من هـم دعـاة الفـتنـة؟

❓ من هـم دعـاة الفـتنـة؟

📅 2026-06-22 👁 157 مشاهدة

نص السؤال:

سمعت أحد المشايخ المشهورين يتحدَّث في مجمع من المجامع الحافلة، في إحدى الذكريات الإسلاميَّة، فكان ممَّا ذكره: أن يلقى المسلم الله مقصِّرًا في نصيحة أو رازحًا تحت ذنب، أهون من أن يلقى الله داعيًا إلى فتنة، فإنَّ الفتنة هي مجلبة الخراب، والفرقة على المسلمين.
وكان الشيخ يعرِّض في حديثه هذا ببعض الفئات الإسلاميَّة، الَّتي تدعو لإقامة دين الله في الأرض، والعودة به إلى قيادة الحياة والمجتمع، وقد انقسم النَّاس في شأن هذه الفئة، وقاومها بعض الحكَّام.
فهل أطمع أن تحدِّثني عن الفتنة ما هي، حتَّى لا أهوي في حضيضها من حيث لا أدري، ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ[البقرة: 217]. فقد فهمت من هذا الكلام أنَّ كل دعوةٍ تسبِّب اخـتلاف النَّاس عليها، وخصومة بعضهم لها، ولا تجتمع عليها الكلمة، وتتحد الصفوف، إنَّما هي فتنة يُستعاذ بالله من شرِّها؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لو كانت الفتنة كما فهمت وكما خطر في بالك؛ لكان رسل الله عليهم الصلاة والسلام هم أوَّل دعاةِ الفتنة، ومؤجِّجي نيرانها؛ فقد كانوا يواجهون مجتمعات راكدة، متحدة على الباطل، مؤتلفة على الضلال، متعاونة على الإثم، تعبد آلهة اصطلحت عليها ورضيت بها، شبَّ على تقديسها الصغير، وهرم عليها الكبير، وورثها الخلف عن السلف، والأبناء عن الآباء، حتَّى بُعث فيهم رسولٌ من عند الله، فإذا هو يسفِّه أحلامهم، ويعيب آلهتهم، ويستحمق آباءهم وأجدادهم، ويرميهم بالضلال والفسوق والصمم والعمى؛ وإذا في القوم من يؤمن بالدعوة الجديدة، ويفديها بروحه ومهجته، ويحميها بنفسه وما ملكت يداه، وإذا آخرون يصرُّون على عقائدهم الموروثة وآلهتهم المزعومة، لا يبغون عنها حولًا، ولا يرضون بها بدلًا؛ وإذا الفريقان يختصمون، بل يتقاتلون.
هكذا حدَّثنا الله تعالى عن صالح فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ[النمل: 45]. فهل كان نبيُّ الله صالح 0 : داعيًا إلى فتنة؛ حين جعل قومه فريقين يختصمون، بعد أن كانوا فريقًا واحدًا على الباطل؟!
ولقد قال المسيح 0 : فيما رواه الإنجيل: «ما جئتُ لألقي على الأرض سلامًا بل سيفًا، جئتُ لأفرِّق الابن ضدَّ أبيه، والمرأة ضدَّ زوجها، والكَنَّة ضدَّ حماتها»(1). إلخ ما جاء في إنجيل مَتَّى.
فهل المسيح عيسى ابن مريم ـ رُوح الله وكلمته ـ داعية إلى فتنة، حين فرَّقت دعوته بين أبناء الأسرة الواحدة؟!
وقال الله تعالى في كتابه الخالد المنزل على خاتم رسله:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ[التوبة: 23]، ويقول:﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[المجادلة: 22].
ولقد قال مشركو قريش عن محمد: إنَّه ساحر، أَمَا رأيته يفرِّق بين المرء وزوجه، والمرء وأبيه، والمرء وأخيه، والمرء وولده؟!
فهل كان محمد داعية إلى الفتنة؛ يوم هزَّ المجتمع المتحد على الوثنيَّة، فجعل منهم مسلمين ومنهم كافرين؟ خصمين اختصما في ربِّهم، وعادى بعضهم بعضًا، وقاتل بعضهم بعضًا، حتَّى كان الأخ يقاتل أخاه، بل الولد أباه؟!
الجواب: لا، ثم لا.
فما الفتنـة إذن؟
الفتنة ـ كما ذكرت في كتاب الله ـ هي الاختبار والابتلاء، وأصلها من: فتن الذهب إذا وضعه على النار، ليعرف زيفه من صحيحه، ثم استعملت في الابتلاء والاضطهاد والتعذيب بصفة عامة، كما قال تعالى في أصحاب الأخدود: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]. وقد جعل القرآن فتنة المرء عن دينه أشد وأكبر من قتله، لهذا ردَّ على الذين استنكروا وقوع القتال في الشهر الحرام؛ بأنَّهم اقترفوا ما هو أشنع منه وأعظم: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِد ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217].
فجعل الاعتداء على عقيدة الإنسان أكبر من الاعتداء على نفسه.
كما جعل القرآن فتنة المؤمن في دينه، وابتلاءه من أجل عقيدته سنة مطَّردة لا تتخلف، ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا[الأحزاب: 62]. وفي ذلك يقول الله تعالى معزيًا للمؤمنين عما نزل بهم من البلاء، وما أصابهم من البأساء والضراء:﴿الٓمٓ ١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ[العنكبوت: 1 ـ 3].
