2026-06-18
93
وجوب التعلُّم وتشجيع الغير عليه
مشكلتي أنَّني فتاة من عائلة كبيرة جدًّا، وأعمل في أحد البنوك الكبيرة، ووظيفتي ولله الحمد جيدة، إلَّا أنَّني لا أحبُّ القراءة ولا الكتابة، وأشجع الأطفال والكبار على عدم الدراسة والتعلم، علمًا بأنَّني أعرف أربع لغات: الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليابانية، أعرفها تمامًا، مشكلتي أنَّني لا أحفظ إلَّا أربع سور من القرآن، أحفظ المسد والإخلاص والفلق والناس، ودائمًا أردِّدها؛ لأنِّي لا أحبُّ التعلم ولا القراءة والكتابة.
وسؤالي هو: ماذا أفعل في عملي وعندي من يقرأ عنِّي ويكتب لي، أنا فقط أوقِّع، إلَّا الأشياء الصغيرة جدًّا أقرؤها؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
سبحان الله! إذا كانت أختنا السائلة لا تحبُّ القراءة ولا الكتابة كيف تعلَّمت أربع لغات؟! وهي تقول: إنَّها تعرفها تمامًا، وتجيدها إجادة تامة، كيف هذا؟ ولنفترض أنَّها كما تقول لا تحبُّ القراءة ولا الكتابة، فلماذا تشجِّع الآخرين على عدم القراءة والكتابة؟! نحن أمة اقرأ، أوَّل آية أنزلت على النبي ﷺ : ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٢ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٣ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 ـ 5]. نحن نعيب على أمة اقرأ أنَّها لا تقرأ.
اليهودي موشي ديان قال يومًا، حينما صرَّح لبعض الصحف الأمريكيَّة بأشياء، فقالوا له: فضحتنا، المفروض أنَّ هذه أشياء لا تُقال حتَّى لا يعلم بها العرب، فقال لهم: اطمئنوا فإنَّ العرب لا يقرؤون. كأنَّ أمتنا تريد أن تصدق نبوءة موشي ديان!
لا بدَّ أن نقرأ، كان النَّاس قديمًا يقرؤون، أحدهم كان يقرأ وهو على فراش الموت، وإذا لم يستطع أن يقرأ طلب من غيره أن يقرأ له، ممكن الإنسان يقرأ بواسطة غيره، كثير من النَّاس لا يقرأ، ولكن يأتي بمن يقرأ له.
فالأخت هذه إذا كانت لا تقرأ، فمن الممكن أن تأتي بمن يقرأ لها، إذا كانت لا تقرأ في المصحف فلتستمع لقراءة القرآن، والآن هناك مصاحف مرتَّلة ومجوَّدة على الأشرطة والأقراص المدمجة وفي الإنترنت، وهناك إذاعات كاملة للقرآن.
وأنصحها وهي الَّتي تجيد أربع لغات أن تحفظ شيئًا من القرآن ولو جزء عم (الجزء الثلاثين)، ألا توجد غير هذه السور الأربع الَّتي تحفظينها؟ لماذا تبقى الأخت على هذه السور الأربع، وكأنَّه لم ينزل من القرآن غيرها.
وتستطيع الأخت أن تحفظ آيات من القرآن، أن تحفظ خواتيم سورة البقرة: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ❁ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 285 ـ 286].
تستطيع أن تحفظ آية الكرسي:﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾[البقرة: 255].
تستطيع أن تحفظ أواخر سورة الحشر:﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾[الحشر: 22 ـ 24].
وعند الأخت المقدرة على ذلك، فهي تتقن أربع لغات، فتستطيع أن تتعلَّم آيات من القرآن الكريم، والكسل ليس عذرًا لها، وإن كانت صلاتها صحيحة، لكن لماذا تسجن نفسها هذا السجن في أربع سور قصار فقط، وتظل ترددها، وعندها القدرة أن تقرأ الآيات الأخرى؟!
ثم لماذا تشجِّع الصغار والكبار على أن لا يتعلموا؟ هي تعلمت وأصبحت في وظيفة جيدة في أحد البنوك الكبيرة، فلتدع الآخرين ليصلوا إلى ما وصلت إليه، ثم هل ضرَّها التعلُّم أم أفادها؟! أنا أرى أنَّه أفادها، فأنا أرى لغتها في هذه الرسالة لغة جيدة، وأنَّها تستطيع أن تتفاهم مع النَّاس بأسلوب حسن، فعليها أن تشجِّع الآخرين، على القراءة والكتابة.
النبي ﷺ كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وهذه معجزة له، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾[العنكبوت: 48]. وكما قال البوصيري في بردته:
كفاك بالعلم في الأميِّ معجزة
في الجاهليَّة والتأديب في اليتم(1)
فهي معجزة بالنسبة للنبي ﷺ ، ولكن النبي ﷺ ـ وهو النبي الأمي ـ أوَّل من حارب الأمية، حتَّى إنَّه في غزوة بدر حينما أتيحت له الفرصة ووجد بعض الأسرى الذين يحسنون القراءة والكتابة، جعل فداءهم أن يعلِّم كل واحد منهم عشرةً من أولاد المسلمين القراءة والكتابة، فكان النبي الأمي ﷺ أوَّل من حارب الأمية.
فلا بدَّ أن نقرأ ونثقف أنفسنا، ولا بدَّ أن نمحو الأمية، وليس محو الأمية أن نعرف مبادئ القراءة والكتابة، بل أن نقرأ ونثقف أنفسنا ثقافة دينيَّة، وثقافة اجتماعيَّة، وثقافة سياسيَّة، فنحن نشكو هذه الأمية، أمية الثقافة وهي ـ للأسف ـ أمية شائعة عندنا، فهذه الأخت تعلَّمت وعرفت أربع لغات، ووصلت إلى مرتبة جيدة في الوظيفة، ولكنَّها ـ للأسف ـ لا تشجع غيرها أن يتعلم، هذا عيب كبير.
كان المسلمون قديمًا يطلبون العلم من المهد إلى اللحد، ويقولون: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنَّه عَلِم فقد جهل. إذا وصل الشخص لحالة في العلم ظنَّ معها أنَّه أصبح عالمًا كبيرًا وترك طلب العلم فقد أصبح جاهلًا، يصبح جاهلًا بقدر العلم؛ لأنَّ العلم بحر لا شاطئ له، لا نهاية له، الله تعالى يقول لرسوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا﴾ [طه: 114].
ويخاطب الله النَّاس فيقول: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾ [الإسراء: 85]. تعلَّم من العلم ما شئت أن تتعلم، وخُض في بحار العلم ما شئت أن تخوض، لن تصل إلَّا إلى القليل، لا بدَّ أن يطلب الإنسان العلم طوال حياته.
قال بعض الحكماء: يحسن بالإنسان التعلم ما دام يقبح منه الجهل، وكما يقبح منه الجهل ما دام حيًّا كذلك يحسن به التعلم ما دام حيًّا. وبعضهم قال: العلم من الشيخ أوجب، لأنَّ خطأه أقبح. الصغير إذا أخطأ قد يُغفر خطؤه، أمَّا الكبير إذا أخطأ فخطؤه شنيع، فتعلمه يكون أهم وأوجب من غيره.
فأرجو من الأخت أن تتخلَّى عن هذه الفكرة، وأن تشجِّع الصغار والكبار على التعلم والدراسة، وألَّا يكتفوا بما وصلوا إليه من الدراسة والعلم، فوصية حكماء الأمة: كن طالبًا للعلم ما حييت، اطلب العلم من المهد إلى اللحد.
(1) البردة مع شرح الباجوري ص-65، نشر مكتبة الصفا، القاهرة.