رئاسة غير المسلم للدولة المسلمة

❓ رئاسة غير المسلم للدولة المسلمة

📅 2026-06-22 👁 147 مشاهدة

نص السؤال:

سماحة العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
هل يجوز شرعًا السماح لغير المسلم أن يرشح نفسه لرئاسة الدولة في مصر، على أساس أن يكون الترشيح لأكثر من مرشح مصري، ويكون تحديد رئيس الدولة بالانتخابات الحرة النزيهة من بين أكثر من مرشح، تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليها في الدستور.
وهذه الشروط هي:
1 ـ أن يكون مصريًّا من أبوين وجدين مصريين.
2 ـ أن يكون متمتعًا بحقوقه المدنيَّة والسياسيَّة.
3 ـ ألَّا يقل سنه عن 35 سنة ميلادية.
4 ـ ألَّا يكون منتميًا إلى الأسرة الَّتي كانت تتولى الملك في مصر.
ولكم خالص الشكر والتقدير.
د. عبد المنعم أبو الفتوح
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فالرئاسة العامة ـ أو رئاسة الدولة ـ في شريعة الإسلام، ليست مجرَّد منصب دنيوي، يصلح له أي شخص، بل هو منصب ديني ودنيوي معًا، يجمع بين ما يسمَّى بـ «السلطة الروحيَّة» و«السلطة الزمنيَّة».
ولهذا يعرِّف علماء المسلمين الخلافة أو الإمامة العظمى بأنَّها: نيابة عن رسول الله في إقامة الدين، وسياسة الدُّنيا به.
ولهذا كان الاسم الإسلامي المصطلحي لرئيس الدولة في الإسلام: «الإمام» وهو مأخوذ من «إمامة الصلاة» والمفروض في رئيس المسلمين أن يكون إمامهم في الصلاة، كما يكون قائدهم في الحرب، وقاضيهم في الفصل بين الناس. فالإمامة في الصلاة هي الإمامة الصغرى، والرئاسة هي «الإمامة العظمى».
ولمَّا اختار النبي أبا بكر، ليخلفه في إمامة الناس، والصلاة بالمسلمين: اعتبر الصحابة هذا بمثابة الترشيح لأبي بكر؛ ليتولى قيادتهم في السياسة والحكم. ولهذا قالوا: رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا(1)؟!
وهذا ما جعل المسلمين يجمعون ـ بكل مذاهبهم ومدارسهم وفرقهم ـ على أن يكون الإمام مسلمًا؛ ليؤمَّهم في الصلاة، ويقودهم في السياسة، ويحكمهم بشريعة الله، ويعمل على تبليغ دعوة الله إلى الناس.
وليس من المنطق في شيء: أن يحمل غير المسلم هذه الأعباء، الَّتي تتنافى مع دينه وعقيدته الَّتي يؤمن بها. فإمَّا أن يتنازل عن دينه، وينزل على حكم دين المسلمين وشريعتهم، وإمَّا أن يتنازل المسلمون عن دينهم وشريعة ربهم، الَّتي افترض عليهم أن يحكِّموها في حياتهم، فرضًا لا خيار لهم فيه، بمقتضى عقد الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۭا مُّبِينًۭا﴾ [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47].
ولم يكتفِ علماء المسلمين في اشتراط الإسلام لإمامهم ورئيسهم، بل اشترطوا فيه العدالة. ويعنون بالعدالة: الالتزام والتقيد بأحكام الإسلام: عقيدةً وعبادةً ومعاملةً، فلا يترك فريضة، ولا يرتكب كبيرة، ولا يصرُّ على صغيرة. بحيث يكون من أهل الاستقامة، من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
بل اشترط علماء الأمة: أن يكون الإمام عالمًا بأحكام الإسلام، بالغًا درجة «الاجتهاد» حتَّى يستطيع أن يجري أمور السياسة الداخلية والخارجية وفق أحكام شريعة الإسلام؛ وإن جوَّزوا في العصور الأخيرة ـ نزولًا على حكم الضرورة ومراعاة الواقع ـ أن يكون عالمًا مقلِّدًا، ويستشير المجتهدين.
ولهذا نصَّت دساتير البلاد الإسلاميَّة أوَّل ما استقلت، على مادة يوجبها الشرع، ويوجبها المنطق، وهو: أن يكون دين الدولة الإسلام. وهذا ما نصَّ عليه دستور (1923) في مصر، وغيره من الدساتير.
وهذا يوجب أن يكون رئيس الدولة مسلمًا. وهذا أمر مسلَّم به لدى الجميع، مسلمين وغير مسلمين. فلم يطالب أحد من المسيحيين في مصر أو في سوريا أو في العراق، أو غيرها من البلدان: أن يكون رئيسًا للدولة. ولا كَوَّن هذا أي حساسية أو مشكلة لدى أي أقليَّة غير مسلمة في بلد إسلامي.
وفي اعتقادي: أنَّه حتَّى لو حذف شرط الإسلام من رئيس الدولة، فلا يتصور أن يرشح غير مسلم نفسه لهذا المنصب، وإن سمح له الدستور بذلك؛ لأنَّ الواقع أنَّ المسلمين عامَّة، وكثيرًا من أهل ملَّته أنفسهم لن ينتخبوه.
والأولى أن تضبط الأمور في الدستور، ولا تترك لتثير بلبلة أو فتنة، ما أغنى النَّاس عنها!
واللهُ وليُّ التوفيق.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم