2026-06-22
135
الأقليَّة المسلمة في الهند بين التعايش السلمي والردِّ بالمثل
في جمهوريَّة الهند نشأت فئة من الأمة المسلمة تنادي بدعوى الدفاع عن الأقليَّة المسلمة في الهند، داعيةً الأمة إلى الانضمام إليها؛ من أجل ردِّ عدوان الهندوسيين الفاشيِّين على المسلمين، واستخدام الأسلحة ضدهم.
ويقلِّل هؤلاء من شأن الجماعات المسلمة المعتدلة؛ مثل الجماعة الإسلاميَّة الهندية، الَّتي تلتزم بمنهج السلم والحوار والمصالحة مع غير المسلمين، وتقوم بتبليغ رسالة الإسلام إليهم عبر وسائل مسموح بها، مستغلة أجواء الديمقراطيَّة والعلمانيَّة السائدة في الهند.
فالسؤال يا فضيلة الشيخ: هل يجوز استخدام الأسلحة ضد الخصوم المسلَّحين في بلد مثل الهند، حيث إنَّه يؤثِّر سلبًا على الدعوة الإسلاميَّة وإن 90 % من الهندوسيين لا يعرفون شيئًا عن الإسلام، مع أنَّهم لا يعتبرون المسلمين أعداءً لهم، بل أكثرهم يدافعون عن حقوق الأقليَّة المسلمة، ويعارضون مواقف الهندوسيين المتعصبين، وخير دليل على ذلك سقوط الحزب الهندوسي المتطرِّف في الانتخابات الأخيرة. وأمَّا الذين يهاجمون المسلمين فهم لا يمثلون إلَّا نسبة قليلة منهم. فنخشى أنَّ استخدام الأسلحة من قبل المسلمين لردِّ العدوان سيفقد المسلمين تعاطف الجمهور معهم، ويؤثِّر سلبًا على مستقبل الإسلام والمسلمين. كما نرى أنَّ ظروف منع القتال في المرحلة المكية تنطبق على ظروفنا هذه في الهند. ما رأيكم في هذه القضية؟
نرجو البيان بما عهد عنكم، من سعة العلم وقوة الحجة.. وفقكم الله.
أخوكم
د. عبد السلام أحمد
وكيل الجامعة الإسلاميَّة بكيرالا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ من الخطأ الكبير: أن توضع الوقائع والأحداث في غير موضعها، وأن يستدلَّ على صوابها بأحكام ونصوص لم تُسق لها، بل سيقت لغيرها؛ وهو نوع من تحريف الكَلِم عن مواضعه الَّذي ذمَّه القرآن، وانتقده على اليهود والنصارى.
ومن ذلك: أن يستخدم بعض المسلمين السلاح أو القوة العسكرية في غير موضعها، ظانِّين أنَّ هذا من الجهاد الَّذي فرضه الله على المسلمين؛ باعتبار أنَّهم يدافعون عن أنفسهم ضدَّ قوات ظالمة وطاغية، تريد أن تسحقهم وتذلهم، ولا تبقي لهم من باقية، وقد قال تعالى:﴿وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾[البقرة: 190].
ونسي هؤلاء الإخوة المتدينون سليمو النية: أنَّ استخدام القوة العسكرية لقتال الخصوم، له شروطه وقواعده الَّتي يجب أن تُراعى:
أولًا: لا بدَّ لاستخدام القوة: أن يكون ذلك من عمل الجماعة؛ ولذا قال فقهاؤنا: لا جهاد إلَّا بإذن الإمام. وذلك حتَّى لا يصبح الأمر فوضى، ويعلن الحرب كل من شاء، ولا يبالي ما يصيب المجتمع والأمة من خسائر وويلات.
فإذا لم يكن هناك إمام ولا دولة للمسلمين، فلا بدَّ أن يكون للمسلمين جماعة من أهل الحل والعقد، يرجعون إليهم في أمور السلم والحرب، والأمن والخوف، وتكون هذه الجماعة بمثابة الإمام في حال غيابه.
أمَّا أن تجعل كلُّ مجموعة من نفسها هي الإمام، وتعطي لنفسها سلطة الإمام، وتعلن القتال أو لا تعلن، فهذا ما لا يقبله فقيه مسلم.
ثانيًا: إنَّ من يقاتل لا بدَّ أن يملك القوة اللازمة للقتال والمواجهة: من العدد والعدة، ومن الأسلحة المناسبة لحجم العدو وقدراته. ولهذا أجاز فقهاء المسلمين للمقاتلين أن يفروا في مواجهة أعدائهم إذا كانوا أكثر من ضعفهم؛ لأنَّ الله لم يكلِّفهم أن يقتلوا أنفسهم، أو يلقوا بأيديهم إلى التهلكة.
