عمل المـرأة

❓ عمل المـرأة

📅 2026-06-16 👁 19 مشاهدة

نص السؤال:

ما حكم عمل المرأة شرعًا؟ أعني عملها خارج البيت، كما يعمل الرجل، هل يجوز لها أن تعمل وتسهم بنصيب في الإنتاج والتنمية والنشاط في المجتمع؟ أم المفروض فيها ـ أو المفروض عليها ـ أن تظل حبيسة البيت، لا تعمل إلَّا بين جدرانه الأربعة؟ لطالما سمعنا أنَّ ديننا الإسلامي كرَّم المرأة، ومنحها حقوقها الإنسانيَّة قبل أن يعرف ذلك الغرب بجملة قرون، أفلا يعتبر العمل من حقوقها الَّتي تصون به ماء وجهها أن يُراق، وتحفظ به عرضها أن يصبح سلعة للمساومة ترخصها الحاجة، وتبتذلها الـضرورة؟
ولماذا لا تخوض المرأة معترك الحياة كما خاضته المرأة الغربية، فتصقل شخصيتها وتكسب حقها، وتستقل بأمر نفسها، وتسهم في ترقية مجتمعها؟!
إنَّنا نريد أن نعرف الحدود الشرعيَّة للعمل المباح للمرأة المسلمة، الَّتي تعمل لدنياها دون أن تخسر دينها، بعيدًا عن تزمت المتشددين، الَّذين لا يريدون للمرأة أن تتعلم ولا أن تعمل، ولا أن تخرج من بيتها ولو إلى المسجد!
وبعيدًا أيضًا عن الَّذين يريدون للمسلمة أن تتحلَّل من كل قيد، وأن تعرض بضاعة رخيصة في الأسواق.
كل ما نريده هو حكم الشرع الصحيح، الَّذِي لا إفراط فيه ولا تفريط.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المرأة إنسان كالرجل، هي منه وهو منها؛ كما قال القرآن: ﴿بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ[آل عمران: 195]. والإنسان كائن حي من طبيعته أن يفكر ويعمل، وإلَّا لم يكن إنسانًا.
والله تعالى إنَّما خلق النَّاس ليعملوا؛ بل ما خلقهم إلَّا ليبلوهم أيُّهم أحسن عملًا؛ فالمرأة مكلفة كالرجل بالعمل، وبالعمل الأحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة عليه من الله 8 كالرجل، كما قال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ[آل عمران 195]، وهي مُثـابة على عملها الحسن في الآخرة ومكافأة عليه في الدنيا أيضًا:﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ[النحل: 97].
والمرأة أيضًا كما يقال دائمًا نصف المجتمع الإنساني، ولا يتصور من الإسلام أن يعطِّل نصف مجتمعه، ويحكم عليه بالجمود أو الشلل، فيأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويستهلك من طيباتها ولا ينتج لها شيئًا.
على أنَّ عمل المرأة الأول والأعظم الَّذِي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس، الَّذِي هيأها الله له بدنيًّا ونفسيًّا: هو تربية الأجيال، ويجب ألَّا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان؛ فإنَّ أحدًا لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير، الَّذِي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكون أعظم ثرواتها، وهي الثروة البشرية.
ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال:
الأمُّ مدرسـةٌ إذا أعددْتَها
أعددتَ شـعبًا طيِّبَ الأعراقِ(1)
ومثل ذلك عملها في رعاية بيتها؛ وإسعاد زوجها، وتكوين أسرة سعيدة، قائمة على السكينة والمودة والرحمة. وقد ورد: إنَّ حُسْن تبعُّل المرأة لزوجها يعد جهادًا في سبيل الله(2).
وهذا لا يعني أنَّ عمل المرأة خارج بيتها محرَّم شرعًا؛ فليس لأحد أن يحرِّم بغير نصٍّ شرعيٍّ صحيح الثبوت، صريح الدلالة. والأصل في الأشياء والتصرفات العادية الإباحة كما هو معلوم.
وعلى هذا الأساس نقول: إنَّ عمل المرأة في ذاته جائز، وقد يكون مطلوبًا طلب استحباب، أو طلب وجوب، إذا احتاجت إليه: كأن تكون أرملة أو مطلقة؛ ولا مورد لها ولا عائل، وهي قادرة على نوع من الكسب يكفيها ذل السؤال أو المنة.
وقد تكون الأسرة هي الَّتي تحتاج إلى عملها؛ كأن تعاون زوجها، أو تربي أولادها أو إخوتها الصغار، أو تساعد أباها في شيخوخته، كما في قصَّة ابنتي الشيخ الكبير، الَّتي ذكرها القرآن الكريم في سورة القصص، وكانتا تقومان على غنم أبيهما:﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌۭ كَبِيرٌۭ[القصص: 23].
وكما ورد أنَّ أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين كانت تساعد زوجها الزبير بن العوام في سياسة فرسه، ودقِّ النوى لناضحه، حتَّى إنَّها لتحمله على رأسها من حائط له: أي بستان على مسافة من المدينة(3).
وقد يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عمل المرأة؛ كما في تطبيب النساء وتمريضهن، وتعليم البنات، ونحو ذلك من كل ما يختص بالمرأة، فالأولى أن تتعامل المرأة مع امرأة مثلها، لا مع رجل.
وقبول الرجل في بعض الأحوال يكون من باب الضرورة؛ الَّتي ينبغي أن تقدَّر بقدرها، ولا تصبح قاعدة ثابتة.
وإذا أجزنا عمل المرأة، فالواجب أن يكون مقيدًا بعدة شروط:
1 ـ أن يكون العمل في ذاته مشروعًا، بمعنى ألَّا يكون عملها حرامًا في نفسه، أو مفضيًا إلى ارتكاب حرام، كالتي تعمل خادمة لرجل عزب، أو سكرتيرة خاصَّة لمدير تقتضي وظيفتها أن يخلو بها وتخلو به، أو راقصة تثير الشهوات والغرائز الدنيا، أو عاملة في «بار» تُقَدِّم الخمر الَّتي لعن رسول الله ساقيها وحاملها وبائعها(4)، أو مضيفة في طائرة يوجب عليها عملها تقديم المسكرات، والسفر البعيد بغير محـرم، بما يلزمه من المبيت وحدها في بلاد الغربة، أو غير ذلك من الأعمال الَّتي حرَّمها الإسلام على النساء خاصَّة، أو على الرجال والنساء جميعًا.
2 ـ أن تلتزم أدب المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها في الزي والمشي والكلام والحركة:﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا[النور: 31]، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ[النور: 31]، ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا[الأحزاب: 32].
3 ـ ألَّا يكون عملها على حساب واجبات أخرى لا يجوز لها إهمالها، كواجبها نحو زوجها وأولادها، وهو واجبها الأول وعملها الأساسي.
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة