2026-06-18
79
نصيحة لمن يذهب إلى أمريكا
سوف أسافر إلى أمريكا للدراسة، فما نصيحتكم للطلاب الَّذين يدرسون في أمريكا؟ وما هي واجباتنا نحو ديننا في بلاد مثل هذه البلاد؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أقول: على المسلم أن يتَّقِي الله حيثما كان، كما قال النبيُّ ﷺ : «اتَّقِ اللهَ حيثما كنت»(1). أي: في أي مكان كنت، وفي أي زمان كنت، وعلى أي حال كنت. الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾[البقرة: 115]. أي: في الشرق وفي الغرب، وفي الخليج وفي أمريكا، وفي اليابان وفي كل مكان. ويقول:﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ﴾[الحديد: 4].
فعلى الإنسان أن يتذكر رقابة الله تعالى له في أيِّ مكان كان، في بلده أو في الغربة، وحده أو مع آخر، أو بين الناس:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾[المجادلة: 7].
مصاحبة الأخيار:
وأول شيء أوصيك به أخي السائل: أن تبحث عن الصحبة الطيبة، لا تعش وحدك؛ فإنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية أو الشاردة، ابحث عن الأصدقاء الصالحين الطيبين، ستجد إخوة خيرين طيبين، وستجد اتحاد الطلاب المسلمين، ورابطة الشباب المسلم، ابحث عنهم، وعِش معهم، تعش بهموم الإسلام والمسلمين، بدل أن تعيش وحدك، فتضيع، ويبتلعك اليم، وتبتلعك الحيتان الفاغرة أفواهها، عِش مع إخوانك، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته.
أنا أعرف شبابًا ذهبوا من بلاد الخليج إلى بلاد الغرب غير ملتزمين بالإسلام، ربَّما أحدهم لا يصلي، أو يصلي حينًا وينقطع حينًا، فلما ذهبوا إلى هذه البلاد، وتعرفوا إلى الشباب المسلم هناك، عادوا أكثر التزامًا وتحمُّسًا وغَيْرةً على الدِّين، ربَّما لم تكن لأحدهم لحية، فأطلق لحيته، لم يكن يقرأ في كتب الدين، فأصبح يقرأ فيها، لم يكن مهتمًّا بالدعوة إلى الله، فأصبح يدعو إلى الله، ما كان يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فأصبح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أصبح يحمل هم الإسلام، وجد أناسًا يحملون الإسلام فكرة واضحة في رؤوسهم، وعقيدة راسخة في قلوبهم، وأخلاقًا تنظِّم حياتهم وتوجِّه سلوكهم، فتعرَّف على هؤلاء الشباب الصالح، فأصبح واحدًا منهم، فلمَّا عاد إلى بلده عاد أفضل ممَّا ذهب.
وأقول لابني السائل: لا تخف من هذه البلاد، إذا وضعت نفسك مع الفئة الصالحة، ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا﴾[الأحزاب: 39]. يقول ﷺ : «يدُ اللهِ على الجماعة، فمن شذَّ شذَّ في النار»(2).
ويقول ﷺ : «المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُه بعضًا». وَشبَّك بين أصابعه(3).
ابحث عن الجماعة المسلمة الصالحة، وعِش واحدًا منها، وابتعد عن أصدقاء السوء وجلساء السوء، فقد ضرب الرسول ﷺ لنا مثلًا للجليس الصالح والجليس السوء، فقال: «إنَّما مَثَلُ الجليسِ الصالح والجليسِ السوء، كحاملِ المسك، ونافخِ الكير، فحاملُ المسك: إمَّا أن يُحْذِيَك، وإمَّا أن تبتاعَ منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبة، ونافخ الكير: إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة»(4).
فابتعد عن الكير والحداد والنار، وابحث عن الأخيار، وكن معهم.
وأنصحك أن تهتمَّ بدراستك، وتتفوَّقَ فيما ذهبت لتتخصص فيه، واهتم بدينك، واهتمامك بدينك سيساعدك على أن تهتمَّ بدروسك، وستجد من إخوانك من يساعدك، واهتم بدعوة المسلمين وغير المسلمين، وعِش لقضايا أمتك، فهذا ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه.
وعلى كل مسلم مغترب في بلاد غير إسلاميَّة عدَّة واجبات: أن يحافظ على دينه، وأن ينمِّي حياته الروحيَّة والثقافية والفكرية، وأن يحافظ على أسرته؛ زوجته وأولاده، وأن يتعاون مع إخوانه المسلمين من حوله، فالمسلمون لا يستطيعون أن يؤكدوا وجودهم إلَّا من خلال عمل جماعي، فكيف يبنون مساجد لعباداتهم؟ وكيف يبنون مدارس لتعليم أولادهم، ويقيمون أندية لأنشطتهم الاجتماعيَّة والترويحية؟ ثمَّ هناك واجب نحو الَّذين يعيشون بينهم من غير المسلمين، وهو أن يدعوهم إلى الإسلام، ويعرِّفهم به من خلال أقواله وأفعاله، وسيرته وسمته، وأخيرًا واجبه نحو الأمة الإسلاميَّة، الَّتي هو جزء منها، وهو أن يُعنى ويهتم بقضاياها.
(1) رواه أحمد (21354)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره. والترمذي في البر والصلة ((1))، وقال: حديث حسن صحيح. وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (97)، عن أبي ذر.
(2) رواه الترمذي في الفتن (2167)، وقال: غريب من هذا الوجه. وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (1848)، دون قوله: «ومَن شذَّ شذَّ في النار». وضعفه النووي في شرح مسلم (13/67)، ورواه الحاكم في العلم (1/115)، وأبو نعيم في الحلية (3/37)، وقال: غريب من حديث سليمان عن عبد الله بن دينار لم نكتبه إلَّا من هذا الوجه، وقال المناوي في فيض القدير (2/344): قال ابن حجر 5 في تخريج المختصر: حديث غريب خرجه أبو نعيم في الحلية واللالكائي في السنة، ورجاله رجال الصحيح لكنَّه معلول، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظًا حكمت بصحته على شرط الصحيح، لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال، فذكرها وذلك مقتضي للاضطراب والمضطرب من أقسام الضعيف. وقال السخاوي في المقاصد صـ 716: بالجملة فهو حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره.
قلت: وهناك من الدلائل ما يشهد لهذا الحديث، منها قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، فوجود هذه الأمة الهادية بالحق، يمنع أن تجتمع على ضلالة، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ﴾ [الأنعام: 89]، ومنها قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54]، ومنها أحاديث الطائفة القائمة على الحق إلى قيام الساعة، التي سمَّاها العلماء (الطائفة المنصورة). فليعلم هذا.
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الصلاة (481)، ومسلم في البر والصلة (2585)، عن أبي موسى الأشعري.
(4) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الذبائح (5534)، ومسلم في البر والصلة (2628)، عن أبي موسى الأشعري.