2026-06-18
91
توضيح حول فتواي عن خلع الحجاب في حصص السباحة في بعض دول أوربا
انتشر مؤخَّرًا على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، مقطع مسجل منذ ما يقرب من خمس سنوات، تجيزون فيه للطالبة المسلمة في الغرب، وتحديدًا في إسبانيا إذا ما طُلب منها خلع حجابها للمشاركة في حصص الرياضة والسباحة، إن كان تغيبها أو امتناعها عن هذه الحصص يتسبَّب في رسوبها، وعدم تخرُّجها من المدرسة.
فهل نطمع يا فضيلة الشيخ في توضيح رأيكم بشيء من التفصيل والشرح. شكر الله لكم، وبارك في عمركم وجزاكم خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقضية منع الفتاة المسلمة من ارتداء الحجاب ليست وليدة هذا السؤال، وإنَّما تعود بدايتها إلى فرنسا، فهي أول دولة أوربية تسنُّ قانونًا يمنع الطالبة المسلمة من ارتداء الحجاب داخل المدرسة، وسمَّوه حينها «قانون حظر الرموز الدينيَّة في المدارس»، وأدخلوا مع الحجاب: الصليب الكبير للمسيحيين، والقلنسوة لليهود.
وقد عارضتُ هذا القانون أشدَّ معارضة، وقلت: إنَّ الحجاب ليس رمزًا دينيًّا كالصليب أو القلنسوة، ولكنَّه أمر قرآني صريح للمرأة المسلمة، وواجب ديني أجمعت على فرضيته المذاهب جميعًا، لم يخالف في ذلك أحد.
وبيَّنت أنَّ صدور مثل هذا القانون يتعارض مع مبادئ الثورة الفرنسية (الحرية والمساواة والإخاء)، فهو يتعارض مع نوعين أساسيين من الحرية كفلتهما المواثيق الدولية والدساتير الوطنية، وهما: الحرية الشخصيَّة، والحرية الدينيَّة. ويتعارض مع مبدأ المساواة بين الفتاة غير المتدينة الَّتي تلبس ما تريد، بينما تمنع الفتاة المسلمة من لبس الحجاب المفروض عليها دينيًّا.
وخطبتُ معترضًا ومنددًا بهذا القانون، ودعوت الدول الإسلاميَّة إلى أن تعبِّر رسميًّا عن رفضها له، وطالبت برفع دعاوى قضائية لإسقاطه، وكتبنا رسائل، ومنها رسالة مهمَّة لرئيس الجمهورية الفرنسي حينذاك: جاك شيراك، وأصدرنا بيانات، وعندما قابلت مسؤولين فرنسيين عبَّرت عن رفضي بصفتي عالمًا من علماء المسلمين، وعن رفض عموم المسلمين لهذا القانون، وغير ذلك من الإجراءات المعروفة والمسجَّلة.
ولكن بعد عجزنا عن منع القانون، بعد اتخاذ كافة السبل الممكنة، وبعد أن صدر هذا القانون بالفعل، وأصبح ملزمًا لا يمكن مخالفته من المسلمين، الَّذين يبلغ تعدادهم في فرنسا خمسة ملايين مسلم، والذين يعلِّمون بناتهم في المدارس الفرنسية، كان أمامنا خياران: إمَّا أن نمنع البنات المسلمات من التعليم، وإمَّا أن نرخِّص لهنَّ على سبيل الضرورة في خلع الحجاب عند باب المدرسة، مع ارتداء الملابس السابغة المحتشمة، ثمَّ تعود لارتداء الحجاب عند خروجها من المدرسة.
وقد اخترت أن أفتي المسلمين هناك: بأنَّه لا يجوز لنا أن نحرم بناتنا من حقهنَّ في التعليم، وإلَّا ستكون الأقلية المسلمة جماعة متخلفة، لا حضور لها ولا تأثير، تعاني الفقر والتخلُّف والانزواء، ونحقق ما يريده خصوم الإسلام، من تقليص الوجود الإسلامي، وعزل المسلمين عن المجتمع، وتجهيل أبنائهم، لا سيَّما الحريصين على التمسك بتعاليم دينهم، المتعايشين مع المجتمع الفرنسي، الرافضين للذوبان فيه، وقد بنيت فتواي حينها على فقه المآلات.
