اتهامُ شخصٍ عُرف بالاستقامة

❓ اتهامُ شخصٍ عُرف بالاستقامة

📅 2026-06-18 👁 153 مشاهدة

نص السؤال:

إذا عُرف شخص لدى النَّاس بالاستقامة والنظافة، والصلاح طوال عمره، وفجأة ظهر من يتهمه بأشنع التهم من الزنى وعمل قوم لوط والقتل وغيرها.
فما حكم الشرع في المُتَّهِم والمتَّهَم؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
رمي البُرَآء بالتهم، وخصوصًا التهم الكبيرة، مثل الزِّنى واللواط وقتل النفس، يعتبر في نظر الإسلام من المحرَّمات المقطوع بها؛ بل من كبائر الإثم، وعظائم الذنوب، الَّتي تستوجب مقت الله تعالى وعذابه، ولعنته في الدنيا والآخرة؛ وذلك لما فيه من عدوان على حُرمات المؤمنين والمؤمنات، وإساءة الظن بهم، وتجرُّؤ السفهاء عليهم، وإشاعة الفاحشة في المجتمع المؤمن. ولذلك ذم القرآن هذا السلوك أبلغ الذم، وتوعَّد مقترفيه بعذاب الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا[الأحزاب: 58].
وقال جل شأنه:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْغَٰفِلَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٢٣ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤ يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ[النور: 23 ـ 25].
وقد أجمع علماء الأمة على أنَّ رمي المؤمنين مثل رمي المؤمنات؛ في الإثم والعقوبة، وإنَّما جاءت الآية بهذه الصيغة لأنَّ السياق جاء في الدفاع عن عائشة أم المؤمنين: الصِّدِّيقة بنت الصديق، أحب أزواج رسول الله إليه بعد خديجة.
هذه الطاهرة لاكت عرضها ألسنة السوء، وأشاعوا عنها قالة السوء واتَّهموها برجلٍ من أصحاب رسول الله، لم يُعرف عنه ريبة قط، ولكنَّ المنافقين انتهزوها فرصة، وأشعلوا نار الفتنة، وكانت قصَّة (حديث الإفك) الشهيرة، الَّتي أقلقت البيت النبوي، والبيت الصّدّيقي، والمدينة كلها، حتَّى نزل القرآن من فوق سبع سماوات، يفصل في القضية ويردُّ الأمور إلى نصابها، ويخرس كل لسان كذوب، ويبرئ الصّدّيقة الطاهرة من كل سوء، ويخرج المسلمين من هذه المحنة القاسية المريرة.
اقرأ قوله تعالى من سورة النور:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١١ لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ ١٢ لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ[النور: 11 ـ 13].
هذا حكم الله القاطع: أنَّ من اتَّهم إنسانًا بفاحشة الزِّنى؛ فعليه أن يثبت دعواه بأربعة شهداء عدول، لا مطعن فيهم، رأوا الرجل وهو يزني بالمرأة عيانًا بيانًا، كما حددتها النصوص الشرعيَّة (كالمِيل في المُكْحُلَة، والقلم في الدواة)، فإذا لم يأت بالشهداء الأربعة على هذا الوجه المبين، فذلك هو الكاذب عند الله.
وهذا الكاذب عند الله له عقوبة شرعيَّة؛ بل عقوبات ثلاث، نصَّ عليها جميعًا القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ[النور: 4، 5].
ذكرت الآية الكريمة ثلاث عقوبات لهذه الجريمة البشعة:
الأولى: عقوبة بدنية، وهي أن يُجلد ثمانين جلدة، يؤذى بها بدنه، كما آذى أنفس البرآء، ونغص عليهم حياتهم، وأساء إليهم وإلى ذويهم.
والثانية: عقوبة أدبية اجتماعيَّة، وهي إسقاط اعتبارهم الأدبي والاجتماعي، فلا تقبل لهم شهادة في أيِّ مجال من المجالات المالية أو المدنية، أو الاجتماعيَّة أو السياسية؛ لأنَّ كلمة «شهادة» جاءت نكرة في سياق النفي؛ فتشمل كل شهادة، ومن هنا يجب حرمانه من حق التصويت في الانتخابات؛ لأنَّه نوع من الشهادة، وبالتالي من باب أولى: حق الترشيح.
والثالثة: عقوبة دينية، وهي وصفه بالفسق، وإدخاله في زمرة «الفاسقين». والقرآن الكريم جعل الفسق في بعض الأحيان مقابل الإيمان، فقال تعالى:﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ ١٨ أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٩ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ[السجدة: 18 ـ 20].
ووصف القرآن الكريم شرَّ الخلق إبليس ـ لعنه الله ـ بالفسق، فقال:﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ[الكهف: 50].
ومن رحمة الله تعالى: أنَّه فتح باب التوبة لمن أراد أن يتطهَّر ويغسل نفسه، فقال تعالى:﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ[النور: 5].
وإن كان الإمام أبو حنيفة يرى أنَّ التوبة تؤثّر في إسقاط العقوبة الأخيرة ـ وهي الوصف بالفسق ـ فقط، ولا تؤثر في إسقاط الشهادة، لأنَّها موصوفة بالتأبيد:﴿وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ(1).
هذا ويزداد الجرم عظمًا إذا اتهم من عُرف بين النَّاس بالاستقامة والصلاح، وأنَّهم لا يعلمون عنه إلَّا خيرًا، فإنَّ ألسنة الخلق أقلام الحقِّ، والعبرة بشهادة الصالحين وأهل الخير، فهم شهداء الله في الأرض، كما قال الرسول (2).
لقد شدَّد الإسلام في المحافظة على أعراض النَّاس وحرماتهم وكراماتهم، ولم يبح لمسلم أن يتناول مسلمًا بكلمة سوء في حضرته أو في غيبته، كما قال الله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌۭ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ[الحجرات: 12].
وفي الحديث الصحيح: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعِرْضه»(3).
ولو لم يفعل الإسلام ذلك، لتسلَّط النَّاس بعضهم على بعض، وديست الكرامات، وانتُهكت الحرمات، وضاعت الحقوق والحريات.
من هنا كان أمر الإسلام بالستر، حفاظًا على الأعراض والخصوصيات، وقال الرسول الكريم للرجل الَّذِي دفع ماعزًا إلى الاعتراف بالزنى حتَّى رُجم: «لو سترتَه بثوبِكَ لكان خيرًا لكَ»(4)، وقال: «كلُّ أُمَّتي معافًى إلَّا المجاهرين»(5)، «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»(6).
وقال من فوق منبره: «يا معشرَ مَن أسلم بلسانه ولم يُفْضِ الإيمانُ إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتَّبعوا عوراتهم، فإنَّه من تتبَّعَ عورةَ أخيه المسلم، تتبَّعَ اللهُ عورته، ومن تتبَّع الله عورته، يفضحه، ولو في جوف رَحْله»(7).
وقال الله جل شأنه في كتابه الكريم:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ[النور: 19].
← العودة لقسم 1- العلاقات الاجتماعية