وجوب تأييد الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، وإبقاء الدستور، ودعوة...

❓ وجوب تأييد الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، وإبقاء الدستور، ودعوة السيسي ومن معه للانسحاب حفاظًا على الشرعيَّة والديمقراطيَّة

📅 2026-06-22 👁 163 مشاهدة

نص السؤال:

هذه فتوى أُصدرها للشعب المصري بكل فئاته ومكوناته، يشاركني فيها كثير من علماء الأزهر في مصر، وعلماء العالم العربي والإسلامي، وعلماء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الَّذي أتشرف برئاسته.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا محمد رسول الله، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وأصحابهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه فتوى أُصدرها للشعب المصري بكل فئاته ومكوناته، ممَّن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا ومنهاجًا، وبمحمد نبيًّا ورسولًا، وجعل الشريعة الإسلاميَّة ـ بشمولها وتكاملها وتوازنها ووسطيتها ـ مرجعًا له، حين تلتبس الأمور، وتتعقَّد المشكلات، ويتجه النَّاس يمينًا وشمالًا، فلا يجد النَّاس أفضل، ولا أصفى من كتاب الله وسنة رسوله،﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ[النور: 40].
وخلاصة فتواي الَّتي يشاركني فيها كثير من علماء الأزهر في مصر، وعلماء العالم العربي والإسلامي، وعلماء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الَّذي أتشرف برئاسته: أنَّ المصريين عاشوا ثلاثين سنة ـ إن لم نقل ستين سنة ـ محرومين من انتخاب رئيس لهم، يسلِّمون له حكمهم باختيارهم، حتَّى هيَّأ الله لهم، لأول مرَّة رئيسًا اختاروه بأنفسهم وبمحض إرادتهم، وهو الرئيس محمد مرسي، وقد أعطوه مواثيقهم وعهودهم على السمع والطاعة في العسر واليسر، وفيما أحبُّوا وما كرهوا، وسلمت له كل الفئات من مدنيِّين وعسكريِّين، وحكَّام ومحكومين، ومنهم الفريق أوَّل عبد الفتاح السيسي، الَّذي كان وزير الدفاع والإنتاج الحربي في وزارة هشام قنديل، وقد أقسم وبايع أمام أعيننا على السمع والطاعة، للرئيس مرسي، واستمر في ذلك السمع والطاعة حتَّى رأيناه تغيَّر فجأةً، ونقل نفسه من مجرد وزير إلى صاحب سلطة عليا، علَّل بها أن يعزل رئيسه الشرعي، ونقض بيعته له، وانضم إلى طرف من المواطنين، ضدَّ الطرف الآخر، بزعم أنَّه مع الطرف الأكثر عددًا.
وقد أخطأ الفريق السيسي ومن وافقه في هذا التوجه، من الناحية الدستوريَّة، ومن الناحية الشرعيَّة.
أمَّا الناحية الدستوريَّة، فإنَّ الرئيس المنتخب انتخابًا ديمقراطيًّا، لا جدال ولا شكَّ فيه، يجب أن يستمرَّ إلى انتهاء مدَّته المقرَّرة له، وهي أربع سنوات، ما دام قادرًا على عمله، لم يصبه ما يعوقه تعويقًا دائمًا عن العمل.
وإذا كان له أخطاء، قد اعترف بها هو شخصيًّا، فإنَّ على الشعب وقواه السياسيَّة المختلفة أن يصحِّح له أخطاءه، وينصح له، ويصبر عليه، ولكنَّه يظل رئيسًا للجميع.
أمَّا أن يخرج جماعة عن طاعة الرئيس، ويعطوا لأنفسهم سلطة على الشعب، ويعزلوا الرئيس ويبطلوا الدستور، ويفرضوا رئيسًا آخر، ودستورًا آخر، فإنَّه عمل يصبح كله باطلًا؛ لأنَّهم أوجدوا سلطة لم يؤسِّسها الشعب، بل نقضوا عهد الله، وعهد الشعب، وأبطلوا ما قامت به ثورة عظيمة قام بها الشعب كله، وأقامت هذا النظام الديمقراطي، الَّذي حلم به الحالمون دهورًا، وضحَّت الجماهير من أجله سنين وسنين، حتَّى وصلت إليه. لهذا يرفض الدستور والنظام الديمقراطي كل ما أُعلن من إجراءات غير دستوريَّة.
وأمَّا من الناحية الشرعيَّة، فإنَّ الشرع الإسلامي الَّذي يريده أهل مصر مرجعًا لهم في دولة مدنيَّة، لا دولة دينيَّة ثيوقراطيَّة، يوجب على كل من آمن به ورجع إليه؛ طاعة الرئيس المنتخب شرعًا، وتنفيذ أوامره، والاستجابة لتوجيهاته، في كل شؤون الحياة وذلك بشرطين:
الشرط الأول: ألَّا يأمر الشعب بمعصية ظاهرة لله، بيِّنة للمسلمين. وهذا ما صحَّت به الأحاديث النبويَّة المستفيضة الَّتي رواها البخاري ومسلم وغيرهما:
«اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ، كأنَّ رأسَه زبيبة»(1).
«من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبرْ، فإنَّه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبرًا، فيموت، إلَّا مات ميتة جاهليَّة»(2) عن ابن عبَّاس.
«السمعُ والطاعة حقٌّ على المرء المسلم، فيما أحبَّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»(3) عن ابن عمر.
«إنَّما الطاعةُ في المعروف»(4) عن عليٍّ.
وهو تأكيد لما أشار إليه القرآن حين قال عن بيعة النساء:﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍۢ[الممتحنة: 12].
ولم يثبت في واقعة واحدة: أنَّ الرئيس محمد مرسي أمر مواطنًا واحدًا بمعصية ظاهرة لله تعالى، بل ما نراه من مظاهرات وتفاعلات في ميدان التحرير، هو من حسنات محمد مرسي.
والشرط الثاني: ألَّا يأمر الشعب بأمر يخرجهم به عن دينهم، ويدخلهم في الكفر البواح، ويعني به: الكفر الصريح، الَّذي لا يحتمل الشك والجدال، وهو ما جاء في حديث عبادة 3 : بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألَّا ننازع الأمر أهله، قال: «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان»(5).
ومن هنا نتبيَّن بيقين: أنَّ الرئيس الشرعي مرسي لم يأمر بمعصية، ولم يرتكب كفرًا بواحًا، بل هو رجل قرآني صوامٌ قوامٌ، حريص على طاعة الله تعالى.
فالواجب أن يظلَّ رئيسًا، ولا يجوز لأحدٍ أن يدَّعي على الشعب أنَّ له الحق في خلعه.
وادعاء الفريق السيسي أنَّه قام بهذا من أجل مصلحة الشعب، ومنعًا لانقسامه إلى فريقين، لا يبرِّر له أن يؤيد أحد الفريقين ضد الفريق الآخر.
ومن استعان بهم الفريق السيسي لا يمثلون الشعب المصري، بل جزءًا قليلًا منه. فالإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب رئيس هيئة كبار العلماء ـ وأنا أحدهم ـ لم يستشرنا، ولم نفوِّضه ليتحدَّث باسمنا، وهو مخطئ في تأييده الخروج على الرئيس الشرعي للبلاد، وهو مخالفٌ لإجماع الأمة، ولم يستند في موقفه إلى قرآن ولا إلى سنة، بل كل القرآن والسُّنَّة مع الرئيس مرسي، وخالف علماء الأمة الإسلاميَّة الذين لا يبيعون علمهم من أجل مخلوق كان. كل ما قاله الطيب: ارتكاب أخفِّ الضررين. ومن قال: أنَّ خلع الرئيس الشرعي، ورفض الدستور الَّذي وافق عليه نحو ثلثي الشعب، وإدخال البلاد في متاهة ـ لا يعلمها إلَّا الله ـ هو أخف الضررين، بل هو الضرر الأكبر الَّذي حذَّر منه القرآن الكريم وأحاديث الرسول، وأقوال علماء الأمة.
ليت الدكتور الطيب يتعامل مع الدكتور مرسي كما تعامل من قبل مع حسني مبارك! فلماذا يكيل بمكيالين؟ فهذا تخريب لدور الأزهر، الَّذي يقف دائمًا مع الشعب، لا مع الحاكم المستبد.
وأمَّا البابا تواضروس، فلم يوكِّله الأقباط، ليتحدَّث باسمهم، وقد كان منهم من شارك مع حزب الحرية والعدالة والأحزاب الإسلاميَّة.
وأمَّا البرادعي فلم توكِّله جماعة الإنقاذ، وليس معه إلَّا حفنة قليلة من الأفراد، ولا تدعي القوى المعارضة أنَّه يمثلها.
وأمَّا من تحدَّث باسم «حزب النور»، فإنَّما يمثِّل مجموعة قليلة معروفة من الأفراد، وكل السلفيين، والجماعة الإسلاميَّة، والأحزاب الوطنية الحرة، والأفراد الشرفاء ضد هذا التوجه، الَّذي يوشك أن يودي بالبلاد، وحقوق العباد، إلى ما لا تحمد عقباه.
إنَّني أنادي الفريق السيسي ومن معه بكل محبة وإخلاص، وأنادي كل الأحزاب والقوى السياسيَّة في مصر، وأنادي إخواني من علماء العالم، وكل طلاب الحرية والكرامة والعدل، أن يقفوا وقفة رجل واحد، لنصرة الحق، وإعادة الرئيس مرسي إلى مكانه الشرعي، ومداومة نصحه، ووضع الخطط المعالجة والبرامج العمليَّة، الَّتي تحفظ علينا حريتنا وديمقراطيتنا، الَّتي كسبناها بدمائنا، ولا يجوز أبدًا أن نفرِّط فيها.
إنَّ حسني مبارك ظل ثلاثين عامًا يفسد في البلاد، ويذل العباد، ويسرق الأموال، ويهربها للخارج، ويستأجر البلطجية ليحموا رجاله، إلى آخر ما يعرفه النَّاس من ألوان الطغيان والفساد، حتَّى سلَّم البلاد لمن بعده خرابًا تمامًا، ومع هذا لم يعزله الجيش، وإنَّما ترك له أن يوكِّل هو الجيش ليتولَّى الأمر من بعده، أفنصبر على حسني مبارك ثلاثين سنة، ولا نصبر على محمد مرسي سنة واحدة؟ إنَّ العيب ليس في النظام الديمقراطي، إنَّما العيب فيمن يطبِّقونه، وإصلاحه أن نعمل به لا أن نهدمه من أساسه.
حرام على مصر أن تفعل هذا، وأن تفرِّط في دستورها، وفي رئيسها المنتخب، وفي شريعة ربها، فليس وراء ذلك إلَّا مقت الله ونكاله،﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ[إبراهيم: 42].
إنِّي أنادي من أعماق قلبي الشعب المصري كله، الَّذي أحبه وأفتديه، ولا أريد منه جزاءً ولا شكورًا، إنَّما أريد وجه الله وحده. أناديه في الصعيد والوجه البحري، وفي المدن والقرى، وفي الصحاري والأرياف، أناديه رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، وأغنياء وفقراء، وموظفين وعمالًا، ومسلمين ومسيحيين، وليبراليين وإسلاميين، ليقفوا جميعًا في صفٍّ واحد، للحفاظ على مكتسبات الثورة: على الحرية والديمقراطيَّة، والتحرر من كل ديكتاتورية، ولا نفرط فيها لحاكم مستبد، عسكريًّا كان أو مدنيًّا، فهذا ما وقعت فيه بعض الأمم، ففقدت حريتها، ولم تعد إليها إلَّا بعد سنين، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
اللهم احرس مصرنا واحفظ شعبنا، ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا. آمين.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم