2026-09-18
223
حقُّ الزوجة الكارهة
س
أمن العدل أن يوضع في يد الرجل سيف الطلاق، يسلطه على عنق المرأة متى شاء وكيف شاء؛ دون جزاء لمتحيِّف أو عقوبة لجائر، على حين أنَّ المرأة لا تملك الطلاق، بل لا يجوز لها أن تطلبه؛ لأنَّ طلب الطلاق عليها حرام!
فإذا كرهت الزوج، وأكل قلبها البغض له، والنفور منه، فرض عليها أن تعاشره كرهًا، وتنقاد له قسرًا، فإن أبت دُعَّت إلى «بيت الطاعة» دَعًّا، كأنَّها متَّهم يُقاد إلى قفص، أو مجرم يُساق إلى سجن! فأين العدالة في هذا التشريع؟ وأين التوازن بين الحقوق والواجبات لكلّ من الجنسين؟!
ج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هكذا وضع هؤلاء الإسلام في قفص الاتهام، وحكموا عليه، دون أن يسألوه رأيه، أو يحاولوا معرفة حكمه من مصادره اليقينية: القرآن والسُّنَّة الصحيحة، ودون أن يفقهوا نظرة الإسلام إلى الزواج في إنشائه واستمراره وإنهائه، إن قضت الظروف بإنهائه.
إنَّ الزواج في شريعة الإسلام عهد متين، وميثاق غليظ.. ربط الله به بين رجل وامرأة، أصبح كلاهما يسمَّى به «زوجًا» بعد أن كان «فردًا». هو في العدد «فرد»، وفي ميزان الحقيقة «زوج»؛ لأنَّه يمثل الآخر، ويحمل في حناياه آلامه وآماله معًا.
رباط أقامه الله على ركائز من السكن والمودة والرحمة، وجعله آية من آياته في كونه؛ كخلق الإنسان من تراب، وخلق السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان، وقد صوَّر القرآن مدى هذا الرباط بين الزوجين فقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187]، وفي هذه العبارة ما فيها من الإيحاء بمعاني الستر والوقاية، والزينة والدفء، يحقِّقها كلٌّ منهما لصاحبه.
هذا الرباط الوثيق الَّذي نسجت خيوطه بعد بحث وتعب، وتعرف وخطبة، ومهر وزفاف وإعلان.. ليس من اليسير على شريعة حكيمة: أن تتهاون في نقضه وحل عقدته وفصم عراه؛ لأدنى مناسبة وأوهى سبب، يدَّعيه الرجل، أو تزعمه المرأة!
نعم أباح الإسلام للرجل الطلاق؛ علاجًا لا مفرَّ منه، حين يضيق الخناق، وتستحكم حلقات الأزمة بين الزوجين ـ وآخر العلاج الكي كما قيل ـ غير أنَّه لم يبح له هذا إلّا بعد أن يجرِّب وسائل العلاج الأخرى، من وعظ وهجر وتأديب وتحكيم، وبعد أن يستنفد طاقته النفسية في احتمال ما يكره، والصبر على ما لا يحب، ممتثلًا قول الله تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾ [النساء: 19].
وقول رسوله: «لا يَفْرَكُ ـ أي لا يبغض ـ مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر»(1).
لم تجعل الشريعة الطلاق حقًّا للرجل مطلقًا من كل قيد.
بل قيَّدته في الوقت بأن يكون في طهر لم يمسَّ زوجته فيه، فلا يكون الطلاق مشروعًا حسب السُّنَّة في وقت حيضة الزوجة، أو في الطهر الَّذي اتصل بها فيه الاتصال الخاص(2).
وقيدته بتوفر النيَّة والعزم: «إنَّما الطلاق عن وطر»(3)، ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ﴾[البقرة: 227]، فلا طلاق في إغلاق(4) - غضب شديد أو إكراه - ولا طلاق لقاصد الحلف بالطلاق؛ لأنَّ الحلف بغير الله مردود على صاحبه.
وقيدته بوجود الحاجة الشديدة إليه، وكان من التوجيهات النبويَّة: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»(5)، «لا تطلقوا النساء من غير ريبة»(6).
وجعلت الطلاق من غير ريبةٍ ولا حاجةٍ داعيةٍ مكروهًا أو محرمًا؛ لأنَّه ضرر بنفسه وبزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة بينهما من غير حاجة إليه، فكان حرامًا كإتلاف المال(7)، ولقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار»(8).
ولم تترك الشريعة الرجل بعد الطلاق دون غرم يؤوده ويثقل كاهله، ويخوفه عاقبة عمله، فهناك دفع الصداق المتأخر، والنفقة الواجبة في العدة، وأجرة رضاع الأولاد، ونفقتهم حتَّى يكبروا، وهناك متعة الطلاق المندوبة عند الأكثرين، والواجبة عند بعض الأئمَّة من الصحابة والتابعين، كعلي بن أبي طالب، وإبراهيم النخعي وابن شهاب الزهري، وأبي قلابة والحسن وسعيد بن جبير. فقد قالوا جميعًا: لكلّ مطلقة متعة(9). وحجتهم عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: 241]. ولم يحدِّد القرآن هذه المتعة، بل جعلها متاعًا ﴿بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، والمعروف هنا ما تعرفه الفطر السليمة، ويقرُّه العرف الناضج، ويرضاه أهل العلم والدين، وهو يختلف باختلاف الزمن والبيئة، وحال الزوج، وهكذا رأى الحسن وعطاء: أنَّ الله لم يجعل للمتعة حدًّا معينًا، بل تركها لميسرة الرجل كما قال تعالى:﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ﴾[البقرة: 236].
وإذا كانت شريعة الإسلام قد جعلت للرجل حقَّ إنهاء الحياة الزوجيَّة المنكودة بالطلاق ـ مع القيود الَّتي ذكرناها ـ فهل فرضت على المرأة أن ترضى بوضعها في بيت زوجها أبد الدهر، مهما يكن قاسيًا غشومًا ظلومًا، ومهما انطوى قلبها على الكره له والضيق به والسخط عليه؟!
أظن شريعة جعلت للمرأة حقًّا ثابتًا في تزويج نفسها، وقال قرآنها في شأن النساء: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: 234]. ولم تحل لأب أو جد - مهما حصف رأيه، وحنا قلبه - أن يخط لابنته مصيرها بغير اختيارها وإبداء رأيها، حتَّى البكر العذراء الحيية لا بدَّ أن تُستأذن، وأن تعبِّر عن إذنها ولو بالصمت، وروت كتب السُّنَّة أمثلةً ردَّ فيها النبي ﷺ زواج فتيات أجبرهن آباؤهن على التزوج بمن لا يرضين!
أظن شريعة هذا سبيلها في بدء الحياة الزوجيَّة؛ كيف يُتصور أن تفرض بقاء امرأة مع رجل لا تحبه، بل لا تطيقه بغضًا؟! وقد قيل: إنَّ من أعظم البلايا مصاحبة من لا يوافقك ولا يفارقك. وقال المتنبِّي:
ومن نكد الدنيا على الحُرِّ أن يرى
عدوًّا له ما مِن صداقته بُدُّ(10)
وقال:
واحتمالُ الأذَى ورؤيةُ جانيـ
ـهِ غذاء تَضوَى بهِ الأجسامُ(11)
كلا.. لقد جعلت الشريعة الإسلاميَّة للزوجة الكارهة مخرجًا من الحياة مع زوجٍ تنفر منه، وتنأى بجانبها عنه، فإذا كانت الكراهية من قبلها، وكانت هي الراغبة وحدها في الفراق، كان مخرجها ما عرف في لسان الفقهاء باسم «الخُلع».
غير أنَّ الشريعة كما أمرت الرجل أن يصبر ويحتمل، ويضغط على عاطفته، ولا يلجأ إلى أبغض الحلال إلّا عند إلحاح الحاجة: حذَّرت المرأة هي الأخرى من التسرُّع بطلب الطلاق أو الخلع.
وفي الحديث: «أيُّما امرأةٍ سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة». رواه أبو داود(12)، «المختلعات والمنتَزِعات هُنَّ المنافقات». رواه أحمد(13)، والحديث يعني طالبات الخلع من غير ما بأس كما في الحديث السابق، أمَّا الكارهات النافرات، اللاتي يخفن أن تدفعهن الكراهية إلى إهمال حدود الله في الزوجيَّة؛ فلهن أن يشترين حريتهن، بردِّ ما بذل الرجال لهنَّ من مهر أو هدية.
قال ابن قدامة في «المغني»: «إنَّ المرأة إذا كرهت زوجها لخَلْقه أو خُلُقه أو دينه، أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك، وخشيت ألَّا تؤدي حق الله في طاعته: جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ﴾[البقرة: 229]، وفي حديث رواه البخاري، قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: ما أنقم عليه في خُلُق ولا دين؛ إلّا أنِّي أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «أتردِّين عليه حديقته؟» فقالت: نعم، فردتها عليه، وأمره ففارقها. وفي رواية: فقال له: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»(14).
إذا ثبت هذا، فإنَّ هذا يسمى خُلعًا؛ لأنَّ المرأة تنخلع من لباس زوجها، قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187]، ويسمَّى افتداءً، لأنَّها تفتدي نفسها بمال تبذله. قال تعالى:﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ﴾[البقرة: 229](15).
ومن عجب أنَّ الإسلام ضيَّق على الرجال في إيقاع الطلاق، وحدَّده بجملة حدود، وربطه بمجموعة من القيود: في وقته، وكيفيته، وعدده تضييقًا لدائرته، ولكنَّه أوسع للمرأة في الخلع!
فالطلاق في أثناء الحيض والطهر الَّذي مسَّها فيه بدعة أو باطل، ولكنَّ الخلع في هذه الحالة ـ كما قال ابن قدامة ـ لا بأس به في الحيض والطهر الَّذي أصابها فيه؛ لأنَّ المنع من الحيض من أجل الضرر الَّذي يلحقها بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الَّذي يلحقها بسوء العشرة، والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما. ولذلك لم يسأل النبي ﷺ المختلعة عن حالها، لأنَّ ضرر تطويل العدة عليها، والخلع يحصل بسؤالها، فيكون ذلك رضاءً به ودليلًا على رجحان مصلحتها فيه(16).
وعلى هذا فإذا ساءت العشرة بين الزوجين، وكانت المرأة هي النافرة الكارهة، وأبى زوجها أن يطلقها، فلها أن تعرض عليه الخلع، وترد عليه ما أخذته منه، ولا ينبغي أن يزداد، فإن قبل فقد حلت العقدة ويغني الله كلًّا من سعته.
وبعض الفقهاء يشترطون رفع ذلك إلى الحاكم، وبعضهم لا يشترطون، أمَّا إذا رفض الزوج، وأصرَّ على مضايقتها وإكراهها على الحياة في كنفه؛ فللقاضي المسلم أن ينظر في الأمر، ويستوثق من حقيقة عاطفتها وصدق كراهيتها، ثمَّ يجبر الزوج على قبول العوض، ويحكم بينهما ـ سواء اعتبر هذا التفريق فسخًا، أم طلاقًا بائنًا على اختلاف المذاهب ـ غير أنَّه لا يحل للرجل أن يضارَّ المرأة، ويضيِّق عليها لتفتدي نفسها منه، ما دام هو الَّذي يكرهها، ويريد استبدال غيرها بها. قال تعالى:﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا﴾[النساء: 20].
فهل تريد المرأة نَصَفةً أكثر من هذا؟ إنَّ الزوج يكره فيطلق، فيضيع عليه ما أنفق من قبل، ويُلزم بالنفقة والمتعة من بعد، فهل تريد المرأة أن تكرهه فيطلقها الزوج الَّذي قد يكون محبًّا لها، ليزداد غرمًا على غرم: غرم الفراق على كره، وغرم النفقة؛ فيجمع بين الحشف وسوء الكيلة، كما قال العرب، أو بين الموت وخراب الديار كما تقوله العامة.
إذا رفضت المرأة أن تفدي نفسها من الزوج الَّذي لا تطيقه بغضًا، وأصرت على أن يفارقها دون تضحية منها، فهل يلام الرجل إذا دعاها باسم القانون وسلطان الشرع إلى بيت الزوجيَّة أو «بيت الطاعة»؟!
