2026-06-18
79
الاشتراك في بناء دار عبادة لغير المسلمين
ما حكم المشاركة في مناقصة بناء إحدى دور العبادة غير الإسلاميَّة (كنيسة) مثل عمل شبابيك، وفي حالة المشاركة؛ فما حكم الربح الَّذِي عاد على الشركة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا المشاركة في مناقصة لبناء إحدى دور العبادة لغير المسلمين، مثل: معبد للهندوس، أو كنيسة للنصارى، فقد اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: التحريم
ذهب جمهور الفقهاء من المالكيَّة، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة إلى القول بالتحريم، على النحو التالي:
رأي صاحبَيْ أبي حنيفة:
يرى صاحبا أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: تحريم البناء، أو الوصية، أو الإجارة، أو العمارة، أو حتَّى الإنفاق عليها، ويرون أنَّ الإجارة باطلة، فقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك؛ لأنَّه إعانة على المعصية، وقد قال الله تعالى:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾[المائدة: 2](1).
رأي المالكيَّة:
وكذا رأي المالكيَّة، فعندما سُئل مالك رحمه الله تعالي، عن الرجل يؤاجر نفسه في عمل كنيسة، هل يجوز له ذلك؟ قال: «لا يؤاجر الرجلُ نفسَه في شيءٍ ممَّا حرَّم الله، ولا يَكْري دارَه ولا يبيعها ممَّن يتَّخذها كنيسة، ولا يكري دابته ممَّن يركبها إلى الكنيسة»(2).
وفي «مِنَح الجليل»: «ولا تجوز إجارة مسلم لكنس كنيسة، أو رعي خنزير، أو لعمل خمر»(3). واختلف هل يأخذ الأجرة أو يتصدَّق بها؟ فنقل صاحب «مواهب الجليل» قول ابن القاسم: «التصدُّق بها أحبُّ إلينا»(4).
رأي الشافعية:
يقول الشافعي رحمه الله تعالي: «وأكره للمسلم أن يعمل بناءً أو نجارة أو غيره، في كنائسهم الَّتي لصلواتهم»(5).
وفي «حاشية قليوبي»: «لا يجوز بذل مال فيه لغير ضرورة، ومثله أيضًا استئجار كافر مسلمًا لبناء نحو كنيسة، وإن أُقِرُّوا عليها لحرمته، وما نُقِل عن الزرْكشي من جوازه: محمول على كنيسة للمارة، ومثله استئجار أجنبي أجنبية لخدمته، ولو أَمَة؛ لأنَّه لا يخلو عن النظر غالبًا»(6).
رأي الحنابلة:
وفي اقتضاء الصراط المستقيم ينقل ابن تيمية رأي الحنابلة فيقول: «وأمَّا مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس(7) ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز، رواية واحدة؛ لأنَّ المنفعة المعقود عليها محرَّمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة أو صومعة كالإجارة لكَتْب كتبهم المحرفة»(8).
القول الثاني: الجـواز
وقد ذهب الإمام أبو حنيفة 5 إلى جواز اشتراك المسلم في بناء الكنائس، ففي حاشية ابن عابدين: «ولو آجر نفسه ليعمل في الكنيسة ويعمرها، لا بأس به؛ لأنَّه لا معصية في عين العمل»(9).
يقول صاحب البحر الرائق: «ولو استأجر الذميُّ المسلم ليبني له بيعة، أو كنيسة جاز، ويطيب له الأجر، ولو استأجرته امرأة ليكتب لها قرآنًا أو غيره جاز، ويطيب له الأجر، إذا بيَّن الشرط، وهو إعداد الخط وقدره، ولو استأجر مسلمًا ليحمل له خمرًا، ولم يقُل: لأشربه، جازت الإجارة على قول الإمام، خلافًا لهما، وفي المحيط: السارق أو الغاصب لو استأجر رجلًا يحمل المغصوب أو المسروق لم يجُز؛ لأنَّ نقل مال الغير معصية»(10).
الرأي المختار:
والذي أراه: أنَّ إقامة الكنيسة لغير المسلمين من أهل الذمَّة، أو بعبارة أخرى: للمواطنين من المسيحيين وغيرهم، ممَّن يعتبرهم الفقهاء من «أهل دار الإسلام»: لا حرج فيه؛ إذا كانت لهم حاجة حقيقية إليها، بأن تكاثر عددهم، وافتقروا إلى مكان للتعبُّد، وأذن لهم ولي الأمر الشرعي بذلك. وهو من لوازم إقرارهم على دينهم.
ومثل ذلك غير المسلمين من غير المواطنين، الَّذين دخلوا دار الإسلام بأمان، أي بتأشيرات دخول وإقامة، للعمل في بلاد المسلمين، وتكاثرت أعدادهم، واستمرَّ وجودهم، بحيث أصبحوا في حاجة إلى كنائس يعبدون ربهم فيها، فأجاز لهم ولي الأمر ذلك في حدود الحاجة، معاملةً بالمثل، أي كما يسمحون هم للمسلمين في ديارهم بإنشاء المساجد لإقامة الصلوات.
وأعتقد أنَّ السماح للنصارى بإقامة كنيسة في قطر يدخل في هذا الباب، وهو من حقِّ ولي الأمر، بناءً على فقه السياسة الشرعيَّة الَّتي تقوم على رعاية مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، وتوازن بين المصالح بعضها وبعض، والمفاسد بعضها وبعض، والمصالح والمفاسد إذا تعارضتا.
ويجب على وليِّ الأمر الرجوع إلى فتوى العلماء الراسخين، حتَّى لا يقع فيما لا يحبُّه الله ولا يرضاه.
وإذا أجزنا لهم إقامة هذه الكنائس في دار الإسلام، فما سُمِح لهم به، وأجازه علماء الشرع، يجوز المشاركة في بنائه وإقامته، وإن كان كثير من العلماء يكرهون ذلك للمسلم؛ لأنَّه يعين على أمر يعتقده في دينه باطلًا وضلالًا، فالمعاونة فيه داخلة بوجهٍ ما في قوله تعالى:﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾[المائدة: 2].
وهذا ما أرجِّحه في ذلك. والأولى أن يقوموا هم ببناء كنائسهم ومعابدهم، وحسْب المسلمين أن أجازوا لهم إقامتها. وبالله التوفيق.
(1) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (6/29)، نشر المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق، القاهرة، ط 1، 1313هـ.
(2) المدونة (4/150)، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1415هـ ـ 1994م.
(3) منح الجليل (7/498)، نشر دار الفكر، بيروت، 1409هـ ـ 1989م.
(4) مواهب الجليل (5/424)، نشر دار الفكر، ط 3، 1412هـ ـ 1992م.
(5) الأم (4/226)، نشر دار المعرفة، بيروت، 1410هـ ـ 1990م.
(6) حاشية قليوبي (3/71)، نشر دار الفكر، بيروت، 1415هـ ـ 1955م.
(7) مقبرة النصارى.
(8) اقتضاء الصراط المستقيم (2/42)، تحقيق ناصر عبد الكريم العقل، نشر دار عالم الكتب، بيروت، ط 7، 1419هـ ـ 1999م.
(9) رد المحتار (6/391).
(10) البحر الرائق (8/23)، نشر دار الكتاب الإسلامي.