2026-06-18
49
كذبة أول نيسان (أبريل)
دقَّ جرس الهاتف، فكانت مكالمة من أحد الأصدقاء، يسوق إليَّ فيها خبرًا آلمني وأزعجني، ورآني أهلي وأولادي، فأخبرتهم الخبر فاغتموا لغمِّي، وما هي إلَّا ساعة زمن، حتَّى اتصل الصديق نفسه مرة أخرى، ليبلغني أنَّ الخبر لا أساس له. وإنَّما هي كذبة أول نيسان (أبريل). فقلت له: إنَّ هذا حرام ولا يجوز! لكنَّه قال بأنَّه لم يقصد إلَّا المداعبة والمزاح؛ على عادة النَّاس في مثل هذه المناسبة.
فما رأيكم في مجاراة مثل هذا التقليد، وتكدير النَّاس بأخبار غير صحيحة، وإن كان المقصود منها المداعبة؟ وهل يسوغ مثل هذا العمل شرعًا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الكذب خلق سيِّئ، ورذيلة من أعظم الرذائل الَّتي يراها الشرع الإسلامي مجافية للإيمان، ويعتبرها إحدى آيات النفاق.
ولم يجز الشرع الكذب إلَّا في حالات معينة، ذكرناها في فتوى سابقة، وليس منها الكذب للمداعبة.
بل حذَّر النبي ﷺ من الكذب لإضحاك القوم، فقال: «ويلٌ للَّذي يُحدِّث بالحديثِ ليُضحك به القومَ فيكذب، ويلٌ له، ويلٌ له»(1). وفي حديث آخر: «لا يؤمنُ العبدُ الإيمانَ كلَّه حتَّى يتركَ الكذبَ في المزاحة، والمراء (الجدل) وإن كان صادقًا»(2). كما جاء أكثر من حديث نبوي يحذِّر المسلم من ترويع أخيه وإزعاجه، جادًّا أو مازحًا.
وروى أبو داود بسنده، عن عبد الرحمٰن بن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحاب محمَّد ﷺ : أنَّهم كانوا يسيرون مع النبيِّ ﷺ ؛ فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه، فأخذه، ففزع، فقال رسول الله ﷺ : «لا يحلُّ لمسلم أن يُرَوِّع مسلمًا»(3).
وعن النُّعْمان بن بَشِير ^ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في مسيرٍ فخَفِقَ (نعس) رجلٌ على راحلته، فأخذ رجل سهمًا من كنانته، فانتبه الرجل، ففزع. فقال النبيُّ ﷺ : «لا يحلُّ لرجل أن يُرَوِّعَ مسلمًا»(4).
وعن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن جَدِّه 3 : أنَّه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يأخُذَنَّ أحدُكم متاعَ أخيه لاعبًا ولا جادًّا»(5). واعتبر النبيُّ ﷺ من أكبر الخيانة: أن تكذب على من يثق بك، ويصغي إليك بأذنه وقلبه، وأنت تكذب عليه، يقول: «كَبُرَتْ خيانةً أن تُحَدِّث أخاك حديثًا، هو لكَ به مُصَدِّق، وأنت له به كاذب»(6).
وبهذا يتبيَّن لنا: أنَّ الكذب بهذه الصورة، وبهذه المناسبة خاصَّة حرام من جهات أربع:
الأولى: حُرمة الكذب ذاته، الَّذِي نهى عنه القرآن والسُّنَّة.
الثانية: ما وراءه من ترويع إنسان، وإدخال الفزع والكدر عليه ساعةً من الزمن، وربَّما على أسرته معه، بغير مسوِّغ ولا حاجة.
الثالثة: ما فيه من خيانة لإنسان هو لك مصدق، وأنت له كاذب.
الرابعة: مجاراة عادة سخيفة، وإشاعة تقليد باطل، لم ينبت في أرضنا، ولم ينشأ من بيئتنا. فهو تشبُّه بغير المسلمين؛ فيما يُعدُّ من رذائلهم وسخف أعمالهم.
وكثيرًا ما تتضمَّن كذبة ذلك اليوم إشاعات؛ قد يضرُّ انتشارها بالمجتمع كله.
والخلاصة أنَّ الكذب حرام في كل يوم، وتزداد حرمته في ذلك اليوم خاصَّة، لما ذكرنا من اعتبارات، فلا يليق بمسلم المساعدة على ترويج هذا الزور، والله المُوَفِّق.
(1) رواه أحمد (20055)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده حسن. وأبو داود في الأدب (4990)، والترمذي في الزهد (2315)، وحسنه، والنسائي في الكبرى في التفسير (11126)، وحسَّنه الألباني في غاية المرام (376)، عن معاوية بن حيدة.
(2) رواه أحمد (8630)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. والطبراني في الأوسط (5103)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (325): رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه منصور بن أذين، ولم أر من ذكره. عن أبي هريرة.
(3) رواه أحمد (23064)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في الأدب (5004)، وصحَّحه الألباني في غاية المرام (447)، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ .
(4) رواه الطبراني في الكبير (21/116)، والأوسط (1673)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10529): رواته ثقات.
(5) رواه أحمد (17940)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في الأدب (5003)، والترمذي في الفتن (2160)، وقال: حسن غريب. وحسَّنه الألباني في إرواء الغليل (1518).
(6) رواه أبو داود في الأدب (4971)، والطبراني (7/71)، والبيهقي في الشهادات (10/199)، وقال النووي في الأذكار صـ 339: رويناه في سنن أبي داود بإسناد فيه ضعف، لكن لم يضعفه أبو داود فيقتضي أن يكون حسنًا عنده، عن سفيان بن أسيد الحضرمي.