إنَّ كل حق يقابله واجب، وكل واجب يقابله حق، وقد أعطى الإسلام الرجل حقَّ الطلاق بإزاء ما كلَّفه من واجبات المهر والنفقة قبل الطلاق، وتبعات بالنفقة والمتعة بعد الطلاق؛ فضلًا عن الأسباب الفطرية الَّتي تجعل الرجل أبصر بالعواقب وأكثر حكمة وأناة.
وليس من العدالة أن تُعطَى المرأة حق التخلي عن الزوج، وهدم الحياة الزوجيَّة، والإتيان على بيتها من القواعد، دون أن تتكلف شيئًا يهوِّن على الرجل خطبه في فراقها، ويسهل عليه مهمة البحث عن غيرها، وهي في الواقع لا تتكلَّف شيئًا غير ما بذله الرجل من قبل مهرًا؛ قَلّ أو كثر، وهدايا ثمينة أو رخيصة. هذا إذا هبت ريح البغض من قبل المرأة.
أمَّا إذا كان الشِّقاق من الطرفين، وكانت الكراهية متبادلة بينهما، ولم يطلق الرجل فهناك مخلص آخر للمرأة عن طريق الحكمين، أو «المجلس العائلي» الَّذي قال الله في شأنه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾[النساء: 35]، وهذا بناءً على أنَّهما حاكمان يملكان التفريق والتجميع، كما هو قول أهل المدينة ومالك، وأحمد في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه.
قال ابن القيِّم: «وهذا هو الصحيح، والعجب كل العجب ممَّن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين وجعل نصبهما إلى غير الزوجين... إلى أن قال: وبعث عثمان بن عفان ابن عبَّاس ومعاوية @ حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقال لهما: إن رأيتما أن تُفَرِّقا فرَّقتما(17). وصحَّ عن علي بن أبي طالب مثله(18)، قال: فهذا عثمان وعلي وابن عبَّاس ومعاوية @ جعلوا الحُكْم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف»(19).
كلمة أخيرة نقولها لهؤلاء المتاجرين والمتاجرات بقضايا المرأة:
إنَّ الشريعة لا تحابي رجلًا على امرأة، ولا امرأةً على رجل، إنَّ الشريعة لم تضعها لجنة من الرجال حتَّى تتحيَّز ضد النساء، ولكن وضعها الذي:﴿خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ﴾[النجم: 45]، ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾[البقرة: 220]، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾[الملك: 14].
(1) رواه مسلم في الرضاع (1469)، وأحمد (8363)، عن أبي هريرة.
(2) وردت هذه السنة في حديث ابن عمر ^ أنَّه طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (5251، 5252)، ومسلم (1471)، كلاهما في الطلاق.
(3) ذكره البخاري في صحيحه معلَّقًا بصيغة الجزم، في الطلاق، قبل الحديث (5269).
(4) رواه أحمد (26360)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود (2193)، وابن ماجه (2046)، والحاكم (2/198)، ثلاثتهم في الطلاق، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (1665)، عن عائشة.
قلت: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصحَّحه على شرط مسلم. وقد أخرجه الحاكم من طريقين عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم. ورده الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه: محمد بن عبيد بن أبي صالح لم يحتجَّ به مسلم، وضعفه أبو حاتم: ومن الأخرى نُعَيْم بن حمَّاد، صاحب مناكير. قلت: أمَّا محمد بن عبيد فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب، فليس مجمعًا على تضعيفه، وبخاصة أن أبا حاتم لم يبين سبب ضعفه. وأمَّا نعيم بن حماد الخزاعي فقد أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو من الرجال الذين انتُقِدوا على البخاري. وقال الحافظ في مقدمة الفتح عنه: «مشهور من الحفاظ الكبار، لقيه البخاري، ولكنَّه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلق له أشياء أخر. وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا، وأصحاب السنن إلَّا النَّسائي. وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين: كان من أهل الصدق، إلَّا أنَّه يتوهم الشيء فيخطئ فيه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ضعيف ونسبه أبو بشر الدولابي إلى الوضع. وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنَّه كان شديدًا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب، والله أعلم» انتهى من مقدمة فتح الباري (1/447). وأخرجه البيهقي في السنن (7/357) من طريق ثالثة عن عائشة، على خلاف ما ذكر ابن حجر في التلخيص. وبهذا يظهر أنَّ الحديث بطرقه لا ينزل عن درجة الصحة التي ادعاها الحاكم، وأقره عليها ابن القيم وغيره، فإن نزل عنها فليس إلى أقل من درجة الحسن المحتج به، وقد سكت عليه أبو داود، واحتج به البيهقي لمذهب الشافعي: أن طلاق المكره لا يقع على أساس تفسير الإغلاق بالإكراه وهو لا ينافي تفسيره بالغضب. ورواية أبي داود: «في إغلاق». قال: أظنه الغضب.
(5) رواه أبو داود (2178)، وابن ماجه (2018)، كلاهما في الطلاق، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (2040)، عن ابن عمر.
(6) رواه البزار (3066)، والطبراني في الأوسط (7848)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7761): رواه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط، وأحد أسانيد البزار فيه عمران القطان وثقه أحمد وابن حبان، وضعفه يحيى بن سعيد وغيره، عن أبي موسي الأشعري.
(7) انظر: المغني لابن قدامة (7/363).
(8) هي إحدى القواعد الكبرى انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (1/72)، والأشباه والنظائر للسيوطي (7). وقد دل عليها حديث «لا ضرر ولا ضرار». رواه أحمد (2865)، وقال مخرِّجوه: حسن. وابن ماجه في الأحكام (2381)، عن ابن عبَّاس. ورواه الدارقطني في البيوع (3/77)، عن أبي سعيد الخدري، وقال النووي في الأربعين (الحديث الثاني والثلاثون): حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فأسقط أبا سعيد. وله طرق يقوي بعضها بعضًا. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه للحديث: وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم، واحتجوا به، وقول أبي داود: إنَّه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف، والله أعلم. وقال ابن الملقِّن: وصحَّحه إمامنا ـ أي الشافعي ـ في حرملة. خلاصة البدر المنير (2/438)، نشر مكتبة الرشد، ط 1، 1410هـ ـ 1989م. وقال ابن رجب: وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث. في جامع العلوم والحكم (2/210). وهو صحيح بمجموع طرقه. ومعناه مقطوع به من استقراء أحكام الشريعة النافية للضرر والضرار، الثابتة بالقرآن والسُّنَّة. ولهذا عُدَّ من القواعد الشرعية المسلَّمة عند الجميع.
(9) المحلى لابن حزم (10/8).
(10) الأمثال السائرة من شعر المتنبي للصاحب بن عباد (32)، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين، نشر مكتبة النهضة، بغداد، ط 1، 1385هـ ـ 1965م، ونهاية الأرب في فنون الأدب، النويري (3/106، 7/128)، نشر دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، ط 1، 1423هـ.
(11) شرح ديوان المتنبي للعكبري (1/165)، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، نشر دار المعرفة، بيروت.
(12) رواه أحمد (22379)، وقال مُخَرِّجوه: حديث صحيح. وأبو داود (2226)، والترمذي (1187)، وحسّنه، وابن ماجه (2055)، ثلاثتهم في الطلاق، عن ثوبان.
(13) رواه أحمد (9358)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف لانقطاعه. والنَّسائي في الطلاق (3461) قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة، فعلق عليه النَّسائي بقوله: الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (632) وعقب على النَّسائي بقوله: هذا الإسناد متصل صحيح، فلا يتلفت إلى إعلال النَّسائي بالانقطاع.
(14) المغني لابن قدامة (7/323 ـ 324). والحديث رواه البخاري في الطلاق (5273)، عن ابن عبَّاس.
(15) المغني (7/324).
(16) المصدر السابق (7/324 ـ 325).
(17) رواه عبد الرزاق في الطلاق (11885).
(18) المصدر السابق (11883).
(19) انظر: زاد المعاد (5/172 ـ 174)، فصل: في الشقاق يقع بين الزوجين.