2026-06-18
69
التصدق على غير المسلمين والدعاء لهم بالجنَّة
أدعو دائمًا للهنود والسريلانكيين من غير المسلمين، بأن يدخلهم الله الجنة، وأتصدَّق على بعضهم بالكثير من الثياب والمال لكونهم فقراء، فهل يجوز الدعاء لغير المسلمين بالجنة والتصدُّق عليهم؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جزى الله الأخت خيرًا على رقَّة قلبها، وحنوها على الضعفاء والفقراء، والإسلام يأمر بالرحمة بالخلق كلهم، بل إنَّ رسالته هي رحمة العالمين، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ﴾[الأنبياء: 107]. والنبيُّ ﷺ قال: «الراحمون يرحمُهم الرحمٰن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء»(1). وقال: «من لا يرحم النَّاسَ، لا يرحمه اللهُ»(2).
والإسلام لا ينهانا عن الإحسان إلى غير المسلم المسالم، إذا كانوا لا يحاربوننا، ولا يؤذوننا في الدين، يقول الله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8]. فلا مانع أن نبرَّهم، خصوصًا إذا كانوا ممَّن يعيشون بيننا.
فهم إمَّا جيران لهم حق الجيرة، ورسول الله ﷺ يقول: «ما زال جبريلُ يُوصِيني بالجار، حتَّى ظننتُ أنَّه سيُوَرِّثه»(3).
وإمَّا خَدَم، أُمِرْنا بالإحسان إليهم، وإطعامهم ممَّا نطعم، وكسوتهم ممَّا نلبس، قال رسول الله ﷺ : «إخوانُكم خَوَلُكم، جعلهم اللهُ تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحتَ يدِه، فليُطْعِمْه ممَّا يأكل، وليُلْبِسْه ممَّا يلبس، ولا تُكَلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلَّفْتُموهم فأعينوهم»(4). أي: إنَّ هؤلاء الَّذين يخدمونكم إخوانكم في الدين إن كانوا مسلمين، أو في الإنسانيَّة إن كانوا غير مسلمين. وقال: «إذا صنع لأحدكم خادمُه طعامه، ثمَّ جاءه به، وقد وَلِيَ حرَّه ودُخَانه، فليُقْعِدْه معه فليأكلْ، فإن كان الطعامُ مشفوهًا قليلًا، فليضعْ في يده منه أُكلة أو أُكلتين»(5).
أو هو مستأمِنٌ له حقُّ الأمان. وإن كان في القلب شيء من الإكثار من الخدم غير المسلمين، خاصَّة المربيات، لما لذلك من أثره السيئ، والمسلمون أولى بأن نجلبهم للعمل من غيرهم.
ومع ذلك فغير المسلم ندعو الله له بالهداية، بدل أن تدعو الأخت لهم بالجنة تدعو لهم بالهداية، قولي: اللهمَّ اهدهم للإيمان وإلى الدين الحق. فإن اهتدوا كانوا من أهل الجنة. وإذا كان منهم فقراء، فيمكن أن نساعدهم ونتصدَّق عليهم، ولم يمنع الإسلام الإحسان إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًۭا وَيَتِيمًۭا وَأَسِيرًا﴾[الإنسان: 8]. وكان الأسير حينئذٍ من المشركين. لكن بالنظر إلى الأولويات فالأولى بنا أن نساعد فقراء المسلمين، ولاجئيهم ومشرَّديهم، وما أكثرهم! في الشيشان، أو في الصومال، أو بنجلاديش، أو غيرها.
(1) سبق تخريجه صـ 511.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في التوحيد (7376)، ومسلم في الفضائل (2319)، عن جرير بن عبد الله.
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6015)، ومسلم في البر والصلة (2625)، عن ابن عمر.
(4) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الإيمان (30)، ومسلم في الأيمان (1661)، عن أبي ذر.
(5) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأطعمة (5460)، ومسلم في الأيمان (1663)، عن أبي هريرة.