2026-06-22
139
حكم عمولة الوسيط بين الشركة والزبون (commission)
أنا موظف مبيعات أعمل بشركة تبيع سلعًا معيَّنة، وأتقاضى راتبًا جيدًا من الشركة والحمد لله. ومهمتي أن أستقبل الزبائن الَّذين يرغبون في شراء سلعة من الشركة، وأقوم بالردِّ على كل استفساراتهم المتعلقة بهذه السلع المعروضة للبيع، كما أقوم بإجراءات البيع للراغبين في الشراء.
وطريقة الشراء عندنا في الشركة تكون إمَّا عن طريق الدفع العاجل (cash) أو تكون عن طريق التقسيط على مدة معيَّنة يتفق عليها عن طريق بعض البنوك.
ومن الظواهر المنتشرة في شركتنا وغيرها: أنَّ بعض البنوك تقدِّم مكافآت مالية لمن يقوم من الموظفين عندها بجلب وإقناع الزبائن؛ لكي يشتروا عن طريق هذا البنك، دون علم الشركة (أي يكون الأمر بين موظف الشركة والبنك) وقد تكون الشركة على علم بذلك، لكنَّها تغضُّ الطرف ما دامت غير متضرِّرة بذلك. وقد تصل أحيانًا المكافآت في الشهر إلى 5000 ريال أو أكثر.
وسؤالي هو: هل هذا جائز؟ وهل المكافأة أو الهدية أو العمولة ـ سمِّها ما شئت ـ الَّتي يأخذها الوسيط بين الزبون والبنك جائزة شرعًا؟
وإذا كانت لا تجوز، فما مصير المبلغ الَّذِي جمعته بهذه الطريقة، علمًا أنَّني تجمَّع لدي أكثر من ستين ألف (60000) ريال خلال سنة؟
المرجو من فضيلتكم التكرم بإخبارنا بالحكم الشرعي في هذا الأمر الَّذِي استفحل وانتشر، وأصبح حديث الكثير من النَّاس والموظفين، وجزاكم الله خيرًا.
موظف مبيعات في شركة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ موظف المبيعات في شركة أو مؤسسة كبيرة أو صغيرة، مهمته أن يجلب العملاء لشركته، ويروِّج لديهم بضاعتها، فيشتروها بأحسن الأسعار المتداولة في السوق، وهذا بلا شك واجب عليه بمقتضى العقد، ومن أجله يستحقُّ الأجر الَّذِي حُدِّد له.
ولا يجوز لهذا الموظف أن يختصَّ عميلًا واحدًا بالتعامل معه؛ لأنَّه يعطيه عمولة أو هدية أو مكافأة، ويحرم سائر العملاء من ذلك، مع أنَّهم مستعدُّون أن يدفعوا مثل ما دفع، وربَّما أزيد. إلَّا إذا أذن له المسؤولون في شركته إذا كان ذلك داخلًا ضمن اختصاصهم. فلا شك أنَّ الأفضل للشركة أن يكون التعامل معها مفتوحًا لجميع الزبائن والعملاء على قدم المساواة، ويتنافس الجميع في ذلك على المكشوف، وفي شفافية تامة. ومن وراء ذلك خير كثير، وخير للمجتمع كله.
وإذا كان الأخ جمع من وراء هذه العمولات ستين ألف ريال قطري، فإنَّ بعضهم في الشركات الكبرى يجمع ستين مليونًا، وربَّما ستمائة مليون، في بعض الصفقات الكبرى.
ومثل مدير المبيعات في الشركة، أو المؤسسة أو الوزارة: مدير المشتريات، الَّذِي من شأنه أن يشتري لمؤسسته بضائع من مصادر شتى؛ بأفضل الأسعار وأرخصها ما استطاع، ولكنَّه قد يؤثر جهة معينة، لأنَّها تعطيه مكافأة أو عمولة، أو هدية؛ فيخصها وحدها بالشراء، ويحرم الآخرين من فرصة تنافس حقيقي، من شأنه أن يأتي بالخير على الشركة أو الوزارة، ويوفِّر عليها أموالًا طائلة؛ ربَّما تكون بعشرات الملايين أو مئات الملايين، ولا سيَّما في الصفقات الَّتي تعقدها الدول، كالسلاح، والطائرات وغيرها.
فهذه العمولات ما هي إلَّا رشوة مقنَّعة، وهي حرام في الإسلام، وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي(1)، وهي أكل للأموال بالباطل، قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ﴾[النساء: 29].
فعلى المسلم الَّذِي يخشى الله تعالى ويخاف سوء الحساب: أن يتحرَّى الحلال، ويتجنَّب الحرام، فإنَّ الحرام لا بركة فيه، وكل جسم نبت من حرام فالنار أولى به. ولو أنبَّه ضميره بعد ذلك وأراد أن يتوب، فإنَّ التوبة من الحرام شديدة؛ لأنَّ الشرط في قبولها أن يتخلَّص من كل هذه الأموال، ويردَّها إلى أهلها ومستحقيها، وأنَّى له بهم؟ وربَّما يكون المال قد ذهب، كما هي العادة. فلا كسب الدنيا، ولا كسب الآخرة. ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
(1) رواه أحمد (6778)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده قويٌّ. وأبو داود في الأقضية (3580)، والترمذي (1337)، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (2313)، كلاهما في الأحكام، وصحَّحه الألباني في الإرواء (2620)، عن عبد الله بن عمرو.