2026-06-18
93
ماذا نفعل عند الخلاف
إذا اختلف رئيس ونائبه في بعض الأقطار «ماليزيا»، حول بعض القضايا المالية والإدارية والسياسية وغيرها، وتبادلا التهم في ذلك، فما هي الطريقة الشرعيَّة لحل النـزاع بينهما؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمثل الطرق في ذلك هو: تحكيم جهة محايدة مَرْضِيَّة من الطرفين، لا تخضع لسلطان الرئيس بما يملك من إغراءات وتهديدات، ولا تتأثر بوعد أو وعيد، وتنظر في الأمر بحيدة وإنصاف؛ في ضوء مصلحة الأمة، سعيًا إلى التوفيق ما استطاعت، فيد الله مع الجماعة، والاتحاد خير، والفرقة شر.
وهذا ما فعله أمير المؤمنين عليّ 3 ، وقبله الصحابة الموجودون معه ومع معاوية، وإن رفضه الخوارج بعد ذلك، قائلين: لا حكم إلَّا لله(1).
ولكنَّ ترجمان القرآن: عبد الله بن عبَّاس ^ أفحمهم بحجته البالغة، حين قال لهم: «إنَّ الله شرع التحكيم فيما هو أهون من ذلك، في الخلاف داخل الأسرة بين الزوجين، فكيف لا يشرع التحكيم في خلاف يتعلق بالأمة؟ وتلا عليهم قول الله تعالى:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا﴾[النساء: 35].
وأعتقد أنَّ لجنة من كبار أهل الرأي والحكمة من المسلمين من إندونيسيا أو باكستان أو المملكة العربية السعودية أو غيرها: تستطيع أن تفصل في هذه الخصومة بما يشرح الله لها صدورها من الحق، وبالنيَّات الصالحة، والعزائم الصادقة، والجهود المبذولة، تزول الصعوبات، ويسهل الطريق، ويحدث التوفيق، كما قال الله تعالى في شأن الحكمين:﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾[النساء: 35].
وإنِّي لأهيب بإخوتي في ماليزيا الشقيقة، الَّتي كانت تمثِّل أحد آمال المسلمين في التقدم والنمو: أن يعملوا جاهدين لإطفاء نار الفتنة، وجمع الشمل، وتوحيد القوى الوطنية، لمواجهة المؤامرات الكبرى؛ الَّتي تحاك لهم وللمسلمين عامَّة لتحطيم رموزها، وشغل بعضهم ببعض، لتستمتع القوى العظمى بخيرات بلادهم، وثروات دولهم، بأرخص الأسعار، وهم في غمرة ساهون، وبخصوماتهم مشغولون.
إنَّ نفسي لتذهب حسرات، وإنَّ قلبي ليتقطَّع زفرات، على أبناء أمتي المسلمة؛ الَّتي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس؛ حين يكيد بعضهم بعضًا، ويهدم بعضهم بعضًا، والخاسر الوحيد هو الوطن والأمة، والكاسب الوحيد هو إسرائيل وأمريكا والقوى المتربِّصة بالمسلمين، والَّتي تضرب بعضهم ببعض، وهي قريرة العين، تجني ثمار النـزاع، ومخلفات الصراع، وتستمتع بخلاف الفريقين أيَّما استمتاع. ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
إنِّي أذكّر إخوتي بقول الله تعالى:﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُواْ ۚ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[آل عمران: 103].
أسأل الله تباركت أسماؤه أن يجمع الكلمة على الهدى، والقلوب على التقوى، والنفوس على المحبة، والعزائم على البناء لا الهدم، والجمع لا التفريق.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا﴾[الكهف: 10]. اللهمَّ آمين.
(1) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/208).