وأنكر على الذين تزلزلهم الفتن، فتخور قواهم، وتنهار عزائمهم، فقال تعالى:﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌۭ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَٰلَمِينَ[العنكبوت: 10].
أصحاب الفتنة إذن هم الذين يعذِّبون المؤمنين والمؤمنات، ويضطهدون الدعاة إلى الله لا إلى الطاغوت، وإلى الإسلام لا إلى الجاهليَّة، وإلى النجاة لا إلى النار!
أصحاب الفتنة هم موردو العقائد الدخيلة، والمبادئ الهدامة لديار الإسلام، وهم صانعو الفتن الظالمة المظلمة، الَّتي تنبَّأ بها وحذَّر منها رسول الله حين قال: «بادروا بالأعمالِ فتنًا كقِطَعِ الليلِ المظلم، يصبح الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دِينَه بعَرَضٍ من الدنيا»(2).
أليس أولى ما تنطبق عليه الفتنة المذكورة في هذا الحديث هي «الماركسيَّة» المضلِّلة الكافرة، الَّتي تزعم أنَّ الدين أفيون الشعوب، وأنَّ المادة هي كل شيء في الوجود؟! ودعاة «العِلمانيَّة» الَّتي توجب عزل الدين عن الحياة والمجتمع؟! أليس دعاة هذه الماركسية والعلمانيَّة هم دعاة الفتنة الواقفين على أبواب جهنم، يجرُّون النَّاس إليها جرًّا، كما ورد ذلك في حديث حُذَيْفة 3 .
كان حُذَيْفة بن اليَمَان من بين الصحابة متخصِّصًا في معرفة المنافقين، وتتبع أخبار الفتن الَّتي ستصيب المسلمين، وقد روى الشيخان بسنديهما إليه هذا الحديث العجيب: قال حُذَيْفة 3 : كان النَّاس يسألون رسولَ اللهِ عن الخير وكنتُ أسأله عن الشرِّ مخافة أن يُدْرِكَني، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في جاهليَّة وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال: «نعم»، قلتُ: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَن»، قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: «قومٌ يستنُّون بغير سُنَّتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر»، قلتُ: فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال: «دعاةٌ على أبواب جهنَّم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلتُ: يا رسولَ الله، صِفْهم لنا. قال: «هم من جِلْدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتِنا»(3).
وفي حديثٍ له عند أبي داود قال: قلتُ: بعد هذا الخير شرٌّ؟ قال: «فتنةٌ عمياءُ صمَّاء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن مِتَّ يا حُذَيْفة وأنت عاضٌّ على جِذْلٍ ـ جذع شجرة ـ خير لك من أن تتَّبع أحدًا منهم»(4).
وأخيرًا أقول: دعاة الفتنة كذلك هم علماء السوء: علماء الدنيا، الذين رضوا بأن يمشوا في ركاب الظلمة، ويحرقوا البخور بين أيدي الطغاة، ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه، ويطوِّعوا القرآن لأهواء الحكام، ونسوا قول الله العظيم:﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ[هود: 113].
ورحم الله الحسن البصري الَّذي قال: من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحبَّ أن يُعصى الله في أرضه(5)! وكل من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم.
وقد جاء الحديث في وصف هؤلاء العلماء ـ علماء السلطان ـ بأنَّهم «يختلون الدُّنيا بالدِّين، ويلبسون جلودَ الضأن من اللِّين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب»(6).
فإن قلتَ: وما علاج هذه الفتن، ما ظهر منها وما بطن؟!
قلت: سأل هذا السؤال قديمًا سيدنا عليُّ بن أبي طالب 3 ، فقد روى الترمذي عنه أنَّ رسولَ الله قال: «سيكونُ بعدي فتنٌ كقِطَعِ الليلِ المظلم». قال عليٌّ: قلت: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتابُ الله، فيه نبأُ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصْلُ ليس بالهزل، من تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهُدَى في غيره أضلَّه الله، هو حبل الله المتين، ونورُه المبين، والذِّكْر الحكيم، وهو الصِّراط المستقيم، وهو الَّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسـنةُ، ولا تتشـعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملُّه الأتقياء، ولا يَخْلَقُ على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الَّذي لم تنتهِ الجنُّ إذ سمعته أن قالوا: إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا! من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم»(7).
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم