2026-06-22
171
الدولة الإسلاميَّة دولة مدنيَّة مرجعيَّتها الإسلام
هل الدولة الإسلاميَّة دولة مدنيَّة تقوم على حرية اختيار حكامها، وعلى مبدأ تداول السلطة، كما هو معروف في الدول الديمقراطيَّة؟ أم أنَّها دولة تحكم بالحقِّ الإلٰهي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ممَّا يلزم ممَّا اتفق عليه العلمانيون من حرمان الإسلام من حق إقامة دولة: ما نفَّقوه من مزاعم حول طبيعة هذه الدولة المرجوَّة، فقد تقَوَّلوا عليها الأقاويل، وصوَّروها تصويرًا مليئًا بالأخيلة والتهاويل.
قالوا: إنَّها دولة «دينيَّة» ويعنون بالدِّينيَّة: أنَّها دولة كهنوتيَّة، تتحكَّم في أهل الأرض باسم السماء، وتتحكَّم في دنيا النَّاس باسم الله، ويدَّعون أنَّ «حاكميَّة الله» الَّتي قال بها داعيان كبيران من دعاة العصر: أبو الأعلى المودودي في باكستان، وسيد قطب في مصر: توجب أن تكون هذه الدولة دينيَّة؛ كدولة الكنيسة الأوربية فيما سُمِّيَ: «العصور الوسطى».
وهذه الدولة في رأيهم، إنَّما يملك زمامها «رجال الدِّين» الذين ليس لأحدٍ غيرهم أن يفسِّر الدِّين أو يصدر الأحكام، وهم يفسرون الدِّين من منطلق الجمود والأفق الضيق، ويرجعون إلى الأوراق القديمة، ولا ينظرون إلى الآفاق الجديدة.
وهذه كلُّها دعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها برهان.
فالحق أنَّ الدولة الإسلاميَّة: دولة مدنيَّة، ككل الدول المدنيَّة، لا يميِّزها عن غيرها إلَّا أنَّ مرجعيَّتها الشريعة الإسلاميَّة.
ومعنى «مدنيَّة الدولة»: أنَّها تقوم على أساس اختيار حكامها بنفسها، أي برأيها وإرادتها. فتختار لقيادتها القوي الأمين، المؤهل للقيادة، الجامع لشروطها، يختاره بكل حرية: أهل الحل والعقد، كما تقوم على البيعة العامة من الأمة، وعلى وجوب الشورى بعد ذلك، ونزول الأمير أو الإمام على رأي الأمة، أو مجلس شعبها أو شوراها، كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح له، ويشير عليه، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر.
بل يعتبر الإسلام ذلك فرض كفاية على الأمة، وقد يصبح فرض عين على المسلم، إذا قدر عليه، وعجز غيره عنه، أو تقاعس عن أدائه.
إنَّ الإمام أو الحاكم في الإسلام مجرَّد فرد عادي من الناس، ليس له عصمة ولا قداسة؛ وكما قال الخليفة الأول: إنِّي وُلِّيت عليكم ولستُ بخيركم(1). وكما قال عمر بن عبد العزيز: إنَّما أنا واحد منكم، غير أنَّ الله تعالى جعلني أثقلكم حملًا(2).
هذا الحاكم في الإسلام مقيَّد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجِّهه، وأحكام تقيِّده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره من المكلَّفين: ربُّ الناس، مَلِك الناس، إلٰه الناس. ولا يستطيع هو ولا غيره من النَّاس أن يلغوا هذه الأحكام، ولا أن يُجمِّدوها، ولا أن يأخذوا منها ويدعوا بأهوائهم:﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۭا مُّبِينًۭا﴾[الأحزاب: 36].
وهناك أمة هي الَّتي اختارت هذا الحاكم، وهي الَّتي تحاسبه، وتُقوِّمه إذا اعوج، وتعزله إذا أصرَّ على عوجه، ومن حقِّ أيِّ فردٍ فيها أن يرفض طاعته؛ إذا أمر بأمرٍ فيه معصية بيِّنة لله تعالى، بل من واجبه أن يفعل ذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي الحديث الصحيح المتَّفق عليه: «السمْعُ والطاعة حقٌّ على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره، ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة»(3)، والقرآن الكريم حين ذكر بيعة النساء للنبي، وفيها طاعة النبي وعدم معصيته: قيَّد ذلك بقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍۢ﴾[الممتحنة: 12]. هذا وهو المعصوم المؤيَّد بالوحي، فغيره أولى أن تكون طاعته مقيَّدة.
ولم نرَ أحدًا من الخلفاء في تاريخ الإسلام، أضفى على نفسه، أو أضفى عليه المسلمون: نوعًا من القداسة؛ بحيث لا يُنقد ولا يُقَوَّم، ولا يُؤمر ولا يُنهى.
بل تراهم جرَّؤوا النَّاس على أن ينصحوهم ويقوِّموهم، كما قال أبو بكر في أوَّل خطبة له: إنْ أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم؛ فإنْ عصيتُه فلا طاعة لي عليكم(4).
وكان عمر يقول: مرحبًا بالناصح أبد الدهر. مرحبًا بالناصح غدوًّا وعشيًّا(5). وقال قولته المعروفة: من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمني(6).
أتمثِّل هذه الدولة ـ وهذا منهاجها، وهؤلاء أفرادها ـ دولة دينيَّة تحكم بالحق الإلٰهي؟ أم هي دولة يحكمها بشر غير معصومين، تقيِّدهم شريعة الله، وتراقبهم الأمة، وتحاسبهم، وتعتبرهم أُجرَاء عندها؟ كما قال أبو مسلم الخَوْلاني لمعاوية(7). وقد نظم ذلك أبو العلاء بقوله:
مُلَّ المقامُ فكم أعاشرُ أمـةً
أمرَتْ بغير صلاحِها أمراؤُها
ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدَها
وعدَوْا مصالِحَها وهُمْ أُجَراؤُها(8)
وقولنا: إنَّ الدولة الإسلاميَّة دولة مدنيَّة، قاله من قبلنا الإمام محمد عبده؛ في ردِّه الشهير على فرح أنطون، في كتابه الأصيل المعروف: «الإسلام والنصرانيَّة مع العلم والمدنيَّة». قال الأستاذ الإمام:
«إنَّ الإسلام لم يعرف تلك السلطة الدِّينية الَّتي عرفتها أوربا؛ فليس في الإسلام سلطة دينيَّة سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير عن الشر؛ وهي سلطة خوَّلها الله لكلِّ المسلمين، أدناهم وأعلاهم. والأمَّة هي الَّتي تولِّي الحاكم، وهي صاحبة الحقِّ في السيطرة عليه، وهي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها؛ فهو حاكمٌ مدنيٌّ من جميع الوجوه، ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين، بما يسمِّيه الإفرنج (ثيوكرتيك)، أي سلطان إلٰهي؛ فليس للخليفة ـ بل ولا للقاضي، أو المفتي، أو شيخ الإسلام ـ أدنى سلطة على العقائد وتحرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنيَّة، قدَّرها الشرع الإسلامي.. فليس في الإسلام سلطة دينيَّة بوجهٍ من الوجوه، بل إنَّ قلب السلطة الدِّينية، والإتيان عليها من الأساس، هو أصل من أجَلِّ أصول الإسلام»(9).
لكنَّ نفي «الوصف الدِّيني» ـ أعني الكهنوتي والثيوقراطي والحكم بالحق الإلٰهي بواسطة طبقة بعينها ـ لا يعني نفي «الوصف الإسلامي» عنها، فهي دولة «مدنيَّة» مرجعيتها الشريعة الإسلاميَّة.
وذلك لأنَّ الإسلام كما يقول الأستاذ الإمام: «دين وشرع، فهو قد وضع حدودًا، ورسم حقوقًا، ولا تكتمل الحكمة من تشريع الأحكام؛ إلَّا إذا وُجدت قوَّة لإقامة الحدود، وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة.. والإسلام لم يدع ما لقيصر لقيصر. بل كان شأنه أن يحاسب قيصر على ما له، ويأخذ على يده في عمله؛ فكان الإسلام: كمالًا للشخص، وألفةً في البيت، ونظامًا للمُلك»(10).
والحمد لله ربِّ العالمين.
(1) ذكره ابن هشام في السيرة (2/661)، وابن كثير في التفسير (6/280)، وصحَّح إسناده، عن أنس.
(2) رواه ابن سعد في الطبقات (5/340)، والدارمي في المقدمة (433).
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2955)، ومسلم في الإمارة (1839)، عن ابن عمر.
(4) جزء من خطبة أبي بكر؛ وقد سبق تخريجها صـ 153.
(5) رواه الطبري في تاريخه (4/225)، نشر دار التراث، بيروت، ط 2، 1387هـ.
(6) رواه ابن أبي شيبة في الزهد (35629).
(7) دخل أبو مسلم على معاوية، فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقيل له: مَهْ. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم؛ فإنه أعرف بما يريد. فتقدم أبو مسلم فقال: السلام عليك أيها الأجير فقال: معاوية وعليك السلام يا أبا مسلم. فقال أبو مسلم: يا معاوية اعلم أنَّه ليس من راعٍ استرعي رعية إلَّا ورب أجره سائله عنها، فإن كان داوى مرضاها، وهنأ جرباها، وجبر كسراها، ورد أولاها على أخراها، ووضعها في أنف من الكلأ، وصفو من الماء، وفَّاه الله تعالى أجره، وإن كان لم يفعل حرمه، فانظر يا معاوية، أين أنت من ذلك؟ فقال له معاوية: يرحمك الله يا أبا مسلم، الأمر على ذلك. انظر: تاريخ دمشق (27/223، 224)، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، نشر دار الفكر، 1415هـ ـ 1995م.
(8) انظر: اللزوميات (1/44)، تحقيق أمين عبد العزيز الخانجي، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة.
(9) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده (1/107)، تحقيق د. محمد عمارة، نشر دار الشروق، القاهرة، 2009م.
(10) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده (1/107).