2026-06-18
131
تخدير الحيوان قبل ذبحه
يرى كثير من الأوربيين: أنَّ ذبح الحيوانات بالطريقة المتبعة عندنا حسب الشريعة الإسلاميَّة، يسبِّب ألمًا شديدًا للحيوان.
وتعترض بعض الأحزاب السياسية بشدَّة على استخدام هذه الطريقة في ذبح الحيوانات، وتنصح منظمات حماية حقوق الحيوان بالتخلي عن هذه الطريقة في الذبح.
وهناك رأي يقول بوجوب إعطاء الحيوان جرعة قليلة من عقار مخدِّر مزيل للآلام قبل الذبح؛ حتَّى لا يشعر الحيوان بآلام أثناء ذبحه.
ونحن نودُّ أن نسأل سيادتكم عن رأي ديننا الحنيف في هذا الأمر، هل يمكن إعطاء الحيوان جرعة قليلة من عقار مخدر قبل ذبحه؛ ينتهي مفعوله بعد الذبح مباشرة، ولا ينتقل تأثيره إلى الإنسان عند تناول لحم هذا الحيوان أم لا؟
نرجو من سيادتكم موافاتنا بردٍّ كتابيٍّ في هذا الأمر حتَّى يتسنَّى لنا نشر هذا الرد وتعميم المصلحة، وتجنُّب حدوث الفتنة لكل المسلمين في هذا البلد، وفي غيره من بلدان أوربا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. مصطفى عواد التلبي
رئيس الجمعية المصريَّة النمساويَّة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ الإسلام حين اختار طريقته في تذكية الحيوان، بحيث يحل أكله: إنَّما كان ذلك لأنَّها كانت أفضل الطرق لإزهاق روح الحيوان؛ من غير تعذيب له، وتخفيف الألم عنه بقدر الإمكان.
فالإسلام يحرِّم القسوة على الإنسان والحيوان، كما يوجب الرحمة بالإنسان والحيوان، ويقول: «الراحمون يرحمُهم الرحمٰن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السماء»(1)، «من لا يَرحم لا يُرحم»(2).
وكما أوجب الرحمة أوجب الإحسان والإتقان في كلِّ عمل يعمله المسلم: «إنَّ اللهَ كتب الإحسان على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبْحَ، وليُحِدَّ أحدُكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحتَه»(3).
ولهذا اشترط أن يُذبح الحيوان في رقبته، ولا يهشم رأسه، أو يخنق بحبل، أو يضرب حتَّى يموت، أو يهمل حتَّى يتردى من شاهق، أو نحو ذلك، فكل هذه تعتبر «ميتة» لا يحلُّ أكلها كما نصَّ القرآن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: 3].
ومن الإحسان الواجب: أن يحدَّ الذابح شفرته، وأن يريح ذبيحته، ومن آداب الذبح: ألَّا يحدَّ الشفرة أمام البهيمة، وألَّا يذبح بهيمة أمام أخرى؛ لأنَّها تحسُّ بذلك بفطرتها، وتفزع وتتألم من داخلها.
وقد اختار الإسلام الذبح في الرقبة، وقطع الودجين؛ لأنَّه أقرب الطرق لقتل الحيوان، لا سيَّما بالآلة الحادة، ونهى عن الذبح بعظم أو ظفر، أو نحوها.
ولهذا لا نقبل نحن المسلمين أن نُتَّهم بأنَّنا قساة على الحيوان، ولكن لو وجدت وسائل تخفِّف عن الحيوان ألم الذبح، وتعين على راحته، فهذا يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلاميَّة في الرحمة بالحيوان.
ولذا يرحِّب التشريع الإسلامي بأيِّ إضافة إلى هذه الطريقة تزيد من راحة الحيوان، وتخفف من ألمه، مثل إعطائه حقنة أو جرعة من عقار مخدر، ما دام هذا العقار لا يعجِّل بموته قبل أن يذبح، ولا يضر به ولا بالإنسان الَّذِي سيأكل لحمه بعد ذلك. فهذا يتفق مع توجه التشريع الإسلامي في إراحة الحيوان والرفق به. ولا ضرر فيه ولا ضرار. ومثل هذا لا يرفضه الشرع، ولا ينكره الفقه، إلَّا إذا ثبت ضرره على الإنسان أو الحيوان، فيمنع للضرر.
فلا حرج في ذلك ولا بأس؛ لأنَّه من باب الإحسان بالحيوان الَّذِي كتبه الله تعالى وفرضه، وليس له أثر جانبي ضار، إذ لا ضرر ولا ضرار. وهو أشبه بتخدير الإنسان قبل إجراء العملية الجراحية له، رفقًا به، ورحمةً له.
وقد صحَّ في الحديث: أنَّ رجلًا سقى كلبًا عطشان في الصحراء، يأكل الثرى من شدة العطش، فملأ خفيه ماءً من البئر وسقاه، فشكر الله له، فغفر له، فقال الصحابة: أئنَّ لنا في البهائم لأجرًا يا رسولَ الله؟ قال: «في كلِّ كبدٍ رطْبة أجرٌ»(4).
كما أخبرنا ! أنَّ امرأةً «بَغِيًّا» سقت كلبًا، فشكر الله لها، فغفر لها(5).
وقال ! : «اتَّقوا اللهَ في البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكُلُوها صالحة»(6).
هذا، وبالله التوفيق، والحمد لله أولًا وآخرًا.
(1) رواه أحمد (6494)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود في الأدب (4941)، والترمذي في البر والصلة (1924)، وقال: حسن صحيح. والحاكم في البر والصلة (4/159)، وقال بعد أن ذكره مع أحاديث عدة في الباب: وهذه الأحاديث كلها صحيحة. ووافقه الذهبي. وصحَّحه الألباني في الصحيحة (925)، عن عبد الله بن عمرو.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (5997)، ومسلم في الفضائل (2318)، عن أبي هريرة.
(3) رواه مسلم في الصيد والذبائح (1955)، وأحمد (17113)، عن شداد بن أوس.
(4) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المساقاة (2363)، ومسلم في السلام (2244)، عن أبي هريرة.
(5) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3467)، ومسلم في السلام (2245)، عن أبي هريرة.
(6) رواه أبو داود في الجهاد (2548)، وابن خزيمة في المناسك (2545)، وصحح إسناده النووي في رياض الصالحين (966)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (23)، عن سهل بن الحنظلية.