كيفيَّة التخلص من الفوائد الربويَّة

❓ كيفيَّة التخلص من الفوائد الربويَّة

📅 2026-06-22 👁 213 مشاهدة

نص السؤال:

تعلمون أنَّه لا يوجد في بريطانيا بنوك إسلاميَّة، وهناك طريقتان أمام المسلم لفتح حساب بنكي، إمَّا أن يفتح حسابًا جاريًا، ويعطيه البنك فوائد ربويَّة قليلة إجباريًّا، وذلك دون طلب من صاحب الحساب، أو أن يفتح حساب توفير بناءً على طلب صاحب الحساب، ويعطيه البنك فوائد ربويَّة أعلى، والسؤال هو: هل يجوز للهيئات الخيريَّة أن تطلب من المسلمين تحويل حساباتهم الجارية (ذات الفوائد الربويَّة القليلة) إلى حسابات توفير (ذات فوائد ربويَّة عالية)، على أن تحوَّل الفوائد الربويَّة لصالح العمل الخيري بدل تركه للبنوك؟ وهل يجوز للهيئات الخيريَّة الطلب من المسلمين التبرُّع بهذه الفوائد الربويَّة لإقامة مشروعات خيرية لفقراء المسلمين؟ وهل يجوز صرف الفوائد الربويَّة على إطعام الفقراء؟
وفي بعض الأحيان يتجمَّع لدى الهيئات الخيريَّة أموال تبرعات في البنك لفترة من الزمن لحين تحويلها إلى أقطار المسلمين الفقيرة المختلفة؛ فهل نضع هذه الأموال في حسابات جارية فوائدها الربويَّة قليلة؟ وهل يتساوى في الأجر من يحوِّل الفوائد الربويَّة إلى الهيئات الخيريَّة مع من يتركها ليتصرَّف بها البنك كما يشاء؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
في جوِّ الظروف الَّتي تعيشها الجاليات الإسلاميَّة في أوربا وغيرها، وفي ظل تصاعد الصحوة الإسلاميَّة المعاصرة، الَّتي أشعرت المسلمين بهويتهم الدينيَّة والثقافية والتربويَّة، والاجتماعيَّة والرياضية، وعجز الموارد الذاتية عن تمويل هذه المشروعات الضرورية والمهمة، وعدم وجود مؤسسات ماليَّة إسلاميَّة تتعامل في دائرة الحلال شرعًا.
لا يسع المفتي الَّذِي ينظر إلى الإسلام ومقاصده بعين، وينظر إلى العصر الحاضر ومشكلاته بالعين الأخرى، والذي يؤمن بقاعدة وجوب تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان والعرف والحال، إلَّا أن يقدِّر ظروف الإخوة الَّذين وجَّهوا هذا السؤال المهم من معرفتهم بالواقع الَّذِي يمارسونه ويعانون مصاعبه، ومعرفتهم أيضًا بشح كثير من الموارد والمعونات الَّتي كانت تدرُّ عليهم كثيرًا فيما مضى، حتَّى إنَّ بعض الأبواب كادت تكون مغلقة في وجوههم، في حين تتدفَّق المعونات بمئات الملايين، بل بالبلايين على مؤسسات التنصير وأشباهها.
ومن ثَمَّ لا نرى في ضوء تلك الظروف القاسية، والحاجات الداعية إلَّا أن نفتي بجواز أن تطلب الهيئات الخيريَّة الإسلاميَّة من المسلمين تحويل حساباتهم التجارية (ذات الفوائد الربويَّة القليلة) إلى حسابات توفير (ذات فوائد ربويَّة عالية) بشرط أن تحوَّل هذه الفوائد لصالح العمل الخيري الإسلامي، بدل تركه للبنوك.
ويؤيِّد وجهتنا هنا ما ذكرناه:
1 ـ حاجات المسلمين الملحة؛ والحاجة قد تنزَّل منزلة الضرورة، خاصَّة أو عامة.
2 ـ عجز الموارد الذاتية للمسلمين، عن تمويل تلك المشروعات، وتلبية تلك الحاجات.
3 ـ ضعف المساعدات الخارجية؛ بل نضوبها في بعض المواقع.
4 ـ قوة الجهات المعارضة للإسلام، ووفرة مواردها.
يؤكد هذا ضرورة التخفيف على من يعيشون خارج دار الإسلام، بعيدًا عن المجتمع الإسلامي، ويزيده تأكيدًا وجود بعض المذاهب الفقهية الَّتي تجيز التعامل بالعقود الفاسدة خارج دار الإسلام. كل ما نركِّز عليه في هذا المقام: أن يكون المنتفع بهذه الفوائد هو جهات الخير، وليس أصحاب المال.
كما يجوز للهيئات الخيريَّة الإسلاميَّة أن تطلب من المسلمين التبرع بهذه الفوائد الربويَّة لإقامة مشروعات خيرية لفقراء المسلمين؛ لأنَّ هذه أموال محرَّمة، ومصرفها هو الفقراء والجهات الخيريَّة ومصالح المسلمين.
