2026-06-18
95
دفاع المتهم عن نفسه
هل من حقِّ المتهم أن يدافع عن نفسه؟ وهل يجوز منعه من ذلك؟ وما واجب المجتمع المسلم حياله؟ أيسعه السكوت وترك الأمور تجري في أعنتها؟ أم يقف بجواره مناصرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نعم من حقِّ الفرد الَّذِي اتهم في دينه وعرضه وسلوكه ظلمًا: أن يدافع عن نفسه تجاه من ظلمه، ويرفع صوته جاهرًا بالحقِّ، بل أباح الله تعالى له ما لم يُبح لغيره، رعايةً لظرفه، وذودًا عن حرمته، حين قال الله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾[النساء: 148]، ولا يجوز لأحد منع المتهم من الدفاع عن نفسه، فهذا حق طبيعي وشرعي، وقد أعطى الله الحرية لإبليس اللعين ليجادل عن نفسه أمام ربِّ العالمين، ويقول عن آدم: ﴿أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ﴾[الأعراف: 12]، كما جعل من حقِّ كلِّ نفسٍ يوم القيامة أن تجادل عن نفسها.
ويجب على المجتمع المسلم أن يتيح له الفرصة، ويحفظ له حق الحرية في هذا الدفاع عن النفس بكل ما يستطيع: قولًا باللسان، أو كتابةً في الصحف، أو حديثًا إلى المذياع، أو إلى التليفزيون، ولا سيَّما إذا كان شخصيَّة عامة؛ لها وزنها وتأثيرها، فلا يجوز شرعًا أن يُترك لمخالب خصومه وأنيابهم تفترسه جهارًا نهارًا، والمجتمع «يتفرَّج»، ولا يحرِّك ساكنًا، والأبواب مغلقة على المتهم البريء، لا يملك أن يرد عن نفسه أسلحة الخصوم الَّذين يملكون كل شيء، وقد جرَّدوه من كل شيء!
وأدهى من ذلك أن يشارك النَّاس في حملة الافتراء بنقل كلام السوء؛ دون إنكار كما قال تعالى:﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌۭ﴾[النور: 14 ـ 15].
إنَّ المجتمع المسلم مجتمع متضامن متكامل، لا يقبل أن يسقط أحد البرآء فيه ضحيةً لظلمٍ مبيَّت، ومؤامرةٍ مدمرة، وكيدٍ عظيم، وهو ساكت، فإنَّ الساكت عن الحق شيطان أخرس، والله تعالى يقول:﴿لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ﴾[النور: 12].
فهذا تحريض للمجتمع على رفض الإفك، وهذا موقف المجتمع المؤمن المتضامن، والله تعالى يقول:﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾[التوبة: 71].
والنبي ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمه»(1). ومعنى «لا يُسْلمه»: أي لا يتخلَّى عنه، ولا يتركه في ساعة الشدة.
وقال ! : «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قالوا: يا رسولَ الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم»(2).
فالإسلام يوجب على المجتمع المسلم أن ينصر المظلوم على الظالم؛ مهما تكن قوته وجبروته، والحديث النبوي يقول: «إذا رأيتَ أُمَّتي تهابُ أن تقول للظالم: يا ظالمُ، فقد تُوُدِّعَ منهم»(3). والواجب على كلِّ مسلم سمع عن أخيه شرًّا يعلم خلافه أن يذبَّ عنه، ويردَّ عن عرضه، كما في الحديث الشريف: «مَنْ ردَّ عن عِرْضِ أخيه ردَّ الله عن وجهه النارَ يوم القيامة»(4).
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المظالم والغصب (2442)، ومسلم في البر والصلة (2580)، عن ابن عمر.
(2) رواه البخاري في المظالم والغصب (2444)، عن أنس.
(3) رواه أحمد (6784)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف لانقطاعه. والحاكم في الأحكام (4/96) وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، والبزار (2375)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (12110): رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد. عن عبد الله بن عمرو.
(4) رواه أحمد (27543)، وقال مُخَرِّجوه: حسن لغيره. والترمذي في البر والصلة (1931)، وحسَّنه الألباني في غاية المرام (432)، عن أبي الدرداء.