يكون الأخير أسوأ حالًا من الأول؛ لأنَّ السكران لا يقتل نفسه، ولا يلقي ولده من علو، والغضبان قد يفعل ذلك.
(ح) إنَّ قاعدة الشريعة: أنَّ العوارض النفسية لها تأثير في القول إهدارًا واعتبارًا وإعمالًا وإلغاءً. وهذا كعارض النسيان والخطأ، والإكراه والسُّكر، والجنون والخوف، والحزن والغفلة والذهول، ولهذا يحتمل من الواحد من هؤلاء من القول ما لا يحتمل من غيره، ويعذر بما لا يعذر به غيره، لعدم تجرد القصد والإرادة، ووجود الحامل على القول.
ولهذا كان الصحابة يسأل أحدهم الناذر: أفي رضًا قلتَ أم غضب؟ فإن كان في غضب، أمره بكفارة يمين؛ لأنَّهم استدلوا بالغضب على أنَّ مقصوده الحض والمنع ـ كالحلف ـ لا التقرب.
وجعل الله سبحانه الغضب مانعًا من إصابة الداعي على نفسه وأهله، وجعل سبحانه الإكراه مانعًا من كفر المتكلم بكلمة الكفر، وجعل الخطأ والنسيان مانعًا من المؤاخذة بالقول والفعل.
وعارض الغضب قد يكون أقوى من هذه العوارض، فإذا كان الواحد من هؤلاء لا يترتب على كلامه مقتضاه لعدم القصد، فالغضبان الَّذي لم يقصد ذلك إن لم يكن أولى بالعذر منهم، لم يكن دونهم.
مقياس الغضب:
وإذا كنا قد رجَّحنا عدم وقوع الطلاق في حالة الغضب، لما ذكرنا من الشواهد والأدلة، فمن الواجب أن نعرف المقياس الَّذي نحدِّد به حالة الغضب الَّتي لا يقع فيها الطلاق، من الحالات الأخرى؛ لأنَّ ترك مثل هذا الأمر بلا ضوابط يؤدي إلى البلبلة والاضطراب.
وقد رأينا الإمام ابن القيِّم، ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية: يميلان إلى جعل المقياس هو انعدام القصد والعلم. فمن فقد قصده إلى الطلاق وعلمه بما يقول فهو في حالة الإغلاق، الَّذي لا يقع به الطلاق.
ولكن علَّامة الحنفيَّة الشيخ ابن عابدين في حاشيته المشهورة «رد المحتار على الدر المختار» بعد أن نقل كلام ابن القيِّم في تقسيم أحوال الغضب إلى ثلاثة، كما ذكره في رسالته في حكم طلاق الغضبان، ملخصًا من «شرح الغاية في الفقه الحنبلي»؛ قال: «أستظهر أنَّه لا يلزم في عدم وقوع طلاق الغضبان ـ وكذا المدهوش ونحوهما ـ أن يكون بحيث لا يعلم ما يقوله، بل يكتفى فيه بغلبة الهذيان، وغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته، واختلاط جده بهزله، فهذا هو مناط الحكم، الَّذي ينبغي التعويل عليه. فما دام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال، لا تعتبر أقواله، وإن كان يعلمها ويريدها؛ لأنَّ هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح. كما لا يعتبر من الصبي العاقل»(11).
وعندي أنَّ ما ذكره ابن عابدين مقياس دقيق وضابط سليم. فالغضب المعتبر هو الَّذي يُفقد الإنسان اتزانه في الكلام والتصرف، بحيث يقول ويفعل ما ليس من شأنه ولا من عادته في حال الهدوء والرضا.
ولنا أن نضيف علامة أخرى نميز بها الغضب المستحكم من غيره، وقد نبَّه عليها ابن القيِّم في «الزاد»: وهي أن يندم على ما فرط منه إذا زال الغضب، فندمه بمجرد زوال الغضب يدلُّ على أنَّه لم يكن يقصد الطلاق(12).
ويضاف إلى ما سبق:
أولًا: ذهب كثير من الفقهاء إلى أنَّ الأصل في الطلاق الحظر، ولا ينقطع إلّا لحاجة وضرورة، ولذلك كان الطلاق أبغضُ الحلال إلى الله عز وجل(13).
وقد وجَّهت السُّنَّة إلى تحريم الإفساد بين الزوجين من أي طرف: «ليس منَّا من خبَّب امرأةً على زوجها»(14).
كما حذَّرت السُّنَّة من طلب المرأة الطلاق من غير سبب: «أيُّما امرأةٍ سألت زوجَها طلاقًا من غير بأسٍ، فحرامٌ عليها رائحة الجنَّة»(15).
وفي ضوء هذه التوجيهات النبويَّة جاءت اجتهادات وفتاوى كثير من الفقهاء، تلتمس الحفاظ على الأسرة، وتتوخى دوام ائتلافها وترابطها، متى كان هناك مخرج وسعة، لأنَّ الزواج تحقَّق بيقين، ولا يزول اليقين بالشك، ولا يزول اليقين إلّا بيقين مثله، فلزم أن يقع الطلاق يقينًا حتَّى يترتب عليه الحقوق والواجبات.
