2026-06-18
111
فتاوى في مجال الفن والإعلام
أسئلة في مجال الفن والإعلام، توجَّه بها الدكتور طارق السويدان - مدير قناة «الرسالة» الفضائيَّة - إلى الشيخ في رسالة مطولة.
أخي الحبيب الداعية الإسلامي الإعلامي الموفق: الدكتور طارق محمَّد سويدان حفظه الله وسدَّد خطاه، المدير العام لقناة «الرسالة» الفضائيَّة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد)
فقد وصلتني رسالتكم المطوَّلة عن قناتكم الفضائية الجديدة (الرسالة) ذات التوجهات الإسلاميَّة، وأسأل الله تعالى أن يجعلها لسان صدق للدعوة إلى الإسلام، وتعليمه بلسان العصر، ولسان القوم لنبيِّن لهم، ولغير المسلمين؛ وأن يهبكم نورًا تمشون به في الظلمات، وفرقانًا تميِّزون به بين المتشابهات.
ولقد كنت لقيت الأمير الوليد بن طلال في بيت أبيه في الرياض منذ نحو سنتين، وقلت له: إنَّ النَّاس يَشْكُون من قناة تُنْسَب إليك، وأنَّ بها أشياءً كثيرة لا تقبل بمنطق الدين، ولا بمنطق الأخلاق، ولا الأعراف، وقد حاول أن يعتذر، وقلت له: كان المفروض من مثلك أن يُجنِّد أمواله ـ وقد وسَّع الله عليه ـ لإنشاء قناة أو قنوات تدعو إلى الحق والخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.
فلعلَّ استجابته لإنشاء هذه القناة تحقيق لما أملناه منه في ذلك اللقاء.
ولا مانع أن نأخذ منه الخير، عسى أن يُكفِّر عن ذلك الشر، ولا أقبل منطق بعضهم الَّذِي يرى أن نرفض الخير والفضيلة، إذا كان في بعض أعماله ما يعاب وينكر، فإنَّ الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة:﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ﴾[الزلزلة: 7].
ونحن نرى أنَّ في كلِّ إنسان خيرًا بحسَب فطرته، فكيف إذا كان مسلمًا؟ فعلينا أن نستفيد من هذا الخير وننمِّيه، ونوجِّهه إلى ما فيه نفع الأمة، وعسى أن يكون ممَّن جاء فيهم:﴿وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[التوبة: 102].
وأنا آمل خيرًا في هذه القناة، ولا سيَّما أنَّ مثلك كُلِّف بقيادتها وتأسيسها، وإدارة العمل فيها بأصالة وإبداع. وأحسب ـ ولا أزكِّي على الله أحدًا ـ أنَّهم أعطوا القوس باريها. وأنَّها ستؤسَّس ـ إن شاء الله ـ على تقوى من الله ورضوان، وخصوصًا مع الاستعانة بالكفايات المُتْقِنَة والمؤمنة، من كل قوي أمين، وحفيظ عليم، وإن كان اجتماع القوة والأمانة ـ أو الحفظ والعلم ـ في النَّاس قليلًا، ولكنَّه موجود، ولن تعدم هذه الأمة الفضل والخير أبدًا.
ولقد سرَّني غاية السرور: أن تتبنَّى الوسطية والاعتدال، وتتَّخذها منهجًا لقناة «الرسالة»، والحمد لله الَّذِي أحيانا حتَّى رأينا المنهج الَّذِي دعونا إليه، وقاتلنا من أجله جملة عقود، تحتضنه وتدافع عنه مؤسسات شتَّى في عالمنا الإسلامي اليوم، بعد أن ظللنا نهاجم من أجله سنين عددًا.
أخي، أمَّا أسئلتك الَّتي وجهتها إليَّ لاستبانة الرؤية الشرعيَّة فيها، فأجيبك عنها موضوعًا موضوعًا، بما يفتح الله تعالى به، برغم ما لديَّ من مشاغل وأعباء، لا يعين عليها إلَّا الله، ولكنِّي رأيت من الواجب عليَّ ألَّا أتأخر عن إجابتك.
السؤال الأول: استخدام الموسيقى في البرامج التلفزيونية
وهو يتضمن جملة أسئلة فرعية:
1 ـ ما هو رأيكم في استخدام الموسيقى بما يسمَّى: إيقاعات الشاشة المصاحبة للبرامج والفواصل الإعلانية، وما في حكمها ممَّا يعرف بهوية القناة وأسلوبها؟
2 ـ وما هو رأيكم في استخدام الموسيقى المصاحبة لأغنية تعتزم القناة إصدارها عن الرسالة، للتعريف بها، وبهويتها، وبقيمها، ورؤيتها بهدف توصيل معاني وقيم أصيلة؟
3 ـ ما هو رأيكم في استخدام الموسيقى في البرامج والأفلام الدرامية والوثائقية، وما في حكمهم؟
4 ـ ما رأيكم في استخدام الموسيقى في النشيد، أو الأغنية الإسلاميَّة، أو الفيديو كليب الإسلامي، والأغنية الوطنية الَّتي تحث على الحماسة الإسلاميَّة والوطنية، وتساعد على الترويح عن النفس؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا موضوع له حساسيته خاصةً لدى المتدينين، وقد شاع فيه التشدد من قديم، مع العلم بأنَّه لا يوجد في كتاب الله أيُّ نصٍّ من سوره المكية أو المدنية، يشير إلى التحريم من قريب أو بعيد.
وما جاء في السُّنَّة، فلا يخلو من كلام في ثبوته أو في دلالته، ولا يعقل أن يترك الشارع الحكيم أمرًا مثل هذا يمسُّ حياة النَّاس الوجدانية والترويحية، وتشترك فيه جميع الأمم شرقًا وغربًا، دون أن يبيِّن الحكم فيه «بيانًا شافيًا» كما كان الصحابة يرجون أن ينزل الله في الخمر بيانًا شافيًا؛ حتَّى نزلت آية سورة المائدة الحاسمة.
ولكن ما استخدم من الموسيقى لإثارة الغرائز والشهوات الدنيا، كما نرى في بعض ألوان الموسيقى الغربية الصاخبة، الَّتي تجعل هواتها أشبه بالمجانين! فهذه لا يقول فقيه بإباحتها.
أمَّا استخدام الموسيقى فيما ذكر في السؤال في بنوده: 1، 2، 3، 4 فلا أرى بأسًا في استخدامها؛ لأنَّها من لوازم التأثير المطلوب والمحمود في المشاهد، ومن ضرورات تميز القناة عن غيرها بإيقاعها وتأثيراتها، ومن ضرورات إتقان العمل الفني والإعلامي، ونحن مأمورون أن نُحسن أعمالنا الَّتي نكلَّف بالقيام بها، كما في الحديث الصحيح: «إنَّ اللهَ كتب الإحسانَ على كلِّ شيء»(1).
السؤال الثاني: حكم إنشاء وقف ينفق من ريعه على العمل الإعلامي
هل يجوز إنشاء وقف ينفق من ريعه على العمل الإعلامي بشكل عام، وإنتاج الأعمال الدرامية والوثائقية الَّتي تحتاج إليها الأمة، مثل: الأفلام التاريخية الَّتي تمجِّد تاريخ العرب والمسلمين، وتدافع عن حضارتهم، وتُحسِّن صورتهم أمام العالم، كذلك إنتاج البرامج الحوارية والتنموية والترفيهية الهادفة، الَّتي تساعد في بناء هوية الأمة؟
الجواب:
يجوز إنشاء وقف يحبس أصله، وتسبَّل ثمرته، أي ينفق من ريعه وعائده على العمل الإعلامي الإسلامي بشكل عام، وعلى إنتاج الأعمال الفنية والإعلامية الكبيرة، مثل الأعمال الدرامية والوثائقية الَّتي تحتاج إليها الأمة، مثل الأفلام التاريخية الَّتي تُظْهِر تاريخ العرب والمسلمين على حقيقته، وتُبْرِز ما فيه من فضائل ومآثر، وتدافع عن فتوحات المسلمين وعن حضارتهم الرائدة، الَّتي جمعت بين العلم والإيمان.
وكذلك إنتاج البرامج الحوارية والتنموية والترفيهية الهادفة، الَّتي تسهم في بناء هُويّة الأمة.
ولقد كانت مؤسسة «الوقف الخيري» في تاريخ المسلمين لها أهمية كبيرة، في سدِّ الثغرات، وتحقيق مطالب المجتمع من المدارس والمستشفيات والسبل (مياه الشرب) والتكايا وغيرها. ويَحْسُن بالمسلمين أن يُحيوا هذه السنن. ولا ريب أنَّ المجال الإعلامي هو من أعظم المجالات أهمية وتأثيرًا في حياة النَّاس، وهو جدير أن يوقف عليه كما كان أخيار المسلمين يوقفون على المدارس من قبل.
السؤال الثالث: استخدام أموال التطهير لدعم العمل الإعلامي الإسلامي
هل يجوز استخدام أموال التطهير والاستفادة منها؛ في دعم العمل الإعلامي الإسلامي، وإنتاج الأفلام والبرامج الَّتي تحتاج إليها الأمة؟
الجواب:
كل مال من كسب خبيث، كأموال «الفوائد الربويَّة» وما شابهها، أو الأموال الَّتي تأتي من المشاركة في الشركات المساهمة الَّتي تعمل في نشاط مباح، ولكن تدخل عليها الفوائد الربويَّة، عند الاقتراض لمشروع تقوم به الشركة من بنك ربوي، أو عند إيداع فائض سيولتها في بنك ربوي، فعندما يريد المساهم في نهاية السَّنَة أن يطهِّر الأرباح الَّتي كسبها، وفق ما تشير إليه الميزانية، وعرف المبلغ الَّذِي يجب تطهيره، يمكنه أن يصرفه في جهات الخير.
ولذا نقول: إنَّ كلَّ هذه الأموال يجوز الاستفادة منها في دعم العمل الإعلامي الإسلامي؛ إذا كان في حاجة إليها؛ لأنَّ مصرف المال الخبيث هو: الفقراء وجهات الخير الَّتي تنفع المسلمين ماديَّا ومعنويًّا. ومنها: الإعلام الإسلامي الهادف الَّذِي يقوم عليه أناس ثقات مأمونون؛ بل ربَّما كان له الأولوية في بعض الأحيان.
السؤال الرابع: ثواب دعم العمل الإعلامي الإسلامي
ما هو ثواب من يدعم مثل هذه القنوات بأيِّ دعم فكري، أو فني، أو مادي، أو إداري، أو نحو ذلك من العاملين في المجال الإعلامي: شركات، أو أفراد؟
وما هو أجر من ينوي العمل في قناة الرسالة الفضائية من «موظفي وفريق القناة» دعمًا لرسالة الإسلام، ونشر الخير بين الناس؟
الجواب:
أمَّا ثواب من يدعم مثل هذه القنوات الإعلامية الإسلاميَّة الهادفة، بأيِّ دعم فكري أو فني، أو إداري، أو مادي، من العاملين في مجال الإعلام من أفراد أو شركات فأقول:
إنَّ من روائع هذا الدين: أنَّ الله تبارك وتعالى لا يضيع فيه عمل عامل، من ذكر أو أنثى، وأنَّه تعالى يثيب عباده على كلِّ عملٍ صالح، وإن صَغُر حجمه، في نظر صاحبه، كما قال تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا﴾[النساء: 40].
فما كان من الأعمال في صغره مثل مثقال الذرة، فلن يظلمه الله أجره، ولن يبخسه حقَّه، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا﴾[طه: 112]، أي لا يهضم بإضاعة أجره وبخسه حقه، ولا يظلم بتحميله وزر غيره.
ثم إنَّ من فضل الله تعالى: أنَّه يجزي السيئة بمثلها، أمَّا الحسنة فيضاعفها لصاحبها، بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. كما قال تعالى:﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّاْئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 261].
وثواب العمل الواحد يتفاوت من شخص إلى آخر، بحسب إخلاصه وتجرُّده، وبحسب قوَّة الباعث على العمل، وبحسب قوة الشخص وضعفه، حتَّى قال النبيُّ ﷺ : «سبقَ درهمٌ مائةَ ألف درهم!» قالوا: كيف ذلك؟! قال: «رجل له درهمان، أخذ أحدهما فتصدَّق به، ورجلٌ له مال كثير، فأخذ من عُرْضه مائة ألف، فتصدَّق بها»(2).
فالأول تصدَّق بنصف ثروته، وهو قَطْعًا يحتاج إلى الدرهم الَّذِي تصدق به، ولكنَّه آثر على نفسه، بخلاف صاحب المال الكثير، فلن يثقل عليه التصدق بالمائة ألف.
والمدار على الإخلاص وقوة الرغبة فيما عند الله، وابتغاء مرضاته، وماذا يريد من وراء عمله ودعمه؟ فإذا كان يريد إعلاء كلمة الله على كلمة الطاغوت، والمحافظة على هوية الأمة وعقائدها وقيمها، وعاداتها وأخلاقها؛ حتَّى لا تضعف ولا تهدم على أصحابها، فله من الأجر على قدر نيته.
وأمَّا أجر من يعمل في قناة إسلاميَّة مثل الرسالة، بنيَّة نصرة الإسلام في مجال الإعلام، ونشر رسالة الحق والخير والهداية في النَّاس، ومقاومة وسائل الباطل والشرِّ والضلالة، الَّتي يُرَوِّج لها الكثيرون؛ من أفراد وشركات وحكومات، فأقول هنا:
قال رسول الله ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»(3). وإنَّ من روائع هذا الدين أنَّ نيَّة المرء فيه تُحَوِّل المباحات إلى قربات وطاعات. فمن أراد بأكله وشربه التقوِّي على طاعة الله وأداء واجباته، فأكله وشربه عبادة وقُربة، والعمل في قنوات الإعلام الإسلاميَّة الفضائية مثل «الرسالة» أو «اقرأ» أو «المجد» وغيرها، ليس مجرَّد أمر مباح؛ بل هو فرض كفاية على الإعلاميِّين والقادرين على العطاء من المسلمين، حتَّى يكون لدى المسلمين إعلام مكافئ لإعلام خصومهم. وعلى قدر إخلاص النية، يكون الأجر عند الله.
(1) سبق تخريجه صـ 511.
(2) رواه أحمد (8929)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي. والنسائي (2527)، وابن حبان (3347)، والحاكم (1/576)، وصحَّحه، ثلاثتهم في الزكاة، عن أبي هريرة.
(3) سبق تخريجه صـ 464.