2026-06-18
57
اليهود ودم المسيح
أصدر مجمع الكرادلة الكاثوليك في مقر البابوية في الفاتيكان: قرارًا يتضمَّن تبرئة اليهود من دم المسيح وصلبه، وقامت ضجَّة في العالم العربي والإسلامي حول هذا القرار؛ لما له من مغزى سياسي، فهل يعد هذا القرار مخالفًا لوجهة النظر الإسلاميَّة، الَّتي لا تعترف بصلب المسيح وتقول: إنَّ الله رفعه إليه؟ وهل يؤخذ اليهود المعاصرون بذنب أسلافهم؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
يعتقد المسلمون أنَّ المسيح 0 : لم يُقتل ولم يُصلب، كما هو صريح القرآن الكريم، ولكن هذا لا ينفي مسؤولية اليهود التاريخية في محاولة القتل والترتيب له والمعاونة عليه، فهم إن لم يقتلوا المسيح بالفعل، فقد قتلوه بالنية والاعتقاد والاعتراف، وهذا ما سجَّله القرآن الكريم عليهم؛ ضمن سلسلة جرائمهم المتواترة مع الأنبياء من عهد موسى إلى عهد محمَّد ﷺ ؛ فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّـهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّـهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ❁ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ❁ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّـهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 155 ـ 157]. ومعنى ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾: أنَّهم رأوا شبهه، فظنُّوه إيَّاه فقتلوه. فجريمة القتل الَّتي يتحمَّل اليهود القسط الأكبر منها، إن لم تقع على المسيح نفسه فقد وقعت على من اعتقدوا هم أنَّه المسيح، والأعمال بالنيَّات، وحسبنا أنَّهم اعترفوا بذلك وتبجَّحوا به كما ذكر القرآن الكريم.
وإذا كان اليهود لم يقتلوا المسيح فعلًا، فقد قتلوا من قبله نبيَّ الله زكريا، وابنه السيِّدَ الحصورَ يحيى، وغيرَهم من النبيِّين والصِّدِّيقين، وقال القرآن مخاطبًا لهم:﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾[البقرة: 87].
وقال تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾[آل عمران: 21، 22].
وقال سبحانه في شأن بني إسرائيل:﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾[البقرة: 61].
واليهود المعاصرون يتحمَّلون نصيبًا من المسؤولية مع أسلافهم، في جرائم العصيان والاعتداء، وقتل الأنبياء بغير حق، وذلك لأنَّهم راضون عن هذه الجرائم، وحامدون لأسلافهم عليها، فهم شركاؤهم فيها؛ إلَّا إذا أعلنوا البراءة منها، وسخطهم عليها، وذمهم لمن اقترفها. وهيهات!
ومن أجل ذلك دمغ القرآن اليهود المعاصرين للنبي ﷺ بجرائم آبائهم فقال تعالى:﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ﴾[البقرة: 51]، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ٥٥ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٦ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[البقرة: 55 ـ 57].
ومن المعلوم أنَّ اليهود المعاصرين للنبي لم يتخذوا العجل، ولم يقولوا لموسى ما قالوا، ولكنَّ رضاهم عن أسلافهم وتمجَّدهم بهم: جعلهم شركاء لهم. ومثل ذلك قوله تعالى:﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[البقرة: 91].
إنَّ اليهود المعاصرين مدموغون بجرائم أسلافهم، وما أشبهها؛ ولكنَّهم أضافوا إليها على مرِّ العصور جرائم وجرائم، تنفطر من قسوتها القلوب، يكفينا أن نذكر منها ما اقترفوه في الأرض المقدسة من أعمال وحشية مع الشيوخ والنساء والصبيان!