2026-06-16
11
تجنيد المرأة في الجيش
ماذا عن تجنيد المرأة في الجيش في هذا العصر، هل هو حلال أم حرام؟
(أ. ع)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المرأة لها وظيفة أساسية هيَّأها الله لها، وأعدَّها بفطرتها وتكوينها الجسمي والعصبي لهذه الوظيفة، وهي وظيفة الأمومة، لهذا ينبغي أن لا نهمل هذا الجانب، وأن لا يكون عمل المرأة مخالفًا لفطرتها، يمكن للمرأة أن تعمل في بعض الميادين الَّتي يعمل بها الرجال، لكن لا تعمل في كل ما يعمل فيه الرجال، حتَّى تثبت أنَّ المرأة مساوية للرجل في كل شيء، وهذه فكرة خاطئة، فالرجل مختلف عن المرأة، والمرأة مختلفة عن الرجل، والله تعالى يقول:﴿وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا﴾[النساء: 32].
الشريعة الإسلاميَّة ساوت بين الذكر والأنثى في أصل التكليف، وفي الكرامة الإنسانيَّة، وفي الحقوق العامَّة، وفي الواجبات العامَّة، وهو أمر لا يختلف فيه اثنان، قال النبيُّ ﷺ : «إنَّما النساءُ شقائقُ الرجالِ»(1). وقال الله تعالى:﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ﴾[آل عمران: 195]. فالمرأة من الرجل، والرجل من المرأة، والمسلمون والمسلمات متفقون في كثير من الأمور، كما قال الله: ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلْخَٰشِعِينَ وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا﴾[الأحزاب: 35]، وقال الله تعالى:﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[التوبة: 71].
فالأصل في التكاليف أنَّها واحدة، إلَّا ما كان فيه خصوصية، مثلًا: الإسلام حرَّم على الرجال التحلِّي بالذهب، أو لبس الحرير الطبيعي، وأحلَّ ذلك للنساء، مراعيًا فطرة المرأة وتجمُّلها وتزيُّنها. وأوجب على الرجل صلاة الجمعة، ولم يوجب ذلك على النساء؛ لأنَّ المرأة تكون مشغولة في بيتها بأولادها، وبإعداد أمور البيت، فلم يوجب عليها شهود الجمعة، فإذا أرادت أن تذهب فلا حرج.
كذلك لم يوجب عليها من الجهاد ما أوجبه على الرجل، فالجهاد واجب على الرجال، لكن ليس معنى هذا أنَّ المرأة تحرم من المشاركة فيه؛ بل كان النساء يشاركن في الجهاد في عهد النبي ﷺ ، فعن أنس قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يغزو بأُمِّ سُلَيْم ونسوةٍ من الأنصار ليسقينَ الماءَ ويداوينَ الجَرْحى(2).
فيمكن للمرأة أن تشارك في بعض الأعمال في الجيش، كالإسعاف وتضميد الجرحى، وسقاية العطشى، كما كان يفعل نساء الصحابة في بعض الغزوات، وقد كان بعضهن تمسك بالسيف في بعض الأحيان، وتشهره في وجه الأعداء، كما فعلت أم عمارة # في غزوة أحد، وقاتلت عن يمين النبي ﷺ وعن شماله. وكما فعلت أم سليم # ، أمسكت بخنجر لتضرب به المشركين في غزوة حنين، فهذا ليس الأصل ولكنَّه قد يحدث عند اللزوم.
ولذلك قال الفقهاء: إذا كان الجهاد فرض عين، بأن دخل العدو أرض المسلمين، يجب على الجميع أن ينفروا للدفاع عن حرماتهم، الرجل والمرأة كلٌّ منهما يجاهد بما يستطيع، وتخرج المرأة للجهاد بغير إذن زوجها، والولد بغير إذن أبيه، والمرؤوس بغير إذن رئيسه؛ لأنَّ هذا نفير عام، وحق الجماعة مقدَّم على حق الفرد في هذه الحالة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكنَّها أيضًا تظل حالة خاصَّة، ليست هي الأصل. فعن عائشة أم المؤمنين # ، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكُنَّ أفضلُ الجهاد: حجٌّ مبرور»(3).
أمَّا تجنيد المرأة في الجيش، فهذا خروج عن طبيعة المرأة عن طبيعتها وفطرتها الَّتي فطرها الله عليها، والبلاد الَّتي جنَّدت المرأة يندمون على هذا الأمر.
ما معنى تجنيد المرأة؟ أن تبقى سنة وسنتين في الجيش كما يفعل الرجال؟! هذا ضد طبيعة المرأة؛ لأنَّ تعريض المرأة لحياة الخشونة يخرجها عن طبيعتها.
أباح الله لها الذهب والحرير حتَّى تبقى لها طبيعة الأنوثة والنعومة. فيقولون عن المرأة: الجنس اللطيف. فنحوِّل نحن الجنس اللطيف إلى الجنس الخشن! فالمرأة في التجنيد تخضع للتدريب والخشونة، وتزحف على بطنها كما يفعل الرجال؟! غير معقول هذا.
ولكن يمكن للمرأة ـ كما قلت ـ في حالات معينة كحالات الاحتلال، ودخول العدو أرض الإسلام: أن تمسك السلاح، وتقاتل وتحارب، مع زوجها، أو مع أبيها، أو مع أخيها، أو مع ابنها، في هذه الحالة لا حرج، ويجب أن ندرِّبها للدفاع عن نفسها. والمرأة في فلسطين، إن كانت تخشى أن يهجم عليها الأعداء المعتدون، الَّذين لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمَّة، ويعتدون على الحرمات ولا يبالون بشيء، في هذه الحالة يمكن للرجل أن يدرِّب زوجته أو ابنته على أن تستخدم السلاح، وتقاتل لتدافع عن نفسها.
فهذه حالات اقتضتها الضرورة، أمَّا في الحالات العادية، فالأصل أنَّ الرجل هو المقاتل، وأنَّ المرأة موضعها موضع الإسعاف، والخدمة العامَّة للجيش، وتقوية الجبهة الداخلية.
والحرب الآن في عصرنا ليست حرب مقاتلين فقط، ولذلك يقولون: إنَّ سلامة الجبهة الداخلية وصلابتها وتماسكها، ووقوف كلٍّ في موقعه يؤدي واجبه، هذا جيش وراء الجيش. فالمرأة لها وضعها في الجبهة الداخلية، وفي الدفاع المدني، وفي أشياء كثيرة يمكن أن تُعد المرأة لها، ولا أرى بحال من الأحوال تجنيد المرأة في الجيش.
(1) سبق تخريجه صـ 8.
(2) رواه مسلم (1810)، وأبو داود (2531)، كلاهما في الجهاد، عن أنس.
(3) رواه البخاري في الجهاد والسير (2784)، عن عائشة.