ثانيًا: ما عمَّت به البلوى، ممَّا يشكو منه الجميع في أكثر البلاد ـ بل في كلها ـ في الشرق والغرب، وما نشاهده بأعيننا من ضعف دين النَّاس، وقلة وعيهم، واستهتارهم بالحياة الأسرية، حتَّى إنَّ كثيرًا منهم ينشأ ويكبر، وهو لا يعرف من الزواج إلّا أنَّه قضاء الوطر، وتفريغ الشهوة، ولا يعي أنَّه رباط مقدس، يجب أن يُصان ويحفظ، ولا يكون حل عقدته كما سمَّاه القرآن «عقدة النكاح»، بكلمة الطلاق إلّا بعد تروٍّ ومشاورة ومراجعة وعزم، كما ورد عن ابن عباس: إنَّما الطلاق عن وَطَر(16).
ثالثًا: غياب دور المؤسسات الدينية، أو على الأقل ضعف دورها، وكذا غياب دور الأنظمة الحاكمة في توجيه النَّاس وتوعيتهم، وتربيتهم منذ الصغر، وتنشئتهم منذ نعومة أظفارهم على تعاليم الإسلام، وآدابه وثقافته، وتنمية الوازع الديني، والرقابة الذاتية داخل الإنسان الَّتي تكون حاكمة على تصرفاته، فيتخذها دستورًا في حياته، حتَّى وإن كان النظام الحاكم غير إسلامي، وقانونًا يلتزمه، حتَّى ولو لم يكن هناك رقابة تشريعية حكومية تلزمه بشيء.
رابعًا: أمَّا مسألة الخروج عن المذهب؛ فإنَّ الواجب فقهًا اختيار وانتقاء أنسب الآراء الَّتي تصلح لزماننا، بعيدًا عن المذهبية الَّتي تضيق بحاجات النَّاس في بعض الجوانب، وشرع الله تعالى ليس مذهبًا من المذاهب، بل كل اجتهاد معتبر له دليله فهو والمذاهب المتبوعة في الانتساب إلى الشريعة سواء، وليس رأي إمام أولى من رأي غيره إلّا بمقدار ما يظهر من قوة حجته، وصحة أدلته، وملاءمة رأيه لحاجات النَّاس وللعصر، ورائدنا في الانتقاء والاختيار والترجيح بين الآراء الفقهيَّة ما يحقق مقاصد الحق، ويراعي مصالح الخلق.
وحين يقصر البعض أمر الفتوى على مذهب أو المذاهب الأربعة فهذا تضييق لما وسَّعه الله ورسوله.
وقد اعتبر الإمام ابن القيِّم التمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث تؤخذ أقواله جميعًا وتترك أقوال غيره؛ بدعة قبيحة، حدثت في الأمة، ولم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدرًا، وأعلم بالله ورسوله من أن يُلزموا النَّاس بذلك(17).
ولا ينبغي أن نقصر الصواب على مذهب بعينه، أو إمام بعينه، فهذا أمر لا يدَّعيه أحد لنفسه أو لفريقه، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: ومن يصيب في كل شيء(18)؟
كما أنَّ المذهب الواحد فيه خلاف بين أتباع المذهب أنفسهم من المتقدمين والمتأخِّرين، وهذا يدل على أنَّ القول بالالتزام بمذهب واحد مردود؛ لأنَّ الاختلافات الفقهيَّة داخل المذهب الواحد تعادل وتماثل الاختلافات بين المذاهب الفقهيَّة المعتبرة.
وكما يقول الشيخ محمود شلتوت: «لم يوجب الله ورسوله على أحد من النَّاس أن يدين بمذهب فقيه معين، فإيجابه تشريع شرعٍ جديد»(19).
وكما قال الشيخ حسنين مخلوف: «ولم يوجب الله ورسوله على أحد من النَّاس أن يتمذهب بمذهب واحد معين من الأئمَّة فيُقَلِّدَه في دينه»(20).
وقد استنكر الإمام ابن القيِّم على من اقتصر في الفقه على المذاهب الأربعة، وقال: «فيا لله العجبَ! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ، ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة، إلّا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمَّة أو دعا إليه أو دلَّت عليه لفظة واحدة من كلامه؟!»(21).
خامسًا: كما أرى أنَّ توجُّه القضاة إليكم واستفتاءكم في المسألة يُعد مخرجًا من المشكلة ما دامت فتواكم ستُعتمد لديهم، ولو خالفتم المعتمد قانونًا من المذهب الحنفي؛ لأنَّ حُكْم الحاكم يرفع الخلاف، وما دام القاضي يجيز له القانون الرجوع إليكم، واعتماد فتواكم، حتَّى وإن خالفت المذهب الحنفي، فإنَّ ذلك يندرج تحت قاعدة: حُكم الحاكم يرفع الخلاف، لأنَّ الحاكم (القاضي) هو الَّذي طلب.
