2026-06-22
173
حول دخول مسلمي الأرض المحتلة في الكنيست
هل يجوز لمسلمي الأرض المحتلَّة دخول الكنيست الإسرائيلي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إنَّ (إسرائيل) في النظر الشرعي الإسلامي: كيان دخيل على المنطقة، فرض نفسه عليها بقوة الحديد والنار، وسفك الدماء، وتفريغ البلاد من أهلها بالرعب والإرهاب، ممَّا زرع في دار الإسلام دولة غريبة مناقضة لأهداف الأمة، معادية لأهلها، فهي بمثابة عضو غريب على الجسم العربي والإسلامي، فهو مرفوض من سائر أجزاء الجسم.
وفرض على أهل فلسطين خاصَّة فرضًا عينيًّا، وعلى المسلمين عامة: أن يقاوموا هذا الكيان العدواني المغتصب الدخيل، وأن يجاهدوا لطرده بالأنفس والأموال، ولا يهنوا في ابتغاء ذلك؛ مهما كلَّفهم من جهد ومشقة،﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[النساء: 104].
﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[آل عمران: 146].
وقد واجه المسلمون في تاريخهم الطويل كثيرًا من المعتدين، ولكنَّهم لم يواجهوا مثل هذا العدوان الصهيوني في أهدافه ولا في وسائله.
فقد كان المعتدون السابقون من الكفار والصليبيين وغيرهم يكتفون باحتلال الديار، ولكنَّهم يبقون أهلها فيها، وحسبهم أن يحكموها، ويسيطروا عليها.
أمَّا هؤلاء فإنَّهم أرادوا تفريغ الأرض من أهلها، ليسكنوها بعدهم، ويقيموا فيها دولتهم الظالمة، وهذا ما فعلوه، وتفوقوا بذلك على الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، حيث لم يفرغ الأرض من سكانها الأصليين.
وأمَّا وسائلهم، فتحدث عنها مجازر العصابات الصهيونية في قرى فلسطين، في دير ياسين وغيرها.
ومن هنا يكون الموقف الشرعي من الكيان الصهيوني هو الرفض القاطع، والمقاومة المستميتة، والجهاد الدائم، حتَّى يحق الله الحق، ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون.﴿وَقَاتِلِواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ١٩٠ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾[البقرة: 190، 191].
ويترتب على ذلك: أنَّ كل تعامل يعطي لهذا الكيان المغتصب حق الوجود، أو يمنحه حق البقاء والاستمرارية أو يوحي بأنَّ لهؤلاء المعتدين أي سلطان شرعي بأي صورة من الصور، على أرض فلسطين، هو تعامل باطل، وكل ما نشأ عن الباطل فهو باطل، فضلًا عمَّا يخشى أن يحمل شيئًا من الركون إلى الذين ظلموا، أو الولاء للذين يحادون الله ورسوله، ويحاربون الإسلام والمسلمين.
ومن أجل ذلك يجب شرعًا رفض السلام مع الصهاينة المغتصبين للأرض، المشردين لأهلها، السافكين لدمائهم، فهذا ليس بسلام، وإنَّما هو وهن واستسلام، والله تعالى يقول:﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ﴾[محمد: 35].
وفي ضوء هذه الحقائق: ننظر فيما سأل عنه الإخوة في فلسطين المحتلة سنة (1948م) عن جواز دخولهم في برلمان الدولة اليهودية (الكنيست) حيث يرى بعضهم أنَّ هذا يحقِّق لهم مكاسب ومصالح لجماعتهم، ويشد أزرهم في مواجهة الدولة، إلى آخر ما يقال في هذا المجال.
وربما كان هذا الاعتبار ـ تحقيق مصالح معينة ـ واردًا على الذهن لأول وهلة، وهو ما جعلني أقول شفاهة منذ مدة لمن سألني من الإخوة عن هذا الأمر: إنَّ هذا يخضع لفقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، وهو فقه أساسي في باب السياسة الشرعيَّة.. ما إذا كانت مصالح الجماعة المسلمة في دولة الكيان الصهيوني، وما تجنيه من مكاسب للمجموع: أكبر وأرجح في الميزان من المفاسد والمضار الماديَّة والمعنويَّة، الَّتي تترتب على الدخول في برلمان العدو (الكنيست) جاز لنا أن نرجِّح الدخول؛ سببًا إلى تلك المصالح والمكاسب.
ولكنَّ الَّذي تبيَّن لي، بعد تقليب أوجه النظر، وتعميق البحث في القضية، والنظر في ملابساتها المختلفة: أنَّ الموقف الصحيح ـ من الوجهة الشرعيَّة ـ يقتضي رفض الدخول في برلمان العدو الصهيوني (الكنيست) لما يوحي به ذلك من اعتراف ضمني بحقهم في الوجود، أو البقاء على الأرض المغتصبة. وهو ما يجب تأكيد نفيه باستمرار، ومعارضته على الدوام.
ولا يجوز لنا ـ نحن أصحاب الدار ـ أن نسلِّم للمعتدين بما اغتصبوا من أرض، ولا أن نتصرَّف تصرفًا يشعر بذلك، مهما طال المدى، فإنَّ مضي الزمن لا يحيل الباطل حقًّا، ولا يجعل الحرام حلالًا.
والمنطق الَّذي رفضنا به السلام المزعوم، هو الَّذي نرفض به المشاركة في برلمان القوم.
على أنَّنا لو نظرنا إلى الأمر بمعيار المصلحة نظرة إمعان وتدقيق، في ضوء فقه الموازنات، لوجدنا أنَّ المصلحة الحقيقة ـ لا المتوهمة ـ والمصلحة البعيدة المدى ـ لا القصيرة الأمد ـ والمصلحة الشاملة لكل الشعب الفلسطيني ولقضيته، ومصلحة الجهاد واستمراره، ومصلحة الدعوة الإسلاميَّة وتغلغلها: كلها تحتِّم منابذة القوم، والتعامل معهم على أنَّهم دخلاء غاصبون، أو لصوص سارقون، وبذلك يعيشون منبوذين في ضمير الشعب، مرفوضين من أبنائه، فاقدي الشرعيَّة في فكرهم ووجدانهم، وفي هذا خسارة معنويَّة كبيرة على العدو، وكسب معنوي عظيم لنا، يضاف إلى رصيدنا في المقاومة والصمود.
والقواعد الفقهيَّة تقرِّر عند الموازنة بين المفاسد والمصالح، أو بين المصالح بعضها وبعض: أنَّ درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وأنَّ المصلحة الكليَّة مقدَّمة على المصلحة الجزئية، وأنَّ المصلحة العامة مقدَّمة على المصلحة الخاصة، وأنَّ المصلحة الطويلة الأمد مقدَّمة على المصلحة القصيرة الأمد.
وعلى هذا يحرم الاشتراك في برلمان العدو ومؤسساته المماثلة، إلَّا ما اقتضته ضرورة معينة، فلها أحكامها الخاصة، وهي تقدَّر بقدرها، ولا يتوسع فيها، حتَّى لا يصبح الاستثناء أصلًا.
وعلى أبناء فلسطين جميعًا، أن يستمسكوا بحقهم، ويعضوا عليه بالنواجذ، صابرين مصابرين مرابطين، كما قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[آل عمران: 200]. وأن يدعو الله بما دعاه به المؤمنون من أصحاب طالوت:
﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾[البقرة: 250]. اللهمَّ آمين.