التوبة من الكبائر

❓ التوبة من الكبائر

📅 2026-06-18 👁 103 مشاهدة

نص السؤال:

ما قولكم في شخص ما، سواء ارتكب شيئًا من الأمور الَّتي سأذكرها، أم ارتكبها جميعًا، وهي: فاحشة الزنى وما شابهها، ورمي المحصنات، وأكل أموال النَّاس بالباطل، مع الاعتبار بأنَّ مرتكبها تاب إلى الله توبةً نصوحًا، وأمَّا فيما يتعلَّق بأكل الأموال بالباطل، فإنَّه لا يستطيع ردَّ ما أخذه من النَّاس، لعدم توفره معه، سواء أكان قليلًا أم كثيرًا؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الجرائم الثلاث الَّتي يسأل عنها الأخ وهي: جريمة الزنى أولًا، فهذه يتوب إلى الله عنها، ويندم ويستغفر الله عز وجل، ويعزم عزمًا صادقًا على ألَّا يعود لمثل هذا الذنب أبدًا، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
بعض العلماء شدَّدوا وقالوا: لا بدَّ أن يذهب إلى أهل المزني بها ويستسمحهم؛ لأنَّ هذا أمر يتعلق بحقوق العباد، فلا بدَّ أن يسامح العباد في حقهم، ومعنى هذا أن يذهب الرجل إلى من يريد أن يستسمحه فيقول له: لقد زنيت بامرأتك أو بابنتك فاصفح عني وسامحني. طبعًا هذا شيء لا يعقل حدوثه؛ لأنَّ ذلك الرجل سوف يقتله أو يفعل به الأفاعيل!
ولهذا حقَّق المحققون: أنَّ التوبة من الزنى تكون بين المرء وخالقه تعالى؛ فإذا تاب وأناب، وندم واستغفر؛ فالمرجو أن يغفر الله له ويعفو عنه.
أمَّا رمي المحصنات الغافلات العفيفات المؤمنات، فهذه جريمة كبيرة وهي من السبع الموبقات، المهلكات في الدنيا والآخرة. وقد قال الله تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْغَٰفِلَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٢٣ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ[النور: 23، 24].
وجعل الله على القذف عقوبة تُعرف بحدِّ القذف في الدنيا؛ وهو ثمانون جلدة، وهذه عقوبة مادية، ولا تقبل شهادة القاذف بعد ذلك، وهذه عقوبة مدنية أدبية؛ حيث يسقط اعتباره، وتنزع عنه الثقة؛ فلا تقبل شهادته، وعقوبة دينية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ[النور: 4]. أي أن يوصم القاذف بالفسق،﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ[النور: 5].
ولكن بماذا تكون التوبة هنا؟
اختلف الفقهاء والأئمة، فهنا حق لله 8 ، وحق للمرأة المقذوفة.
فإن كان قال فيها أمام ملأ، فلا بدَّ أن يكذب نفسه أمام هذا الملأ، حتَّى يرضى الله تعالى عنه، أو يذهب إلى صاحبة الحق ويستسمحها.
أمَّا أن يفضح عرضها، ويقول فيها كلامًا يسير مسير الريح في كل مكان، ويبقى وصمةً عليها وعلى أسرتها، وعلى ذريتها من بعدها، ثمَّ يقول: تبت إلى الله. فهذا لا يكفي. لا بدَّ من تكذيب نفسه، والاعتراف بأنَّه كذب عليها، أو استرضاء صاحبة الحق؛ فصاحب الحق له أن يسمح، وإلَّا قدم نفسه ليجلد الثمانين جلدة، ويتوب إلى الله بعد ذلك؛ فتقبل توبته.
أمَّا أكل أموال النَّاس بالباطل، وبطرق غير مشروعة، أقول: بأنَّ الحقوق المالية لا بدَّ أن تردَّ إلى أصحابها، حتَّى الشهادة في سبيل الله، لا تكفِّر هذا الحق للآدمي، إنَّه ليس أعظم من أن يستشهد الإنسان في سبيل الله، ومع هذا فإنَّ النبيَّ حينما سأله سائل: يا رسولَ الله، إذا قُتِلتُ في سبيل الله، تُكفَّر عني خطاياي؟ قال: «نعم». ثمَّ استدعاه وقال له: «ماذا قلتَ آنفًا؟» قال: قلت كذا. قال: «إلَّا الدَّين، أخبرني بذلك جبريل آنفًا»(1).
الديون والتبعات، لا بدَّ أن تردَّ إلى أصحابها.
فكونه يأكل أموال النَّاس عن طريق الرشوة أو الغصب، أو النهب أو الغش، أو أي طريقة من الطرق المحرَّمة، ثمَّ يقول: تبت إلى الله، أو يحج أو يجاهد ويستشهد، لا، لا بدَّ من ردِّ هذه الحقوق المالية، حيث لا تسامح من هذه الناحية.
فإن كان عاجزًا، فليذهب إلى أصحاب الحقوق، ويسترضيهم لعلَّهم يرضون عنه، فإن لم يرضوا، فإنَّه لا بدَّ أن ينوي بنفسه أنَّه كلَّما قدر على شيء دفعه إلى أصحاب الحق.
فإذا مات، ولم يكمل ما عليه من هذه الحقوق، تولَّى الله إرضاء خصومه يوم القيامة، والله عفو غفور.
← العودة لقسم 1- العلاقات الاجتماعية