2026-06-16
27
نسبة الإنسان إلى أبيه هل فيها ظلم للمرأة؟
قالت د. نوال السعداوي فيما قالت، في التهجم على الإسلام وشريعته وحضارته: إنَّ اسم المرأة غير محترم في الإسلام ولا في غيره، فنحن ننادَى بأسماء آبائنا، ولا ننادَى بأسماء أمهاتنا، ونعتبر اسم المرأة كأنَّه عورة، أليس في هذا إهانة للمرأة، وتمييز للرجل عليها؟ ما تعقيبكم على هذا الكلام؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
اسم المرأة محترم مثل اسم الرجل تمامًا، والمرأة تُنادى باسمها، كما ينادَى الرجل باسمه، أمَّا أنَّنا ننادى بأسماء آبائنا وليس بأسماء أمهاتنا، فهذا ما اصطلحت عليه معظم أمم العالم، وليس المسلمون وحدهم، كما أنَّ هذا ليس أمرًا مستحدثًا، ولكنَّه أمر معروف طوال التاريخ: أن ينسب الإنسان إلى أبيه وأسرة أبيه وقبيلة أبيه. ولهذا يقال عن البشر عامة: بنو آدم، فهذه المجتمعات مجتمعات «أبويَّة» أي النسبة فيها إلى الأب، ويوجد مجتمعات قليلة تنسب إلى الأم.
ويبدو هذا أمرًا منطقيًّا، فقد كان الرجل هو العنصر الأقوى، الَّذِي يسعى ويكدح على الأسرة، ويحميها من عدوان الآخرين، وجاء في القرآن أنَّ الله حذَّر آدم وزوجته من الشيطان، ﴿فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ﴾[طه: 117]. لماذا قال: ﴿فَتَشْقَىٰٓ﴾، ولم يقل: «فتشقيا»؟! قال الزمخشري وغيره من المفسرين: لأنَّ الشقاء والكدح في الأرض من أجل العيش معصوب أساسًا برأس الرجل(1).
ويظهر أنَّ جنس الذكر أقوى في الحيوانات عامة، كما نرى ذلك في الكبش والنعجة، والثور والبقرة، والديك والدجاجة، وغيرها فهذا من صُنع الفطرة، وليس من تحكم الرجال في النساء. ولا ينقص هذا من قدر المرأة؛ لأنَّ الله ناط بها مهمَّة أخرى غير الكدح والحماية، وهي مهمة الحمل والوضع، وتنشئة الأولاد، وما أصعبها من مهمة.
على أنَّ من الرجال من يعرف باسم أمه لسبب أو آخر، ولم ينقص هذا من قدره، كما نرى في تاريخنا مثلًا: محمَّد بن الحنفيَّة، وهو ابن علي بن أبي طالب 3 ، وكانت أمه من بني حنيفة. وإسماعيل بن عُلَيّة، وهو من فقهاء الأمة المعتبرين، نسب إلى أمه.
وآل تيمية، ومنهم: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، وهؤلاء الثلاثة من كبار علماء الأمة: الجد والابن والحفيد، وكلهم نسبوا إلى تيمية، أمهم أو جدتهم.
أمَّا اعتبار اسم المرأة عورة، فربما نجد مثل هذا عند بعض العوام أو البدو وأمثالهم للأسف، فنجد بعض النَّاس يعبِّرون عن المرأة بـ «الجماعة» أو «الأولاد» أو «العائلة». بل رأيت بعض النَّاس في الخليج إذا ذكروا المرأة يقولون: أعزك الله، كما يقولونها: إذا ذكروا الحمار ونحوه!
وهذا ليس من الإسلام في شيء، وهم لم يفعلوا ذلك تديُّنًا، ولا بتوجيه الدين؛ بل هي أعراف جاهليَّة، لا سند لها من الشرع.
ولقد رأينا الرسول الكريم ﷺ يذكر زوجاته بأسمائهن، أو كنيتهن: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وصفية، وغيرهن.
وفي حديث الصحيحين المعروف والمروي في اعتكافه ﷺ ، حين ذهبت صفيَّة تزوره عند باب المسجد، ورآه أنصاريَّان معها، فأسرعا الخُطا، فقال لهما: «على رِسْلِكما، إنَّها صفيَّة بنت حُيَيٍّ»(2).
وكان يناديهنَّ بأسمائهنَّ: يا عائشة، يا حفصة، إلخ. كما نادى عمَّته وابنته باسميهما؛ وهو يُحذِّر بني هاشم من النَّار: «يا بني هاشمٍ، أنقذوا أنفسَكم من النَّار؛ فإنِّي لا أغني عنكم من الله شيئًا! يا عبَّاس بن عبد المطلب، عمَّ رسول الله، يا صفيَّة بنت عبد المطلب، عمَّة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اعملوا؛ فإنِّي لا أغني عنكم من الله شيئًا»(3).
ومن مزيَّة الإسلام أنَّه لم يدمج المرأة في نسب زوجها بعد أن تتزوَّج، حتَّى إنَّها تنسب إليه لا إلى أبيها، كما هو عند الغربيين، وكما قلَّد ذلك بعض بلاد المسلمين؛ بل تبقى المرأة شرعًا محتفظة باسمها واسم أبيها وعائلتها، بعد الزواج، كما كانت قبل الزواج.
ولهذا نقول في أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ : خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش، وصفية بنت حيي، إلخ زوجات النبي ! .
وكذلك أسماء الصحابيات، مثل: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت أبي بكر، وأم حرام بنت ملحان، وغيرهن.
ومن بعدهن، مثل: عائشة بنت طلحة، وأم كلثوم بنت علي، وسكينة بنت الحسين، وغيرهن.
وبالله التوفيق.
(1) انظر: تفسير الزمخشري (3/92)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 3، 1407هـ.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (2035)، ومسلم في السلام (2175).
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الوصايا (2753)، ومسلم في الإيمان (204)، عن أبي هريرة.