2026-06-18
51
الغناء والآلات الموسيقية
أود معرفة رأي فضيلتكم فيما أقدِّم من غناء، فأنا أهدف إلى تقديم فنٍّ راقٍ، وغناءٍ هادف، بعيدٍ عن الإسفاف والابتذال، ولا يخلو من الترويح، ويتضمن كل جوانب الحياة من حالات عاطفية، وقضايا اجتماعيَّة، وجوانب إنسانيَّة ووجدانية، وابتهالات روحانية ودينية، وانتماءات وطنية، بحيث يكون نموذجًا في إشباع جميع متطلبات الحياة، فيسمو بالإنسان، ويعطيه دفعةً للحياة، بتقديم الفكر الواعي، والترويح المتزن؛ واضعًا في الاعتبار أربعة ضوابط:
1 ـ البعد عن الشركيات أو أيِّ خلل عقائدي.
2 ـ البعد عن الإسفاف والابتذال في الوصف وإثارة الشهوات.
3 ـ البعد عن الدعوة إلى أيِّ فاحشة أو منكر.
4 ـ البعد عن التميُّع في الأداء.
مستعينًا في ذلك بكل الآلات الموسيقية، والتطور التكنولوجي، الَّذِي توصل إليه عالم الفن والغناء في هذا العصر.
سائلًا من المولى العلي القدير أن يمدَّ في عمركم وأن ينفع بكم الأمة.
ابنكم الفنان
فهد الكبيسي
قطر - 2007م
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فأشكر ـ أولًا ـ لابننا العزيز الفنان: فهد الكبيسي: التزامه بالمنهج الإسلامي في حياته، كما أحيِّي فيه هذا الفهم الجيد لهذه القضية الشائكة، الَّتي تمسُّ: الترويح واللهو، والفنون بأنواعها المختلفة، وما ذكر فيها من ضوابط؛ ينطلق من خلالها في عمله الَّذِي اختطَّه لنفسه. أسأل الله تعالى أن يثبِّته على نهجه، ويزيده هدى.
وأحبُّ أن أؤكد للأخ الكريم بأنَّ الإسلام دين واقعي، لا يصادر فطرة البشر، ولا يحجِّر عليهم واسعًا، فهو يتعامل مع الإنسان كله: جسمه وروحه، وعقله ووجدانه، ويطالبه أن يغذيها جميعًا، بما يشبع حاجتها، في حدود الاعتدال، الَّذِي هو صفة «عباد الرحمٰن»: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا﴾[الفرقان: 67]. وليس هذا خُلُقهم في أمر المال فقط؛ بل هو خُلُقٌ أساسيٌّ عامٌّ في كل الأمور، هو المنهج الوسط للأمة الوسط.
وإذا كانت الرياضة تغذي الجسم، والعبادة تغذي الروح، والعلم يغذي العقل، فإنَّ الفن يغذي الوجدان.
ونريد بالفن: النوع الراقي الَّذِي يسمو بالإنسان، لا الَّذِي يهبط به.
وإذا كانت روح الفن هي الإحساس بالجمال وتذوقه، فهذا ما عُني القرآن بالتنبيه عليه وتأكيده في أكثر من موضع.
فهو يلفت النظر بقوة إلى عنصر «الحُسن» أو «الجمال» الَّذِي أودعه الله في كل ما خلق، إلى جوار عنصر «النفع» أو «الفائدة» فيه.
كما أنَّه شرع للإنسان الاستمتاع بالجمال أو «الزينة» مع المنفعة أيضًا.
هذا؛ وقد عرف النَّاس رأيي في هذه القضية منذ زمن بعيد، والذي ضمَّنته كتابي الأول: «الحلال والحرام في الإسلام» وكذلك ما كتبته في كتابي «فتاوى معاصرة» وما كتبته في فصل «اللهو والفنون» من كتابي «ملامح المجتمع المسلم الَّذِي ننشده» وكذلك في رسالة «الإسلام والفن» من رسائل ترشيد الصحوة الإسلاميَّة. ثمَّ وضعت فيها كتابًا مستقلًّا هو «فقه الغناء والموسيقى» في ضوء القرآن والسُّنَّة.
ومن خلال كتاباتي المتعدِّدة، فأنا أعتبر هذه القضية من أهم الموضوعات وأخطرها فيما يتعلق بالمجتمع المسلم.
ذلك أنَّ أكثر النَّاس وقعوا في هذا الأمر؛ بين طرفي الغلو والتفريط، نظرًا لأنَّه أمر يتصل بالشعور والوجدان، أكثر ممَّا يتصل بالعقل والفكر، وما كان شأنه كذلك فهو أكثر قبولًا للتطرف والإسراف من ناحية، في مقابلة التشدد والتزمُّت من ناحية أخرى.
فهناك من يتصوَّرون المجتمع الإسلامي مجتمع عبادة ونسك، ومجتمع جد وعمل، فلا مجال فيه لمن يلهو ويلعب، أو يضحك ويمرح، أو يغنِّي ويطرب. لا يجوز لشَفَةٍ فيه أن تبتسم، ولا لسنٍّ أن تضحك، ولا لقلب أن يفرح، ولا لبهجة أن ترتسم على وجوه الناس!
وربما ساعدهم على ذلك سلوك بعض المتدينين، الَّذين أساؤوا فهم الدين، فلا ترى أحدهم إلَّا عابس الوجه، مُقَطَّب الجبين، كاشِرَ النَّاب.
وقد يجوز لهؤلاء أن يشددوا على أنفسهم إذا اقتنعوا بذلك، ولكنَّ الخطر هنا: أن يعمِّموا هذا التشديد على المجتمع كله، ويلزموه برأي رأوه، في أمر عمَّت به البلوى، ويمسُّ حياة النَّاس كافة.
وعلى العكس من هؤلاء: الَّذين أطلقوا العنان لشهوات أنفسهم، فجعلوا الحياة كلها لهوًا ولعبًا، وأذابوا الحواجز بين المشروع والممنوع، بين المفروض والمرفوض، بين الحلال والحرام.
فتراهم يدعون إلى الانحلال، ويروِّجون الإباحية، ويشيعون الفواحش ما ظهر منها وما بطن باسم الفن أو الترويح، ونسوا أنَّ العبرة بالمسميات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين. والأمور بمقاصدها.
وفي كتابي الأخير في هذا الموضوع «فقه الغناء والموسيقى في ضوء الكتاب والسُّنَّة» ذكرت عدَّة قيود وضوابط لا بدَّ من مراعاتها، ربَّما ذكرت أنت بعضًا منها، وها أنا أذكرها بنوع من الإيجاز:
1 ـ سلامة مضمون الغناء من المخالفة الشرعيَّة:
فلا بدَّ أن يكون موضوعه متفقًا مع الإسلام وتعاليمه، غير مخالف لعقيدته ولا تشريعاته ولا أخلاقياته.
فلا يجوز التغنِّي بقول أبي نواس(1):
دَعْ عنك لومِي، فإنَّ اللومَ إغراءُ
ودَاوِني بالتي كانتْ هي الدَّاءُ!
ولا بقول شوقي:
رمضانُ ولَّى هَاتِها يا ساقي
مشتاقَةً تسعى إلى مُشتاقِ(2)
وأخطر منها: قول إيليا أبو ماضي في قصيدته «الطلاسم»:
جـئتُ لا أعـلـم مـن أين، ولـكـنِّي أتيتُ!
ولـقد أبصـرتُ قُدَّامـي طـريقًا فـمَشَيتُ!
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ أو أبيتُ!
كيف جئتُ؟ كيف أبصَرتُ طريقي؟
لستُ أدري؟
ولـمـاذا لـستُ أدري؟ لـستُ أدري(3)!
لأنَّها تشكيك في أصول الإيمان: المبدأ، والمعاد، والنبوة.
ومثلها: ما عُبِّر عنه بالعاميَّة في أغنية «من غير ليه»! وليست أكثر من ترجمة شك أبي ماضي إلى العامية، ليصبح تأثيرها أوسع دائرة.
والأغاني الَّتي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة، من الحكام الَّذين ابتليت بهم أمتنا، مخالفة لتعاليم الإسلام، الَّذِي يلعن الظالمين، وكل من يعينهم، بل من يسكت عليهم، فكيف بمن يمجِّدهم؟!
والأغاني الَّتي تمجِّد صاحب العيون الجريئة أو صاحبة العيون الجريئة أغنية تخالف أدب الإسلام الَّذِي ينادي كتابه:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ﴾[النور: 30]، ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ﴾[النور: 31].
2 ـ سلامة طريقة الأداء من التكسر والإغراء:
ثم إنَّ طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به ولا غبار عليه، ولكنَّ طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول، وتعمد الإثارة، والقصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة، وإغراء القلوب المريضة: ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلى دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة، من مثل ما يذاع على النَّاس ويطلبه المشاهدون والمشاهدات، أو المستمعون والمستمعات في إذاعاتنا وتلفازاتنا العربية، من الأغاني الَّتي تلح على جانب واحد، هو جانب الغريزة الجنسيَّة وما يتصل بها من الحبِّ والغرام.
3 ـ عدم اقتران الغناء بأمر محرم:
ومن ناحية ثالثة يجب ألَّا يقترن الغناء بشيء محرم، كشرب الخمر أو الخلاعة أو التبرج، أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء، بلا قيود ولا حدود، وهذا هو المألوف في مجالس الغناء والطرب من قديم. ومن المؤسف أنَّ معظم الأغاني اليوم أصبحت ممزوجة بالرقص الَّذِي لا يتقيَّد بدين ولا خُلق.
وأمَّا استخدام ما يعرف بالآلات الموسيقية سواء الجديد منها أو القديم، أو ما يستخدم من خلال أجهزة الكومبيوتر، أو ما يعرف بتداخل الأصوات، فقد أوضحت رأيي في الآلات الموسيقية، وشاع الأمر عنِّي، وتناقل به الركبان في كل مكان، وهو: أنَّ الأصل فيها: الإباحة لا التحريم، ما لم تقترن بمحرم، أو بإثارة للغرائز، ونحو ذلك، وهذا الرأي عندي؛ إنَّما تبنَّيته عن قناعة، لأنَّني وجدت أنَّ القضية ليس فيها عندي حديث صحيح صريح. وإنَّما كل ما جاء فيها: إمَّا صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح.
وإنَّا لنحييِّ أخانا الكريم فهد الكبيسي على التزامه وتحرّيه ما يرضي الله تعالى، ونسأل الله تعالى له الثبات على الحق، والعزيمة على الرشد، والابتعاد عن فتن البيئة الفنية وما يحيط بها. آمين.
(1) انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (12/178)، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، نشر دار إحياء التراث، بيروت، 1420هـ ـ 2000م، وهي في ديوانه برواية الصولي صـ 53، تحقيق بهجت عبد الغفور الحديثي، نشر هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث.
(2) انظر: أحمد شوقي الأعمال الشعرية الكاملة (2/77).
(3) انظر: ديوان إيليا أبو ماضي صـ 191 ـ 199، نشر دار العودة، بيروت.