2026-06-22
163
الاستدانة من أجل السفر للنزهة
هناك بعض النَّاس ألزموا أنفسهم أن يسافروا في كل صيف، إلى بلد من البلاد الأوربية أو البلاد العربية، ويكلِّفون أنفسهم عشرات الآلاف من الريالات أو الدولارات أو الجنيهات، والمُشكلة أنَّهم يضطرون إلى أن يستدينوا من غيرهم، أو من البنك، والبنك لا يعطي الأموال إلَّا بفوائد، فيجرُّون على أنفسهم الربا، الَّذِي يؤذن بحرب من الله ورسوله، ويشقُّون على أنفسهم بالدين في أمر ليس ضروريًّا، فما قول فضيلتكم في هؤلاء؟ وهل يجوز شرعًا أن يُحمِّل الإنسان نفسَه ما لا يطيق، وأن يستدين للنزهة ولو بالفوائد الربويَّة؟! وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الاستدانة من أجل المصيف إذا كانت من البنك بفائدة ربويَّة فلا تجوز شرعًا، وكذا لا تجوز إذا كان الإنسان لا يستطيع السداد، أو يوقع نفسه في حرج ومشقة من أجل قضاء دينه. ولا مانع من الاستدانة لذلك إذا كان الإنسان لديه قدرة مالية، وعنده وقت أن يذهب ليستمتع بالصيف في بلد لا يضطر فيه إلى المنكرات، ممارسة أو رؤية، كما نرى في كثير من البلاد الأوربية، الَّتي يذهب الأطفال إليها فيشاهدون منكرات ترتكب جهرة وعلانية، في الحدائق العامَّة، وفي الميادين، وفي الشوارع، وفي الأسواق، لا يشاهدونها في أي بلد مسلم، ماذا يترك هذا الأثر من انطباع عند أطفالنا وأبنائنا وبناتنا الصغار؟!
فإن أراد المسلم السفر للمصيف أو لقضاء الإجازة أو للنزهة فليختر بلدًا يستطيع فيه الإنسان أن يُقيم الصلاة، وأن يرى فيه مسلمين يتعاون معهم على البر والتقوى، وبدل أن ينفق أمواله في بلد غير إسلامي، تأخذ أموالنا، وتسخر منَّا وتسبُّنا، وتستعين بهذه الأموال علينا، وتسهم بها مع أعدائنا من الصهاينة وغيرهم، فالأولى أن ينفقه في بلد مسلم.
ولا بدَّ أن يكون الإنسان قادرًا على نفقة هذا السفر، ولا يحمِّل نفسه ما لا يُطيق، فالنبي ﷺ يقول: «لا ينبغي لمسلمٍ أن يُذِلَّ نفْسَه». قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: «يتعرَّض من البلاء لما لا يُطيق»(1). ما الَّذِي يجعل الإنسان يَمُدُّ يده إلى غيره ليستدين، والدَّيْن همٌّ بالليل ومَذِلَّة بالنهار، والنبي ﷺ كان يستعيذ بالله كثيرًا من ضِلَع الدَّيْن (أي: ثقله) وغَلَبة الرجال(2).
والدَّيْن مثل الهم والحَزَن، يُستعاذ بالله منه، وإذا غلب الدين على الإنسان أذلَّه، ولذلك كان النبي يستعيذ من المغرم، فعن عائشة زوج النبي ﷺ : أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: «اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيحِ الدجَّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من المأثمِ والمغْرَمِ». فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: «إنَّ الرجلَ إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف»(3).
والأكثر من الاستدانة، أن يستدين بالربا من البنك قرضًا ربويًّا، والأدهى أنَّه في أمر ليس من الضروريات، ولا من الحاجيات، فالذهاب إلى المصيف أمر ليس ضروريًّا، هو أمر ترفيهي، أمر كمالي تحسيني، كما يقول الفقهاء، لماذا يرهق الإنسان نفسه في أمور كمالية يمكن الاستغناء عنها؟!
فينبغي للعاقل المقتصد إذا أحسَّ أنَّه ليس عنده مال فائض، ألَّا يذهب للمصيف هذه السنة، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًۭا مَّحْسُورًا ٢٩ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا﴾[الإسراء: 29 ـ 30]. المثل العامي يقول: «على قَدْرِ لِحَافِكَ مُدَّ رِجْلَيْك». لا تقتر على نفسك، ولا تسرف، فقد وصف الله تعالى عباد الرحمٰن بقوله:﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا﴾[الفرقان: 67].
فنصيحتي إلى المسلمين جميعًا، وفي بلاد الخليج بصفة عامة، أن يتقوا الله، خاصَّة في فصل الصيف؛ لأنَّ فصل الصيف عند الكثيرين ـ للأسف ـ هو فصل التحلل من الفضائل ومن القيم، ومن الحلال والحرام، كأنَّه إذا دخل الصيف أصبح سائبًا، يا أخي أنت مسلم سواء أكنت مقيمًا أم مسافرًا، في بلاد العرب أم في بلاد العجم، في بلاد الشرق أم في بلاد الغرب، أنت مسلم ملتزم، الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾ [البقرة: 115]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ﴾ [الحديد: 4]. والنبيُّ ﷺ يقول: «اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ»(4). ففي أي مكان كنتَ، اجعل تقوى الله شعارك ودثارك، لا تترك التقوى في حال من الأحوال، ولا يجوز أن تجعل الصيف فترة تفلُّت وانطلاق وراء الشهوات، دون عاصم من دين أو خلق أو حياء، فهذا ما لا ينبغي للإنسان المسلم.
(1) رواه أحمد (23444)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. والترمذي (2254)، وقال: حسن غريب. وابن ماجه (4016)، كلاهما في الفتن، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (7797)، عن حذيفة بن اليمان.
(2) رواه البخاري في الدعوات (2893)، عن أنس.
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأذان (832)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (589)، عن عائشة.
(4) سبق تخريجه صـ 660.