2026-06-18
195
حكم الخل المصنوع من الخمر
ما حكم الخل المصنوع من الخمر؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إذا كانت الخمر تخلَّلت ـ أي تحوَّلت إلى خل ـ بنفسها، فهي حلال، وطاهرة بالإجماع. وإذا كانت تخلَّلت بمعالجة وعمل متعمد، كوضع ملح أو خبز، أو بصل، أو خل، أو مادة كيميائية معينة، فقد اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من قال: تطهر، ويحلُّ الانتفاع بها، لانقلاب عينها، وزوال الوصف المفسد فيها. ومنهم من قال: لا تطهر، ولا يحل الانتفاع بها؛ لأنَّا أمرنا باجتنابها:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة: 90]. وفي التحليل اقتراب منها، فلا يجوز.
وقد جاء في ذلك حديث أنس عند أبي داود: أنَّ أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: «أهرقها» فقال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: «لا»(1). فدلَّ على أنَّه لا يجوز، ولأنَّه لو جاز لندبه إليه؛ لما فيه من إصلاح مال اليتيم. ولما روي عن عمر قال: لا تأكل خلًّا من خمر أفسدت، حتَّى يبدأ الله بفسادها، وذلك حين طاب الخل. ولا بأس على امرئ أصاب خلًّا من أهل الكتاب أن يبتاعه، ما لم يعلم أنَّهم تعمَّدوا إفسادها(2).
يعني بما بدأ الله بفساده: ما تحوَّل بنفسه من خمر إلى خل دون معالجة.
ولأنَّه ـ حسَب قول الشيرازي في المهذَّب ـ إذا طرح فيها الخل نجس الخل، فإذا زالت الشدَّة المطربة بقيت نجاسة الخل النجس، فلا تطهر(3) انتهى.
قال الإمام النووي في «المجموع»: إذا انقلبت الخمر بنفسها خلًّا، تطهر عند جمهور العلماء. ونقل القاضي عبد الوهاب المالكي فيه الإجماع. وحكى غيره عن سحنون: أنَّها لا تطهر.
وأمَّا إذا خُلِّلت بوضع شيء فيها، فمذهبنا أنَّها لا تطهر، وبه قال أحمد والأكثرون. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والليث: تطهر(4).
وعن مالك ثلاث روايات: أصحُّها عنه: أنَّ التخليل حرام، فلو خلَّلها طهرت. والثانية: حرام ولا تطهر. والثالثة: حلال وتطهر.
وفي كتب المالكيَّة: الراجح: جواز التخليل(5).
وذكر الإمام الخطَّابي في «معالم السنن»: ورخَّص في تخليل الخمر ومعالجتها عطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب أبو حنيفة، وكره ذلك سفيان وابن المبارك(6).
روى أبو عبيد في «الأموال» بسنده عن عطاء: في رجل ورث خمرًا! قال: يُهريقها. قيل: أرأيت إن صبَّ عليها ماءً، فتحولَّت خلًّا؟ قال: إن تحوَّلت خلًّا فليبِعْه(7).
وروى أبو عبيد أيضًا بسنده عن المثنى بن سعيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمٰن ـ وهو عامله على الكوفة ـ: أن تُحمل الخمر من رستاق إلى رستاق، وما وجدت منها في السفن فصيِّره خلًّا. فكتب عبد الحميد إلى عامله بواسط ـ محمَّد المنتشر ـ بذلك، فأتى السفن، فصبَّ في كل راقود (دَنًّ كبيرٍ) ماءً وملحًا، فصيَّره خلًّا.
قال أبو عبيد: فلم يحل عمر بينهم وبين شربها؛ لأنَّهم على ذلك صولحوا. وحال بينهم وبين التجارة فيها (لأنَّها لم تكن ممَّا شرط لهم). وإنَّما نراه أمر بتصييرها، ولو كانت لمسلم ما جاز إلَّا هراقتها في الأرض(8).
وهذا التفسير من أبي عبيد لتصرف عمر بن عبد العزيز يخالف ما فهمه الخطابي: أنَّه كان يرخِّص في تخليلها ومعالجتها بإطلاق، أي للمسلم وغير المسلم.
وروى أبو عبيد، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: في رجل ورث خمرًا أيجعلها خلًّا؟ قال: كان يكرهه(9).
أي على سبيل التنـزه والتورع والبعد عن الشبهات، كما ذكره الخطابي عن سفيان وابن المبارك.
والذي يترجَّح عندي: أنَّ الخمر إذا صارت «خلًّا» طهرت وحلت، لأنَّها استحالت من عين إلى أخرى، تغيَّرت صفاتها، فيجب أن يتغيَّر حكمها، كما نقول في كل النجاسات المستحيلة، سواء استحالت بنفسها أم بفعل فاعل.
والخمر نفسها كانت عينًا حلالًا من العنب وغيره، فلمَّا استحالت إلى مادة مسكرة حرمت، فإذا تغيَّرت وزال وصف الإسكار، زالت الحرمة، وعادت إلى الحكم الأصلي.
على أنَّ من المستبعد أن يغيِّر القوم الخمر إلى خلٍّ عامدين، إذ الخمر عندهم أهم وأغلى ثمنًا من الخل، فلا يتصوَّر أن يحوِّلوها إلى خل ليخسروا فيها، وهم يركضون وراء الكسب المادي.
ومنطق الحنفيَّة ومن وافقهم قوي؛ لأنَّ التخليل ـ مثل التخلل ـ يزيل الوصف المفسد، وهو الإسكار، ويثبت وصف الصلاحية؛ لأنَّ فيه مصلحة التغذي والتداوي وغيرهما، ولأنَّ علة التنجيس والتحريم هي الإسكار، وقد زالت، والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا.
قال الإمام الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» مؤيدًا ما ذهب إليه الحنفيَّة: لأنَّا رأينا العصير الحلال إذا صار خمرًا بعلاج من غيره أنَّ ذلك سواء، وأنَّها حرام للعلَّة الَّتي حدثت فيها، ولم تفترق في ذلك ما كان من ذاتها، ولا ما كان فعل أحد من النَّاس بها. وكان مثل ذلك إذا كانت خمرًا، ثمَّ انقلبت خلًّا أن يستوي ذلك فيها، وأن يكون انقلابها بذاتها، وانقلابها بفعل أحد من النَّاس بها بمعنى واحد، ويكون حدوث صفة الخل فيها يوجب لها حكم الخل، فيعود إلى حلِّه، ويزول عن حكم الخمر الَّتي عليه في حرمته، ومثل ذلك أيضًا دباغ الميتة أنَّه يستوي علاجها وهي حرام حتَّى تعود حلالًا، كما تعود حلالًا لو تركت حتَّى تجفَّ في الشمس وتسفي عليها الرياح، فيكون ذلك سببًا لذهاب وَضَر الميتة عنها، وإعادةً لها حكم الأهب الَّتي من المذكَّى من أجناسها(10).
ولأنَّ التخليل إصلاح، فجاز قياسًا على دبغ الجلد النجس، فقد صحَّ في الحديث: «إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُر»(11).
يؤكد هذا قوله ! : «نِعْمَ الإدامُ الخلُّ»(12) مطلقًا، من غير تفريق بين خلٍّ وآخر، ولا طلب منَّا البحث عن أصله ماذا كان.
وقد روى أبو عبيد عن علي: أنَّه اصطبغ ـ أي ائتدم ـ بخل الخمر. وعن ابن عون: أنَّ ابن سيرين كان لا يسمِّيه ـ خل الخمر ـ ويسمِّيه ـ خل العنب ـ وكان يأكله(13).
وفي عصرنا عندما يشترى الخل، يعرض على المعامل العلمية ومختبرات التحليل، وهي تبحث في المادة الموجودة، وتصدر حكمها بناءً على العناصر المكونة لها، ولا تنظر إلى أصلها أي شيء كان.
وأمَّا حديث أنس، وسؤال أبي طلحة، وتشديد النبي عليه، فيظهر أنَّ ذلك كان من باب التغليظ عليهم في أول الأمر، حتَّى يفطمهم فطامًا تامًّا عن الخمر، وعن مجرد الاقتراب منها، ولو لإصلاحها. يدل على ذلك: رواية الترمذي في حديث أنس الَّذِي احتج به الشافعي وأحمد ومن وافقهما؛ فقد رواه عن أنس، عن أبي طلحة أنَّه قال: يا نبيَّ الله، إنِّي اشتريتُ خمرًا لأيتامٍ في حجري؟ قال: «أهرِقِ الخمر، واكسر الدِّنان»(14).
أمَّا إهراق الخمر، فهو المطلوب، حتَّى لا ينتفع بها، فلماذا تكسر الدنان؟ أي أواني الخمر، مع أنَّ تطهيرها بالغسل ميسور، والأصل أنَّها مال، وهو منهي عن إضاعته؟
والجواب: أنَّ هذا كان من باب الردع والتشديد عليهم في أول الأمر، حتَّى لا يتهاونوا فيها بحال.
أمَّا بعد استقرار الأمر، فالواجب أن تراق الخمر، ولا تكسر أوانيها، محافظةً على المال، وهو إحدى الضروريات الخمس؛ بل إذا أمكن الاستفادة من الخمر بتخليلها فهو أولى، حتَّى لا يضيع هذا المال على المسلمين.
وقد ذكر هذا الوجه في منع التخليل الإمام القرطبي في تفسيره، فقد قال: «وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام، عند نزول تحريمها، لئلا يستدام حبسها، لقرب العهد بشربها، إرادةً لقطع العادة في ذلك، وإذا كان كذلك، لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذٍ، والأمر بإراقتها، ما يمنع من أكلها إذا خُلِّلت»(15).
أقول: إنَّ الَّذِي ذكره القرطبي 5 احتمالًا في تفسير المنع من تخليل الخمر هو الَّذِي نرجِّحه؛ بل نجزم به إن شاء الله، وهو الَّذِي يتماشى مع المنهج الإسلامي في التدرج في التربية والتشريع.
وأمَّا نهي عمر عن أكل خل الخمر حتَّى يبدأ الله بفسادها، أن تتخلل من نفسها، فحمله بعضهم على الورع، والذي تبيَّن لنا: أنَّه نوع من التربية للأمة، والسياسة التعزيرية الَّتي كان يتبعها مع الرعية، مثل إراقة اللبن المغشوش، ومثل معاقبة «رُوَيْشِد» الثَّقَفي، الَّذِي وجد عمر ببيته خمرًا، فأمر ببيته فأحرقه(16)، وهذه مبالغة في الردع من عمر، حتَّى يتجنَّب النَّاس المنكرات؛ وليست لازمة دائمًا، وكثير من الفقهاء خالفوا عمر في ذلك.
ونحن مع السياسة العمرية في ردع أصحاب المنكر، وفي وقاية الأمة من التلبس بالخمر شربًا أو صنعًا أو اتِّجارًا، واقترابًا منها بحال، وقد لعن الحديث فيها عشرة: هم كل من ساهموا فيها.
ولكن قد تدخل الخمر في ملك المسلم جبرًا عنه، كما في تحوُّل العصير خمرًا، أو عن طريق الميراث، أو غير ذلك، فهنا لا ينبغي أن نضيع مال المسلم، إذا وجدنا سبيلًا لذلك.
وكذلك قد نمتلك خلًّا، ربَّما كان أصله خمرًا، فالورع اجتنابه، ولكن لا نقول بحرمته، كما هو الراجح عندنا، وكما دلَّت على ذلك الدلائل. ولله الحمد.
على أنَّ حديث أنس هذا، إنَّما ورد في قضية حال لا عموم لها، فإعمال العمومات أولى.
وما قالوه من تنجُّس الملح وغيره إذا لاقى الخمر النجسة: لا يسلَّم؛ لأنَّه العنصر المؤثر والمغيِّر، وقد تغيَّر وصف الكل، فتغيَّر حكمه.
على أنَّ هذا التعليل يسقط إذا تبنَّينا ما ذهب إليه بعض السلف من أنَّ نجاسة الخمر إنَّما هي نجاسة معنوية لا حسية، كنجاسة المشركين، وهو مذهب قوي، نقله القرطبي في تفسيره عن ربيعة شيخ مالك، والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين، فرأوا أنَّها طاهرة، وأنَّ المحرَّم إنَّما هو شربها، ولا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا، فكم من محرَّم في الشرع ليس بنجس(17). ولا يوجد دليل صحيح صريح على نجاسة الخمر. قال الإمام الشوكاني في «السيل الجرَّار»: ليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسك به. وعضد ذلك بالأدلَّة(18).
(1) رواه أحمد (12189)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده حسن. وأبو داود في الأشربة (3675)، وصحَّحه النووي في المجموع (2/576)، ورواه مسلم مختصرًا في الأشربة (1983).
(2) رواه أبو عبيد في الأموال صـ 137.
(3) انظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (1/94)، نشر دار الكتب العلمية.
(4) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (2/578 ـ 579).
(5) المجموع (2/578 ـ 579).
(6) معالم السنن (4/264).
(7) رواه القاسم بن سلام في الأموال صـ 136.
(8) المصدر السابق صـ 134.
(9) رواه القاسم بن سلام في الأموال صـ 136.
(10) شرح مشكل الآثار (3345).
(11) رواه مسلم في الحيض (366)، وأبو داود في اللباس (4123)، عن ابن عباس.
(12) رواه مسلم في الأشربة (2052)، وأحمد (14225)، عن جابر بن عبد الله.
(13) رواه القاسم بن سلام في الأموال صـ 138، 139.
(14) رواه الترمذي في البيوع (1293)، والطبراني (5/99)، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (5/394): رجاله ثقات. وحسَّنه الألباني في مشكاة المصابيح (3659).
(15) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (6/290).
(16) رواه القاسم بن سلام في الأموال صـ 137.
(17) تفسير القرطبي (6/288، 289).
(18) السيل الجرار (1/25 ـ 27)، نشر دار ابن حزم، ط 1.