2026-06-15
31
طلاق السكران والغضبان والطلاق المعلق والثلاث في مجلس واحد
كنتُ متزوِّجًا، وكانت زوجتي حاملًا في شهرها الثامن، وفي يوم كنتُ ـ والعياذ بالله ـ أشرب الخمر، فحصل بيني وبين زوجتي شجار، فقلتُ لها: أنتِ طالق. ثمَّ في المجلس نفسه قلتُ لها: أنتِ طالق بالثلاثة. هذه المرَّة الأولى للطلاق.
وفي مرَّة ثانية أرادت أن تذهب إلى الجيران، فقلتُ لها: لا تذهبي لهم مرَّة أخرى، وإذا ذهبتِ تكونين طالِقًا. فلم تطعني وذهبت. وهذه هي المرَّة الثانية.
وفي المرَّة الثالثة نشب بيننا شجار شديد جدًّا، قمتُ في أثنائه بتكسير زجاج السيارة من شدَّة الغضب والغيظ، وقلتُ لها وأنا في هذه الحالة: أنتِ طالق.
وكنَّا بعد كل شجار نرجع كما كنا قبل ذلك، كأنَّ شيئًا لم يحصل، إلّا أنَّني حكيت ما حدث بيني وبين زوجتي لشخص من أهل الصلاح يعمل مع والدي، فقال لي: إنَّ زوجتك أصبحت مطلقة ثلاث مرات. لذا فقد ذهبتُ إلى بعض العلماء في السودان مستفتيًا، فقالوا لي: إنَّها قد طلقت منِّي ثلاث طلقات، وبانت بينونة كبرى، ولا تحل لي حتَّى تنكح زوجًا آخر، فبعثتُ زوجتي إلى أهلها، وذهبتُ إلى المحكمة الشرعيَّة، وطلبتُ منهم استخراج شهادة طلاق بالطلقات الثلاث ـ حسب ما قال لي العلماء الَّذين استفتيتهم ـ وكان معي اثنان هما الشاهدان على قسيمة الطلاق.
وسؤالي لفضيلتك: هل ممكن أن أراجع زوجتي بعد ما حدث؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أقول للأخ السائل: هذه الطلقات الثلاث لا تقع، فيما أفتي به أنا.
أولًا: طلاق السكران:
ففي المرَّة الأولى ـ كما قال ـ كان سكرانَ وغضبانَ، وطلاق السكران لا يقع كما هو مذهب سيِّدنا عثمان، ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة، وهو مذهب بعض الأئمة، وهو القول الَّذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا، فقد روى عنه عبد الملك الميموني قوله: قد كنت أقول: إنَّ طلاق السكران يجوز (أي يقع) حتَّى تبينته، فغلب عليَّ ألَّا يجوز طلاقه؛ لأنَّه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه. قال: وألزمه الجناية، وما كان غير ذلك فلا يلزمه.
قال ابن القيِّم: وممَّن ذهب إلى القول بعدم وقوع طلاق السكران من الحنفية أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي، وحكاه صاحب النهاية عن أبي يوسف وزفر. ومن الشافعية المزني وابن سريج وجماعة ممَّن اتبعهما. وهو الَّذي اختاره الجويني في النهاية(1).
وأقول لمن يقولون بوقوع طلاقه عقابًا له: هل نحن نعاقب السكران على السكر أم نعاقب زوجته بطلاقها؟! فضرر الطلاق لا يقع عليه وحده، بل يقع على زوجته، وعلى أولاده إن كان له أولاد، فهذا ليس عدلًا، ولذلك أنا مع الَّذين يقولون بعدم وقوع طلاق السكران.
ثانيًا: الطلاق المعلق:
وفي المرَّة الثانية فهذا طلاق معلَّق، قصد به التهديد، والمذهب الَّذي أفتي به ـ وهو مذهب ابن حزم وابن تيمية ـ أنَّ الطلاق المعلق لا يقع؛ لأنَّه يراد به المنع من شيء، والطلاق إذا أريد به الحمل على شيء أو المنع من شيء فهو يمين، وإذا حنث فيه ففيه كفارة يمين، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله.
ثالثًا: طلاق الغضبان:
وفي المرَّة الثالثة فممَّا وصف السائل فهذا طلاق في شدَّة الغضب، الَّتي جعلته يكسر زجاج السيارة، وهذا قطعًا هو الإغلاق الَّذي جاء في حديث رسول الله ﷺ : «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغلاق»(2). والإغلاق فُسِّر بالإكراه، وبالغضب الشديد، كغضب السائل الَّذي أدى به إلى كسر زجاج السيارة، ما يعني أنَّه خرج عن التحكم في تصرفاته، ولم يعد يعي ما يفعل، صار كالمجنون، ومثل هذا لا يقع طلاقه.
لكنَّ الإشكال هنا أنَّ الطلاق قد ثبت قضاء، ذهب السائل إلى المحكمة، وأخبر القاضي بأنَّه طلق امرأته ثلاث طلقات، فحكم القاضي بطلاقها منه طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، لا تحل له حتَّى تنكح زوجًا غيره.
لكن من ناحية الفتوى والديانة وفيما بينه وبين الله تبارك وتعالى فأنا أقول له: لا حرج عليك، كل هذه الطلقات غير واقعة، وخصوصًا الطلقة الثالثة، فلا يجوز لأحد أن يقول بوقوع الطلاق فيها مع هذا الانفعال والتوتر الشديد، الَّذي أدَّى به إلى أن يحطِّم زجاج سيارته؛ لأنَّ الغضب الشديد بهذه الدرجة لا يقول أي فقيه بأنَّ الطلاق يقع في أثنائه، لأنَّه صار كالمجنون والنبي ﷺ يقول: «رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتَّى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتَّى يحتلم، وعن المجنون حتَّى يعقل»(3). إنَّما اختلفوا في الغضب المتوسط الَّذي يكون فيه المرء مدركًا لما يفعل، هل يقع به الطلاق أم لا، أمَّا الغضب الخفيف فيقع به الطلاق بالإجماع.
لذلك إن أمكن للأخ أن يذهب للمحكمة ويرجع فيما قال، تعود إليه زوجته، وإن لم يستطع فتطلق منه امرأته، لأنَّ حكم الحاكم يرفع الخلاف.
(1) إعلام الموقعين لابن القيم (4/38).
(2) سبق تخريجه صـ 203.
(3) رواه أحمد (24694)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده جيد. وأبو داود في الحدود (4398)، والنَّسائي في الطلاق (3432)، عن عائشة.