وهذا ما جعل خالد بن الوليد والصحابة معه، ينسحبون من مواجهة الروم في معركة مؤتة؛ إذ كانوا أضعاف أضعافهم. وقد اتهم بعض المتحمسين خالدًا والصحابة معه، وقالوا لهم حين رجعوا إلى المدينة: يا فُرَّار! فردَّ عنهم النبيُّ ﷺ بأنَّهم الكُرَّار(1).
لهذا كان التصدِّي لمحاربة الهندوس بالسلاح في بلد مثل الهند، أكثريته العظمى هندوسيَّة، وبيدهم الجيش والشرطة، والسلاح والسلطة: ضربًا من الانتحار، لا تجيزه الشريعة. وقد رأينا الحديث النبوي الصحيح في تغيير المنكر يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فمَن لم يستطعْ فبلسانه، فمَن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان»(2).
ثالثًا: أنَّ المسلم لا يُقْدِم على عمل له خطره وأثره مثل القتال، حتَّى ينظر: ماذا سيكون أثره على جماعته وشعبه وواقعه؟ هل تأثيره إيجابي أو سلبي؟ نافع أم ضار؟
وممَّا لا شك فيه: أنَّ تأثير مثل هذا العمل، الَّذي قد يقوم به أفراد معدودون: له أثره الخطير، بل ضرره الكبير على المجموعة الإسلاميَّة، الَّتي تمثل أقليَّة كبيرة في الهند، قد تقارب (200) مائتي مليون مسلم.
ولا يحل للمسلم أن يقوم بعمل يضر جماعته الكبرى؛ لأنَّ حق الجماعة مقدَّم على حقوق الأفراد.
وهذا ما يسمِّيه العلماء «فقه المآلات»: أن ينظر المرء في مآل عمله ونتائجه، وما يترتب عليه من آثار على نفسه وعلى غيره؛ ولا سيَّما الأعمال العسكرية لخطورتها.
وقد علَّمنا القرآن هذا الفقه في قصَّة موسى والخضر، حين خرق السفينة عامدًا، لينقذها من غصب الملك الظالم، وعلَّمناه أيضًا في النهي عن سبِّ الأصنام، حتَّى لا يثير ذلك المشركين، فيردوا على سبنا لآلهتهم بسبِّ الله 2 . قال تعالى:﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ﴾[الأنعام: 108].
وليس من الحكمة ولا من المصلحة أن تتحرَّش الأقليَّة بالأكثريَّة بما لها من قوَّة وسلطان؛ فإنَّ النتيجة في العادة خسارة الأقليَّة.
رابعًا: لقد جرَّبت الأُمَّة في عصرنا في أكثر من بلد: استخدام بعض الجماعات القوة ضد السلطة الحاكمة، ثم انتهت بإخفاقها أمام قوَّة الدولة. كما في تجربة «الجماعة الإسلاميَّة» في مصر. وقد أصدرت ذلك في كتب سمَّتها «المراجعات»؛ لأنَّها راجعت فيها نفسها، واعترفت بخطئها، وأعلنت عنه في شجاعة أدبية نادرة؛ تحسب لها، وتحمد عليها، «وقد انضمت إليها جماعة الجهاد، وسارت على نفس الدرب من الاعتراف».
خامسًا: إنَّ المنهج الَّذي ارتضاه زعماء المسلمين في الهند من علماء ودعاة ومفكرين وسياسيين، هو «التعايش السلمي» مع الأكثريَّة الهندوسيَّة، وهو ما رضيته الجماعة الإسلاميَّة، ومؤسسها العلامة المودودي، وما رضيه علماء ديوبند، وما رضيه علماء ندوة العلماء، وغيرهم من الجماعات والجمعيات العلميَّة والدعوية، والتربوية والاجتماعيَّة والسياسيَّة.
وأعتقد أنَّه هو النهج السليم والسديد، ويحسن بأبناء الأمة المسلمة في الهند أن يتجاوبوا مع أهل العلم والحكمة والتجربة في بلدهم، ولا يخرجوا عن الإرادة الجماعية لأمتهم؛ فيد الله على الجماعة، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح، كما قال ابن مسعود 3 (3).
وفَّق اللهُ الجميعَ لما يحبُّ ويرضى.
(1) رواه ابن هشام في السيرة (2/382)، والطبري في تاريخه (3/42).
(2) سبق تخريجه صـ 141.
(3) رواه أحمد (3600)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن. والطبراني في الكبير (9/112)، والأوسط (3602)، والحاكم في معرفة الصحابة (3/78، 79)، وصحَّح إسناده، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/428): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.