وقد اضطر الفقهاء من الأحناف إلى تعديل التقنين التشريعي الَّذي عملت به الدولة العثمانية في آخر عصرها، وأخذوا من المذهب الحنفي المرجوح، بعد أن كانوا يأخذون بالراجح، واضطروا إلى الأخذ من غير المذهب الحنفي.
سادسًا: وأمَّا قول السائل: المنهجية عندنا عدم الخروج من المذاهب الأربعة إلّا بموجب قرار صادر عن مجمع فقهي، فإذا كنت تقصد بالمنهجية أي: بما اتفقتم عليه في الفتوى في مجلسكم بالداخل الفلسطيني، فهذا أمر يخصكم، ويمكن التزام هذه المنهجية، متى لم يترتب على التزامها أمر خطير كهذا الَّذي يتهدَّد الأسرة المسلمة في مجتمعكم، في شأن الطلاق على النحو الَّذي ورد بالسؤال، الَّذي يقدر بآلاف حالات الطلاق، حال الإفتاء بما عليه الأحناف، أو بما عليه الأئمَّة الأربعة أو أكثرهم.
ولكن الأمر الَّذي يتجه إليه الفقهاء المعاصرون عند التقنين التشريعي، هو ما يراعي حال النَّاس وواقعهم، واختيار الأنسب من الآراء الفقهيَّة للعصر الَّذي نعيشه، وإن لم يكن من آراء المذاهب الأربعة، بل من كل المذاهب الإسلاميَّة المتبوعة وغير المتبوعة، وليس هناك رأي أولى بالتقديم من رأي إلَّا بقدر ما يراعى الدليل، ويقف على الواقع. وقد سار على هذا النهج مشروع المستشار علي منصور في نظام التجريم والعقاب في الإسلام، وكذلك الدكتور إسماعيل معتوق في مشروعه التقنيني للعقوبات، وكذلك الشيخ مصطفى الزرقا في مشروع تقنين الأحوال الشخصية بين مصر وسوريا، ويُراعَى هذا أيضًا عند الفتوى للآحاد من المسلمين بعيدًا عن ساحات القضاء.
سابعًا: علاج لا فتوى:
يمكنكم التواصل مع القضاء ما دام يرجع إليكم ويعتمد فتواكم، وما دامت لكم صفة رسمية تؤهلكم للقيام بدور اجتماعي داخل الأسر المسلمة في بلدكم، وتطلبون إليه أن يحيل إليكم القضايا الأسرية المعروضة عليه، قبل النظر فيها قضائيًّا لأخذ رأيكم، ويكون لكم رأي وجهد في الإصلاح والتوفيق بين أطراف الأسرة، بعيدًا عن ساحات القضاء؛ لأنَّ كثيرًا من القضايا الأسرية تحتاج إلى علاج وتوجيه وإرشاد قبل حسم المسألة بالفتوى المجردة، وبذلك تشاركون بدور إيجابي في المجتمع، وتسهمون في تخفيف العبء عن القضاة، وقد يكون ذلك موضع ترحيب منهم، فإذا تعذَّر الإصلاح، واستحكمت الهُوَّة، واستغلقت القضية، كان القضاء أولى بها.
هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (5258)، ومسلم (1471)، كلاهما في الطلاق.
(2) سبق تخريجه صـ 690.
(3) المبرسم: المعلول بعلة البرسام بكسر الباء. وهو وجع يحدث في الدماغ، من ورم في الحميات الحارة، ويذهب منه عقل الإنسان. انظر: التعريفات الفقهية صـ 192، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1424هـ ـ 2003م.
(4) إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان صـ 38، 39.
(5) سبق تخريجه صـ 203.
(6) رواه الطبري في تفسيره (4/438).
(7) إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان صـ 27 ـ 31.
(8) رواه الطبري في تفسيره (15/34).
(9) إغاثة اللهفان صـ 32.
(10) سبق تخريجه صـ 700.
(11) حاشية ابن عابدين (3/244).
(12) لمزيد من التوسع والاطلاع على أقوال الفقهاء، تراجع: رد المحتار على الدر المختار (3/243)، وحاشية الدسوقي (2/366)، وكشاف القناع (5/235)، وحاشية الجمل (4/324)، وإغاثة اللهفان في طلاق الغضبان لابن القيم صـ 38.
(13) سبق تخريجه صـ 550.
(14) سبق تخريجه صـ 452.
(15) سبق تخريجه صـ 678.
(16) سبق تخريجه صـ 550.
(17) إعلام الموقعين (4/202).
(18) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني، المسألة رقم (1819)، تحقيق طارق بن عوض، نشر مكتبة ابن تيمية، مصر، ط 1، 1420هـ ـ 1999م.
(19) الإسلام عقيدة وشريعة للإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت صـ 549، نشر دار الشروق، القاهرة، 1983م.
(20) فتاوى الشيخ مخلوف (1/76)، نشر مصطفى الحلبي، ط 2، 1385هـ ـ 1965م.
(21) إعلام الموقعين (4/202).