منع الزوجة من زيارة والديها

❓ منع الزوجة من زيارة والديها

📅 2026-06-16 👁 61 مشاهدة

نص السؤال:

هل يجوز للزوج المسلم أن يمنع زوجته الألمانية المسلمة من زيارة والديها النصرانيين منعًا مطلقًا، أو يسمح لها بزيارتهما نادرًا، وهل يحبذ الإسلام لمن دخل فيه أن يجفو أهله ويقطع رحمه؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يجوز للزوج المسلم أن يمنع زوجته المسلمة من زيارة والديها النصرانيين؛ لأنَّها بمقتضى إسلامها مأمورة ببرِّهما ومصاحبتهما بالمعروف؛ بل هذا أمر جعله الإسلام بعد توحيد الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا[الإسراء: 23]؛ وذلك أنَّ أعظم حقوق العباد بعد حق الله 4 : هو حق الوالدين.
حتى الوالدان المشركان لم يمنع الإسلام من برِّهما مع شركهما؛ بل لم يمنع من ذلك وإن جاهدا ولدهما على الخروج من الإسلام، والدخول في الشرك، وحاولا ذلك محاولة جاهدة؛ عبَّر عنها القرآن بالجهاد كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ١٤ وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا﴾ [لقمان: 14، 15]، فأمر الله تعالى بعصيانهما في الدعوة إلى الشرك، كما أمر بمصاحبتهما بالمعروف.
وقد جاءت أسماء بنت أبي بكر إلى النبيِّ بعد صلح الحُدَيْبية، تستفتيه وتقول له: يا رسولَ الله إنَّ أمي قدمت عليَّ وهي مشركة، أفأصلها؟ (أي أحسن إليها وأعطيها بعض المال) قال: «نعم، صِلي أمَّكِ»(1). قالوا: وفي مثل هذا نزل قوله تعالى في سورة الممتحنة:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ[الممتحنة: 8].
والإسلام قد فرض الوصيَّة للوالدين غير المسلمين كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ[البقرة: 180]. ومن المعروف أنَّ الوالدين المسلمين لا يجوز لهما الوصية، لأنَّهما وارثان، ولا وصيَّة لوارث.
وإنَّما المقصود هنا الوالدان غير المسلمين والأقربون غير المسلمين، فإنَّ عدم إسلامهما لم يُلغِ ما لهما من حقوق الوالدية، وكذلك عدم إسلام الأقربين لم يُلغِ ما لهم من حقوق الرحم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ[النساء: 1]، والإسلام اعتبر المصاهرة إحدى رابطتين طبيعيتين تربط بين البشر، والرابطة الأخرى هي النسب، قال تعالى:﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا[الفرقان: 54].
فلا يجوز إنكار هذه الرابطة الفطريَّة ولا إهمالها، وينبغي للزوج أن يحسن علاقته بأحمائه، وأقارب زوجته وخصوصًا أبويها، وأن يتودَّد لهم، ويحسن إليهم، حتَّى يحبِّبهم إلى الإسلام، وإنَّما انتشر الإسلام في العالم بحسن أخلاق المسلمين، وحسن تعاملهم ومعاشرتهم للآخرين.
ولا يجوز للمسلم أن يمنع زوجته من برِّ والديها؛ بل ينبغي أن يحرِّضها على ذلك، ويذهب معها إلى زيارتهما، ويدعوهما إلى زيارته في بيته، فهذا مقتضى المصاهرة الَّتي شرعها الله تعالى، فهؤلاء أجداد أطفاله وجداتهم، وإخوانها أخوالهم، وأخواتها خالاتهم، ولهم جميعًا حقوق ذوي الأرحام وأولي القُربَى.
وقد حكى لي بعض الإخوة الفضلاء الَّذين يعيشون في أوربا أنَّ أصهارهم دخلوا في الإسلام بسبب حسن معاشرتهم لهم ولزوجاتهم، وحدثني آخرون أنَّ أصهارهم على وشك الدخول في الإسلام، ولكنَّهم ـ وإن لم يدخلوا ـ أصبحوا ألسنة صدق في الثناء على الإسلام وأخلاق المسلمين.
وعرفت من بعض الإخوة أنَّه كان هناك رجلٌ سيء العشرة، شديد القسوة على امرأته، حتَّى إنَّه كان يسبُّها ويضربها بعنف، حتَّى إنَّ أولاده منها كرهوه غاية الكره، حتَّى قال بعضهم لأمه: لئن كبرتُ لأقتلنَّ أبي هذا؛ لأنَّه يهينك ويؤذيك بغير حق، ولأنتقمنَّ منه. ثمَّ فارقت هذا الرجل الظالم بعد أن دفعت له ما دفعت، وعوضها الله برجل مسلم حقيقي، عاملها أكرم معاملة، واعتبر أولادها كأولاده، وأظهر من الحبِّ والودِّ ما جعل الأولاد يتعلَّقون به، ويحبُّون الإسلام من خلاله، وكذلك أهلها.
وعرفت وأنا في اليابان منذ أشهر، أنَّ رجلًا من هؤلاء المسلمين الأجلاف الغلاظ منع زوجته من زيارة أبيها، وكان مريضًا، ثمَّ اشتد عليه المرض، فكرَّرت الطلب، وكرَّر الرفض، ولما يئست من ذلك الزوج أعلنت ردَّتها عن الإسلام، والعياذ بالله!
إنَّ حسن المعاملة يحبِّب الإسلام إلى النَّاس، ويدخلهم فيه أفواجًا، وإنَّ سوء المعاملة ينفِّر النَّاس من الإسلام، ويخرجهم منه بعد دخولهم فيه، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله!
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة