2026-06-18
69
اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد للتعليم والدراسة
هل يجوز اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد، في حجرة أو قاعة في حلقة درس أو في الفصل الدراسي، أو نحو ذلك، دون حجاب ساتر بين الرجال والنساء، أم أنَّ الفصل بينهم واجب؟ وما هو التصور الصحيح لاجتماع الجنسين؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
كان مجلس النبي ﷺ يجتمع فيه الرجال والنساء، وكانت بعض النساء تسأل النبي الله ﷺ بعض الأسئلة المحرجة، فعن أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ، فهل على المرأة من غُسْل إذا احتلمت؟ قال النبيُّ ﷺ : «إذا رأت الماء». فغطَّت أمُّ سلمة ـ تعني ـ وجهها وقالت: يا رسولَ الله أَوَتحتلمُ المرأة؟! قال: «نعم، تربتْ يمينُكِ، فبِمَ يُشْبِهها ولدها؟!»(1). وفي بعض طرق الحديث: أنَّ أمَّ سلمة قالت لأمِّ سليم: فَضَحْتِ النساءَ عندَ رسول الله ﷺ (2).
فكان النساءُ يحضرن مع الرجال في مجلس النبي ﷺ ، ثمَّ طلبن أن يجعل لهن يومًا يكون لهن خاصَّة غير المجلس المشترك بين الرجال والنساء، لا يغالبهن الرجال ولا يزاحمونهن، وقلن في ذلك صراحة: يا رسول الله، قد غلبنا عليك الرجالُ، فاجعلْ لنا يومًا من نَفْسِك(3). فوعدهنَّ يومًا، فلقِيَهُن فيه، ووعظهن وأمرهن. فقد أردن أن يكون لهن يوم ينفردن فيه بالنبيِّ ﷺ ، ويسألنه بحُرِّيَّة، كان هذا هو الوضع في عهد النبيِّ ﷺ .
وفي مسجد النبي ﷺ كانت المرأة تشهد الجماعة والجمعة مع الرجال، غاية الأمر أنَّه ﷺ كان يحثُّهن على أن يتَّخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال، وكلَّما كان الصف أقرب إلى المؤخرة كان أفضل، خشية أن يظهر من عورات الرجال شيء، وكان أكثرهم لا يعرفون السراويل، ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل من بناء أو خشب أو نسيج، أو غيره.
ضوابط التقاء الرجل بالمرأة:
كانت المرأة المسلمة ـ في عصر النبوَّة وعصر الصحابة والتابعين ـ تلقى الرجل، وكان الرجل يلقى المرأة، في مناسبات مختلفة: دينية ودنيوية، ولم يك ذلك ممنوعًا بإطلاق، بل كان مشروعًا إذا وُجِدت أسبابه، وتوافرت ضوابطه، وتتمثل هذه الضوابط في الآتي:
ترك الخلوة (وهي وجود رجل وامرأة أجنبية عنه في موضع لا يراهما فيه أحد) امتثالًا لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما خلا رجلٌ بامرأةٍ إلَّا كان الشيطانُ ثالثهما»(1).
توقي التماسِّ والتلاصق والتراصِّ بالأبدان، بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه، حذر الإثارة والفتنة.
تجنب التبرج (وهو الكشف عمَّا أمر الله ورسوله ﷺ بستره من البدن)، إذ يجب على المرأة حين اجتماعها بالرجال غير المحارم أن تستر كلَّ جسدها، ما عدا الوجه والكفين، على مذهب جمهور الفقهاء.
التزام المرأة الحشمة في حديثها وحركاتها، فلا تتصنَّع من الكلام والحركات ما يؤدي إلى إثارة الغرائز.
وعليه، فإذا التزم الرجال والنساء في أي لقاء أو نشاط بهذه الضوابط الشرعيَّة، فلا حرج عليهم في ذلك، إذا كان موضوع اللقاء أو النشاط جديًّا.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في العلم (130)، ومسلم في الحيض (313)، عن أم سلمة.
(2) رواه أحمد (27118)، عن أم سليم. وراه مسلم في الحيض (310)، عن عائشة بلفظ: «يا أُمَّ سُلَيْم، فضحت النساء».
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في العلم (101)، ومسلم في البر والصلة (2633)، عن أبي سعيد الخدري.