هل قيام الدولة الإسلاميَّة على عقيدة الحاكميَّة يعني أنَّها دولة...

❓ هل قيام الدولة الإسلاميَّة على عقيدة الحاكميَّة يعني أنَّها دولة دينيَّة؟

📅 2026-06-22 👁 217 مشاهدة

نص السؤال:

من القضايا الَّتي تثير جدلًا كبيرًا هذه الأيام: مسألة الدولة الإسلاميَّة، وقيامها على عقيدة الحاكميَّة بما يعني أنَّها دولة دينيَّة. وقد استدل البعض على أنَّ الدولة الإسلاميَّة دولة دينيَّة؛ بأنَّها تقوم على عقيدة الحاكميَّة الإلٰهية، الَّتي دعا إليها أبو الأعلى المودودي في باكستان، وسيد قطب في مصر.
نودُّ من فضيلة الشيخ الردَّ على هذه الدعوة، لما عرفناه عنكم من اهتمامٍ كبيرٍ بهذا الموضوع. وجزاكم الله خيرًا.
مجموعة من الباحثين في علم السياسة
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحقُّ أنَّ فكرة الحاكميَّة أساء فَهمها الكثيرون، وأدخلوا في مفهومها ما لم يُرده أصحابها.
وأودُّ أن أنبِّه هنا على جملة ملاحظات حول هذه القضية:
الملاحظة الأولى: أنَّ أكثر من كتبوا عن «الحاكميَّة» الَّتي نادى بها المودودي وأخذها عنه سيِّد قطب، ردُّوا أصل هذه الفكرة إلى «الخوارج» الذين اعترضوا على عليِّ بن أبي طالب 3 ، في قبوله فكرة التحكيم من أساسها، وقالوا كلمتهم الشهيرة: «لا حكم إلَّا لله»، وردَّ عليهم الإمام بكلمته التاريخية البليغة الحكيمة حين قال: كلمة حق يُراد بها باطل(1)! نعم، لا حكم إلَّا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلَّا لله! ولا بدَّ للناس من أمير برٍّ أو فاجر(2)!
وهذا المعنى الساذج للحكم أو الحاكميَّة أصبح في ذمَّة التاريخ، ولم يعد أحد يقول به، حتَّى الخوارج أنفسهم وما تفرَّع عنهم من الفرق، فهم طلبوا الإمارة، وقاتلوا في سبيلها، وأقاموها بالفعل في بعض المناطق، فترات من الزمان.
أمَّا الحاكميَّة بالمعنى التشريعي، ومفهومها: أنَّ الله سبحانه هو المشرِّع لخَلقه، وهو الَّذي يأمرهم وينهاهم، ويحلُّ لهم ويحرِّم عليهم، فهذا ليس من ابتكار المودودي ولا سيد قطب، بل هو أمر مقرَّر عند المسلمين جميعًا. ولهذا لم يعترض عليٌّ 3 على المبدأ، وإنَّما اعترض على الباعث والهدف المقصود من وراء الكلمة؛ وهذا معنى قوله: «كلمة حقٍّ يُراد بها باطل».
وقد بحث في هذه القضية علماء «أصول الفقه» في مقدماتهم الأصولية، الَّتي بحثوا فيها عن الحكم الشرعي، والحاكم، والمحكوم به، والمحكوم عليه.
فها نحن نجد إمامًا أصوليًّا مثل حجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي، يقول في مقدمات كتابه الشهير: «المستصفى من علم الأصول» عن «الحكم» الَّذي هو أوَّل مباحث العلم، وهو عبارة عن خطاب الشرع، ولا حكم قبل ورود الشرع، وله تعلُّق بالحاكم، وهو الشارع، وبالمحكوم عليه، وهو المكلف، وبالمحكوم فيه، وهو فعل المكلَّف.
ثم يقول: «وفي البحث عن الحاكم يتبيَّن أنْ «لا حكم إلَّا لله» وأنْ لا حكم للرسول، ولا للسيد على العبد، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه، لا حكم لغيره»(3).
ثم يعود إلى الحديث عن «الحاكم» وهو صاحب الخطاب الموجه إلى المكلَّفين، فيقول: «أمَّا استحقاق نفوذ الحكم؛ فليس إلَّا لمن له الخَلق والأمر، فإنَّما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلَّا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلَّا له، أمَّا النبي والسلطان والسيد والأب والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب من الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئًا، كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذن الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته»(4).
الملاحظة الثانية: أنَّ «الحاكميَّة» الَّتي قال بها المودودي وقطب، وجعلاها لله وحده، لا تعني أنَّ الله تعالى هو الَّذي يولِّي العلماء والأمراء، يحكمون باسمه، بل المقصود بها الحاكميَّة التشريعية فحسب، أمَّا سند السلطة السياسيَّة فمرجعه إلى الأمة، هي الَّتي تختار حكَّامها، وهي الَّتي تحاسبهم، وتراقبهم، بل تعزلهم. والتفريق بين الأمرين مهم، والخلط بينهما موهم ومضلِّل.
فليس معنى الحاكميَّة الدعوة إلى دولة ثيوقراطيَّة، بل هذا ما نفاه كل من سيد قطب والمودودي رحمهما الله.
أمَّا سيِّد قطب، فقال في «معالمه»:
«ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكميَّة في الأرض رجال بأعيانهم ـ هم رجال الدِّين ـ كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال فيما يعرف باسم «الثيوقراطيَّة» أو الحكم الإلٰهي المقدَّس! ولكنَّها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مردُّ الأمر إلى الله، وفق ما قرَّره من شريعة مبينة»(5).
وأمَّا المودودي، فقد أخذ بعض النَّاس جزءًا من كلامه وفهموه على غير ما يريد، ورتَّبوا عليه أحكامًا ونتائج لم يقل بها، ولا تتفق مع سائر أفكاره ومفاهيم دعوته، الَّتي فصَّلها في عشرات الكتب والرسائل والمقالات والمحاضرات. وهذا ما يحدث مع كلام الله تعالى وكلام رسوله، إذا أُخِذَ جزء منه معزولًا عن سياقه وسباقه، وعن غيره ممَّا يكمله أو يبينه أو يقيده، فكيف بكلام غيرهما من البشر؟
فقد ذكر المودودي خصائص الديمقراطيَّة الغربيَّة ثم قال: «وأنت ترى أنَّها ليست من الإسلام في شيء؛ فلا يصح إطلاق كلمة «الديمقراطيَّة» على نظام الدولة الإسلاميَّة، بل أصدق منها تعبيرًا كلمة «الحكومة الإلٰهية أو الثيوقراطيَّة».
ثم استدرك فقال: «ولكنَّ الثيوقراطيَّة الأوروبية تختلف عنها الحكومة الإلٰهية (الثيوقراطيَّة الإسلاميَّة) اختلافًا كليًّا، فإنَّ أوروبا لم تعرف منها إلَّا الَّتي تقوم فيها طبقة من السدنة مخصوصة يشرِّعون للناس قانونًا من عند أنفسهم(6)، حسبما شاءت أهواؤهم وأغراضهم، ويسلطون ألوهيتهم على عامَّة أهل البلاد متستِّرين وراء القانون الإلٰهي، فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمَّى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة الإلٰهية! وأمَّا الثيوقراطيَّة الَّتي جاء بها الإسلام، فلا تستبدُّ بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ، بل هي الَّتي تكون في أيدي المسلمين عامة، وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشؤونها؛ وفق ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله. ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لآثرت كلمة «الثيوقراطيَّة الديمقراطيَّة» أو «الحكومة الإلٰهية الديمقراطيَّة» لهذا الطراز من نظم الحكم؛ لأنَّه قد خوَّل فيها للمسلمين حاكميَّة شعبية مقيَّدة. وذلك تحت سلطة الله القاهرة، وحكمه الَّذي لا يُغلب.
ولا تتألَّف السلطة التنفيذيَّة إلَّا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشؤون الَّتي يوجد عنها في الشريعة حكم صريح، لا يقطع فيها بشيء إلَّا بإجماع المسلمين.
وكلَّما مسَّت الحاجة إلى إيضاح قانون أو شرح نصٍّ من نصوص الشرع، لا يقوم ببيانه طبقة أو أُسرة مخصوصة فحسب، بل يتولى شرحه وبيانه كل مَن بلغ درجة الاجتهاد من عامَّة المسلمين.
فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي «ديمقراطيًّا»(7).
فهذا ما يُفهم من مجموع كلام المودودي، وإن كان لنا تحفظ على تسميته الحكومة الإسلاميَّة «حكومة إلٰهيَّة» أو «ثيوقراطيَّة» لما فيه من إيهام التشابه بـ «الثيوقراطيَّات» المعروفة في التاريخ، وإن نفى هو ذلك.
الملاحظة الثالثة: أنَّ الحاكميَّة التشريعية الَّتي يجب أن تكون لله وحده، وليست لأحد من خَلقه، هي الحاكميَّة «العليا» و«المطلقة» الَّتي لا يحدها ولا يقيدها شيء، فهي من دلائل وحدانية الألوهيَّة.
وهذه الحاكميَّة ـ بهذا المعنى ـ لا تنفي أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به الله لهم؛ إنَّما هي تمنع أن يكون لهم استقلال بالتشريع غير مأذون به من الله، وذلك مثل التشريع الدِّيني المحض، كالتشريع في أمر العبادات بإنشاء عبادات وشعائر من عند أنفسهم، أو بالزيادة فيما شرع لهم باتِّباع الهوى، أو بالنقص منه كمًّا أو كيفًا، أو بالتحويل والتبديل فيه زمانًا أو مكانًا أو صورةً.
ومثل ذلك التشريع في أمر الحلال والحرام، كأن يحلوا ما حرَّم الله، ويحرِّموا ما أحل لله، وهو ما اعتبره النبي نوعًا من «الربوبيَّة» وفسَّر به قوله تعالى في شأن أهل الكتاب:﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ[التوبة: 31].
وكذلك التشريع فيما يصادم النصوص الصحيحة الصريحة؛ كالقوانين الَّتي تقرُّ المنكرات، أو تشيع الفواحش؛ ما ظهر منها وما بطن، أو تعطِّل الفرائض المحتَّمة، أو تلغي العقوبات اللازمة، أو تتعدَّى حدود الله المعلومة.
أمَّا فيما عدا ذلك فمن حقِّ المسلمين أن يشرعوا لأنفسهم؛ وذلك في دائرة ما لا نصَّ فيه أصلًا وهو كثير، وهو المسكوت عنه الَّذي جاء فيه حديث: «وما سكت عنه فهو عفْوٌ»(8)، وهو يشمل منطقة فسيحة من حياة الناس.
ومثل ذلك ما نصَّ فيه على المبادئ والقواعد العامة؛ دون الأحكام الجزئية والتفصيلية.
ومن ثَمَّ يستطيع المسلمون أن يشرعوا لأنفسهم بإذنٍ من دينهم، في مناطق واسعة من حياتهم الاجتماعيَّة والاقتصادية والسياسيَّة، غير مقيدين إلَّا بمقاصد الشريعة الكليَّة، وقواعدها العامة. وكلها تراعي جلب المصالح، ودرء المفاسد، ورعاية حاجات النَّاس أفرادًا وجماعات.
وكثير من القوانين التفصيلية المعاصرة لا تتنافى مع الشريعة في مقاصدها الكليَّة، ولا أحكامها الجزئية، لأنَّها قامت على جلب المنفعة، ودفع المضرة، ورعاية الأعراف السائدة.
وذلك مثل قوانين المرور أو الملاحة أو الطيران، أو العمل والعمال، أو الصحة أو الزراعة، أو غير ذلك ممَّا يدخل في باب السياسة الشرعيَّة، وهو باب واسع(9).
ومن ذلك تقييد المباحات تقييدًا جزئيًّا ومؤقَّتًا، كما منع سيدنا عمر الذبح في بعض الأيام، وكما كره لبعض الصحابة الزواج من غير المسلمات، حتَّى لا يقتدي بهم الناس، ويكون في ذلك فتنة على المسلمات.
والأستاذ المودودي ـ وهو أشهر من نادى بالحاكميَّة، وتشدَّد فيها ـ قد بيَّن في كلامه أنَّ للناس متسعًا في التشريع، فيما وراء القطعيات والأحكام الثابتة، والحدود المقرَّرة. وذلك عن طريق تأويل النصوص وتفسيرها، وعن طريق القياس، وطريق الاستحسان، وطريق الاجتهاد(10).
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم