2026-06-22
179
الفصل بسبب الإخلال بالشروط
يتلخص الموضوع في أنَّ مجموعة من الأشخاص لديهم وكالة تجارية وهم شركاء فيها، وقد عيَّن أحد الشركاء مديرًا للوكالة.
ومن ضمن شروط العقد: أنَّه لا يجوز للمدير أن يتولى بغير موافقة الشركاء إدارة شركة أخرى منافسة أو ذات أغراض مماثلة، أو أن يقوم لحساب الغير بصفقات في تجارة منافسة أو مماثلة لتجارة الشركة.
وقد اتَّضح للشركاء فيما بعد أنَّ المدير لديه مصالح أخرى مستغلًّا عمله كمدير للوكالة، وهو شريك في شركات أخرى تعمل في نفس مجال عمل الوكالة، وقد حصل ذلك دون علم بقيَّة الشركاء، فهل يجوز ذلك شرعًا؟ وما حكم الشرع في مثل هذه الحالة؟ وهل لبقية الشركاء الحق في أرباح تلك الشركات الَّتي ساهم فيها؟
وجزاكم الله عنَّا كلَّ خير، ودمتم ووفقكم الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبد الله عبد الغني ناصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أقول وبالله التوفيق:
إنَّ المدير كان عليه أن يتقيَّد بشروط العقد الَّذِي وقَّعه مع شركائه. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾[المائدة: 1]. وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُواْ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا﴾[الإسراء: 34]. وقال ﷺ : «المسلمون على شُرُوطهم»(1).
فلا يجوز شرعًا للمدير أن يخالف العقد، ويعمل في المجالات الَّتي حظرها عليه. ويكون عمله هذا غير جائز شرعًا.
أمَّا حكم الشرع في هذه الحالة ـ وقد وقعت ـ فيتضح فيما يلي والله أعلم:
أولًا: يجوز للشركاء أن يعزلوه عن الإدارة، فهذا من حقِّهم؛ لأنَّه خالف ما اتفق معهم عليه في العقد. ولا حقَّ له في التعويض عن هذا العزل.
ثانيًا: إن كان العقد نصَّ على جزاء معين إن خالف شروطه، ينفذ عليه هذا الجزاء، ما دام في حدود الشرع والعرف.
ثالثًا: يحكَّم العرف التجاري في تحديد مقدار ما استغله من إدارته للوكالة في تسهيل أعماله ومصالحه الأخرى، وما حكم به العرف يعود للوكالة. ويرجع في ذلك إلى الخبراء العارفين بهذه الأمور، وقد قال علماؤنا:
والعرف في الشرع له اعتبار
لذا عليه الحكم قد يدار(2)!
رابعًا: يجب أن يعوِّض الوكالة عمَّا أصابها من أضرار، نتيجة مخالفاته، إن كانت هناك أضرار. ويرجع في ذلك أيضًا إلى الخبراء في هذا الشأن، كما قال تعالى: ﴿فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا﴾[الفرقان: 59]، وقال 8 :﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ﴾[فاطر: 14]. فإذا لم يتوافر الخبراء المختصون في مثل هذه الأمور، يلجأ إلى التحكيم، وفق المتعارف عليه.
أمَّا مشاركة هذا المدير في الأرباح الَّتي حصل عليها من وراء تلك الأعمال، فلا وجه لها فيما أرى؛ لأنَّه سيكون ربح ما لم يضمن. وإذا افترضنا أنَّه خسر، فهل كانوا سيشاركونه الخسارة، أم يكون لهم الغنم، وليس عليهم الغرم؟!
هذا ما تراءى لي في هذه القضية، فإن كان صوابًا فمن الله تعالى، وله الفضل والمنة، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان.
وآخر دعوانا أنَّ الحمد لله ربِّ العالمين. وصلَّى الله على إمامنا وحبيبنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
(1) سبق تخريجه صـ 769.
(2) نظمه العلامة ابن عابدين في عقود رسم المفتي، وشرحه في نشر العرف. انظر: مجموعة رسائل ابن عابدين (2/114)، نشر إحياء التراث العربي، بيروت، وأورده أيضًا في رد المحتار على الدر المختار (3/147).