كما يجوز صرفها لإطعام الفقراء، وكذلك لشراء ما يحتاجون إليه من كسوة ودواء وغيرهما.
ولا يقال هنا: كيف يرضى المسلم للفقير ما لا يرضاه لنفسه؛ فإذا كان هو قد رفض الانتفاع بالمال الملوَّث، فكيف يقبل أن ينتفع به الفقير؟
ونقول هنا: إنَّ المال حرام على من وضعه في البنك واستحقَّ عليه الفوائد؛ ولكنَّه حلال للفقير؛ بل هو مصرفه الشرعي الَّذِي لا ينبغي الخلاف فيه. والمال لا يلوَّث في ذاته، إنَّما هو ملوث بالنسبة لشخص معين؛ لأنَّه كسبه من جهة غير مشروعة، وهو طاهر وسائغ بالنسبة لغيره.
ثم هو ليس صدقة من واضع المال في البنك حتَّى يقال: لا يقبل الله صدقةً من حرام؛ لأنَّا نقول: هو ليس صدقة منه؛ لأنَّه مال حرام؛ والحرام لا يملك؛ إنَّما هو وسيط خير لتوصيل هذا المال إلى فقراء المسلمين، وإلى الهيئات الخيريَّة الَّتي تخدمهم، عن طريق الاستفادة من قوانين غير المسلمين في تنمية أموالهم؛ ولو بالفوائد بحكم الضرورة، بدل تعطيلها كليًّا أو جزئيًّا، فلا يستفيدون منها، وإنَّما يستفيد منها غيرهم.
وإذا أجزنا للهيئات الخيريَّة أن تطلب من المسلمين أن يحوِّلوا حساباتهم الجارية إلى حسابات توفير، طلبًا للفوائد العالية على أن تحوَّل إلى الهيئات الخيريَّة، فمن باب أولى أن نجيز لهذه الهيئات أن تضع أموالها الخاصة في الحسابات الأعلى فائدة.
أمَّا ترك الفوائد الربويَّة للبنك الربوي، فهو أمرٌ لا يجوز؛ لأنَّه حرم الفقراء والجمعيات الخيريَّة من نفع محقَّق ضاع عليهم، واستفاد منه غيرهم.
ويتأكَّد هذا في البنوك الأجنبية في أوربا وأمريكا وغيرهما؛ فإنَّ هذه البنوك تتبرَّع عادة بالفوائد المتروكة لديها إلى الجهات المسيحيَّة واليهودية، أي إلى جماعات التنصير، والجماعات المؤيدة لبني صهيون.
ومعنى هذا: أنَّ أموال المسلمين أمست أسلحة في أيدي أعداء المسلمين يحاربونهم بها، ويوجِّهونها إلى صدورهم سرًّا وعلانية؛ فهذا لا نظن أنَّ له أجرًا؛ بل عليه الوزر، إلَّا أن يعفو الله عنه، أو يعذره بجهله، مع أنَّ الجهل في دار الإسلام ليس عذرًا. ومن جهل حكمًا فالواجب عليه أن يسأل.
وأمَّا من يحوِّل الفوائد إلى الهيئات الخيريَّة الإسلاميَّة ونحوها، فنعتقد أنَّ له إن شاء الله أجرًا من جهتين:
الأولى: أنَّه تعفَّف عن استخدام المال الحرام لنفسه، وأبى أن يدخله في ملكه، مخافة الله تعالى، وابتغاء مرضاته. وبعض النَّاس لا يتورعون من ذلك.
الثانية: أنَّه كان وسيط خير في إيصال هذا المال أو هذه الفوائد إلى هيئات الخير، وكان يمكن أن يضيع ولا ينتفع به المسلمون؛ وقد قال تعالى:﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ[الزلزلة: 7]، وقال سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا[النساء: 40].
ولكن لا يُثاب صاحب أصل هذا المال ثواب الصدقة، كما قد يتوهَّم البعض؛ لأنَّ الله لا يقبل صدقةً من مال حرام، كما في الحديث الصحيح: «لا يقبلُ اللهُ صدقةً من غُلول»(1). وقد بيَّنَّا أنَّه ليس بصدقة فهو غير مملوك له شرعًا.
ومع ترخيصنا للهيئات الخيريَّة الإسلاميَّة باستعمال هذه الفوائد لصالح الجماعات الإسلاميَّة، نوصي هذه الجماعات أن تجتهد ما استطاعت في إقامة مشروعات مالية واقتصادية، بعيدة عن كل الشوائب، تشترك فيها أموال المسلمين وخبراتهم وجهودهم، ولا بأس أن تبدأ صغيرة ثمَّ تكبر، ضعيفة ثمَّ تقوى، محدودة ثمَّ تنتشر.
ومن جدَّ وجد، ومن سار على الدرب وصل، ولكلِّ مجتهدٍ نصيب، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، وإذا وجدت مؤسسات مالية إسلاميَّة تلتزم بالشريعة وأحكامها فالواجب على المسلمين دعمها، بكل ما يستطيعون، والعدول عن المؤسسات الربويَّة،﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا[الطلاق: 2، 3].
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية