2026-06-18
103
البكاء على الميت
بنتي ماتت، وأنا أبكي كثيرًا عليها، ويقول لي بعض الناس: إنَّ البكاءَ مخلٌّ بالدين فما قول الشرع في ذلك؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
البكاء نوعان:
بكاء رحمة من شدَّة العاطفة ومن الحنان، وهذا لا يخلو منه أحد، إلَّا من قسا قلبه، فالنبيُّ ! بكى حينما ماتت بنت بنته؛ فدهش بعض الصحابة، وقال سعد: ما هذا يا رسولَ الله؟ قال: «هذه رحمةٌ يضعُها اللهُ في قلوبِ من يشاء من عباده، وإنَّما يرحم اللهُ من عباده الرحماءَ»(1). يعني أنَّ قلبه ليس مقدودًا من صخر. لا، إنَّه قلب إنسان، وقلب الإنسان يتأثَّر، فحينما يرى الإنسان طفلةً أمامه تحتضر وتلفظ الأنفاس الأخيرة، ألا يبكي؟! بلى إنَّه يبكي؛ ما دام ذا قلب. وهذا لا حرج فيه.
وعندما مات ابنه إبراهيم قال ! : «إنَّ العينَ لتدمعُ، وإنَّ القلبَ ليحزنُ، ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربَّنا»(1).
المهمُّ أنَّ الإنسان لا يقول مع البكاء إلَّا ما يرضي الله: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، «إنَّ لله ما أخذ، ولله ما أعطى»، «اللهمَّ اؤْجُرْني في مصيبتي، واخلُف لي خيرًا منها»(2) مثل هذا الكلام الطيِّب الَّذِي يصبح له ثِقَلٌ في الميزان يوم القيامة، أمَّا أن يلطمَ الخدَّ، ويشقَّ الجيب، ويدعو بدعوى الجاهليَّة، أو يولول، فهذه الأشياء هي الممنوعة وهي المحظورة وهي الَّتي برئ منها النبيُّ ﷺ .
فمجرد البكاء لا شيء فيه؛ لأنَّ بعض النَّاس دمعتهم قريبة، يبكي لأدنى الأشياء، فلعلَّ هذه الأخت السائلة عاطفية حساسة، فتبكي كلَّما تذكَّرت، فلا حرج عليها، لكن ينبغي أن تقول كلَّما تذكَّرت: «إنا لله، وإنَّا إليه راجعون» فعسى أن تكون هذه البنت في ميزانها يوم القيامة، وحجابًا لها من النَّار، إن شاء الله. ولكن لتحذرْ أن تغلط بكلام فيه سوء الأدب مع الله عز وجل، عليها أن ترضى بقضاء الله عز وجل، وإن ذرفت عينها الدمع في بعض الأحيان.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (1284)، ومسلم (923)، كلاهما في الجنائز، عن أسامة بن زيد.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجنائز (1303)، ومسلم في الفضائل (2315)، عن أنس.
(3) رواه مسلم في الجنائز (918)، وأحمد (16344)، عن أم سلمة.