2026-06-18
89
حول الذبائح
ما حكم الذبائح الواردة إلى الدانمارك من نيوزلندا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد تسلَّمت رسالتك الَّتي تسأل فيها عن حكم الذبائح الواردة إلى الدانمارك من نيوزلندا، والخلاف الَّذِي قام عندكم نحوها. ومع سؤالك شهادة أخينا الطبيب البيطري، وقد قرأت الرسالة قراءة متأنية. وكنت أودُّ ألَّا تذكر أسماء إخواننا العلماء عندكم، حتَّى لا تكون هناك أي حساسية من أي طرف. ومع هذا أقول وبالله التوفيق:
إنَّ ذبح الخراف في نيوزلندا بالطريقة الَّتي شرحتها في سؤالك هو ذبح صحيح شرعًا؛ لأنَّه قد استوفى جميع الشرائط والأركان الشرعيَّة في التذكية المطلوبة: من حيث آلة الذبح الحادة، ومن حيث موضع الذبح في الرقبة، ومن حيث إتمام الذبح بقطع الحلقوم والمريء والودجين، ومن حيث الذابح المسلم ومن حيث التسمية على الذبيحة، وهذا كله قد تمَّ بحمد الله، فلم يعد هناك مجال للشك والارتياب في صحَّة الذبح وحلية الذبيحة بهذه الطريقة.
أمَّا ربط المريء بعد إكمال عملية الذبح ـ الَّذِي تشترطه السلطات النيوزلندية لأسباب صحية، والذي يتم بعد ثوان من الذبح، وعلى مسافة أربعة أمتار، وبعد تدفق الدم بغزارة، كما في شهادة الطبيب البيطري، وكما هو واضح من السؤال ـ فهذا لا يدلُّ على احتمال أن يكون هناك سبب آخر للموت، كالاختناق بسبب ربط المريء وكما توهَّم ذلك أخونا الشيخ البرازي حفظه الله، فإنَّ سبب الموت واضح، وهو الذبح الشرعي الَّذِي أُدِّي كاملًا.
واحتمال الموت بسبب آخر غير وارد ولا محل له، وشهادة أخينا الطبيب البيطري الدكتور جمال زاهري الموافقة للاستفتاء ـ والذي أكَّد فيها أن يستحيل استحالة تامة أن يبقى الخروف على قيد الحياة بعد الذبح ـ تعتبر كافية للاطمئنان على سلامة الذبح. فشهادة الطبيب المختص في هذا المقام مقدمة على استنتاج الفقيه، وبخاصة أنَّ المسألة ليست مسألة فقهية شرعيَّة، بقدر ما هي مسألة علمية تطبيقية.
وأودُّ أن أضيف هنا أمرًا مهمًّا، وهو: أنَّ ربط المريء للحي ـ حيوانًا أو إنسانًا ـ لا يؤدي وحده إلى اختناقه، إنَّما الَّذِي يؤدي إلى الاختناق هو ربط القصبة الهوائية، وهي جزء من الجهاز التنفسي. وهذه لا دخل لها في موضوعنا. فالذي يربط هنا هو المريء وهو جزء من الجهاز الهضمي، والمقصود من ربطه: منع خروج الفضلات من معدة الحيوان أو كرشه إلى باقي الجسم، إذا تبيَّن ذلك فأنا لا أجد أيَّ مبرِّرٍ للتشكيك في عملية الذبح وإباحة الذبائح بالطريقة المشروحة في السؤال. وعلى أخينا الفاضل الشيخ البرازي أن يراجع الموضوع مرة أخرى، وسيجد أنَّه لا محل للريبة إن شاء الله. وقد قال عمر في رسالته المشهورة في القضاء: ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَه بالأمس أن تراجع فيه نفسك اليوم، فإنَّ الحقَّ قديم، والرجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل(1).
وفَّق الله الجميع لما يحبُّ ويرضى، وأثاب المجتهدَ المصيبَ أجرين، والمخطئ أجرًا واحدًا، وصلى الله على سيدنا وإمامنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
(1) رواه الدارقطني في الأقضية (4471)، والبيهقي في آداب القاضي (10/119). وانظر: رسالة عمر في القضاء وشرحها في إعلام الموقعين لابن القيم (1/67) وما بعدها.