لا بدَّ أن نحرص على تعليم أبنائنا ـ ذكورًا وإناثًا ـ بل على تفوقهم وريادتهم، ولدينا قواعد نحكِّمها في مثل هذه الحالات، وهي: قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وهي قاعدة تقرِّرها خمسة مواضع من كتاب الله، وتكمِّلها وتضبطها قاعدة «الضرورة تُقَدَّر بقدرها»، وقاعدة «الحاجة العامَّة تُنَزَّل منزلة الضرورة».
على أن يكون خلع الحجاب هنا على سبيل الضرورة ولا يُتوسَّع فيه، وأن يكون استثناءً يُحفظ ولا يقاس عليه، وعندما تزول الضرورة، نعود إلى الأحكام العادية بلبس الحجاب.
ولم يكن هذا رأيي وحدي، بل شاركني فيه عدد من كبار العلماء، والمجالس الفقهية المهتمة بأحوال المسلمين في الغرب.
على أنَّ قائلًا قد يقول: ما الضرورة الَّتي توجب تعليم الفتاة، وليس في ترك التعليم ما يهدِّد حياتها، بحيث نبيحه لها، خوفًا من الموت أو الهلاك المحقق أو المتوقع؟
وأجيب على هذا فأقول: إنَّني لا أنظر هنا إلى ضرورات الأشخاص، ولكن إلى ضرورة المجتمع المسلم، ضرورة الأقلية المسلمة المقيمة في الغرب إلى التعليم، والَّتي يزيد تعدادها عن تعداد مجموع سكان عدد من الدول الإسلاميَّة الصميمة، وما قد يؤدي إليه حظر تعليم المرأة وهي نصف هذا المجتمع، على المدى المتوسط والبعيد. فكما أنَّ هناك ضرورات للأفراد تهدِّد حياتهم، وتبيح لهم ما كان محظورًا، هناك ضرورات للمجتمعات تهدِّد كيانها، وتبيح لها بعض ما كان محظورًا. وأنا أرى التعليم للمجتمع إحدى هذه الضرورات.
هل يعلم السائل أنَّ عددًا من الدول ذات الأغلبية المسلمة في أفريقيا وآسيا، تتحكم فيها الأقليات غير المسلمة، في اقتصادها أو سياستها أو تعليمها منذ عهد الاستعمار إلى الآن؟ وذلك أنَّ الاستعمار أبعد المسلمين عن التعليم، وعلَّم الأقليات غير المسلمة، واستعان بهم في إدارة البلاد، فلمَّا حمل الاستعمار عصاه ورحل، لم يكن غيرهم مُعدًّا ومهيأً لتولي أمر البلاد، وما زال الأمر على ما هو عليه بصورة ما حتَّى الآن.
على أنَّه إذا كان البعض ينازع في أمر الضرورة، فقد نزَّل العلماء الحاجة العامَّة للمجتمع منزلة الضرورة.
قد يكون مقدورًا لبعض الأفراد، أن يترك البلد الَّذِي يقيم فيه، ويرجع إلى بلده الأصلي، ليحافظ على حجاب بناته، وفي الوقت نفسه على تعليمهن، لكنَّه ليس مقدورًا ولا متصورًا أن أكلِّف خمسة ملايين إنسان بمغادرة المجتمع الَّذِي يقيمون فيه، وربَّما لا يحملون إلَّا جنسيته، وبعضهم من الفرنسيين الأصليين، ولو كلَّفتهم بذلك ما استطاعوا، وما وجدوا البلد الَّذِي يتحملهم، أو يرحِّب بوجودهم.
وماذا سنقول للفتاة المسلمة المقيمة في بلاد الغرب، والمتأثِّرة بثقافته بحكم النشأة، عندما تكبر، وقد منعناها من التعليم، أنقول لها: إنَّ الإسلام قد حال بينك وبين التعليم! أم نجيز لها على سبيل الضرورة أو الحاجة المنزَّلة منزلتها: ترك الحجاب داخل المدرسة، فإذا خرجت لبسته؟
لا أستطيع إفتاء المسلمين أن يعتزلوا المدارس، ويُبقوا بناتهن في البيوت، أو يدرِّسوا لهن المناهج خارج المدرسة، أو يُحضروا لهن الأساتذة؛ وكثير من الآباء أمِّيُّون، وفقراء لا يستطيعون تحمل مصروفات التعليم الخاص، ليواكب بناتهن مثيلاتهن في المدارس، ويلحقن بركب التعليم، وترك المرأة أمية في زماننا هذا يعني الحكم بعزلها عن الحياة، والقضاء على مستقبلها: أُمًّا وزوجة، وداعية وعاملة في المجتمع.
وعلى المجتمع المسلم والقيادات الدينيَّة والمراكز الإسلاميَّة أن يبذلوا جهودهم على كافة المستويات، بالتواصل مع حكومات البلاد الَّتي يعيشون فيها، لعرض وجهة نظرهم، وإنشاء المدارس الَّتي تستوعب أبناء المسلمين، وعلى الأفراد إذا وجدوا البدائل المناسبة الَّتي تحقق الالتزام بفريضة الحجاب لبناتهم وتعليمهن، أن يحرصوا عليها، ويبذلوا في سبيل ذلك، ما دام ذلك في إمكانهم، من غير أن نوقعهم، أو يوقعوا أنفسهم في الحرج والمشقة.
وقد أجبت السائل من إسبانيا اختصارًا بمجمل هذا الكلام، بما يسمح به المقام، هذا إذا كان وضع إسبانيا على ما صوَّر في سؤاله، وإذا كان قد استنفد البدائل الأخرى بالبحث عن مدارس لا تُلزم بخلع الحجاب لتأدية الحصص الرياضية وحصص السباحة، أو بتعليم البنات السباحة في نوادي خاصَّة بالنساء، وإحضار الشهادة المعتمدة بذلك للمدرسة، ومن ثمَّ عدم إلزامهن بحضور حصص السباحة، أو بغير ذلك من الطرق.
على أنَّ البعض حمل كلامي على أنِّي أجيز للفتاة المسلمة السباحة بما يعرف بـ «البكيني»، وهو أمر لا يقول به مسلم، فضلًا عن عالم، وقد قلت نصًّا: «إنَّ عليها أن تلبس آخرَ ما يمكن لُبْسه»، أي أنَّه يجب عليها ستر ما يمكن ستره.
فإذا وضع السامع في الاعتبار، أنَّه توجد «بذلات» سباحة تستر البدن كله، الصدر والذراعين والفخذين، بل يضع السباحون على رؤوسهم ما يغطي الشعر، وعلى وجوههم ما يغطي العينين، يصبح الادِّعاء عليَّ أنِّي أبيح للمسلمة كشف جسدها أو ارتداء البكيني: نوعًا من الغفلة أو الافتراء، أربأ بالمخلصين من المسلمين عن الوقوع فيه، والمسألة كذلك متعلقة بتلميذات المرحلة الابتدائية في المقام الأول، وأغلبهن دون البلوغ الَّذِي تكلَّف المرأة عنده بالحجاب.
والأصل العام هو: فرضية الحجاب، ووجوب ستر العورات، وصيانة الحرمات، وعلى الجميع الالتزام بذلك، ولا يجوز الترخص فيه دون داعٍ، وأمَّا حالة الضرورة الَّتي تقع لبعض الأقليات المسلمة أو بعض الأفراد، فهي تقدَّر بقدرها، ويحاول كل فرد أو مجموعة، أو أهل بلد، معالجتها بما يستطاع من دفع المفسدة، وجلب المصلحة.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.