2026-06-22
101
دواء الاكتئاب والكرب
أنا فتاة مسلمة جامعيَّة في الثلاثين من عمري، أشكو من مرضٍ نفسيٍّ يسمُّونه في عصرنا «الاكتئاب» وأنا فعلًا أحسُّ بهذا الاكتئاب وأعيشه، فهو شيء يخفق أنفاسي، ويضيِّق عليَّ عيشي، وأشعر كأنَّ الأرض على سعتها ضاقت بي، كما ضقت بمن حولي، وأكثر من ذلك ضقت بنفسي، أحمل فوق رأسي همًّا كالجبل، وأحسُّ بحزن شديد يغمرني، كما أحسُّ باليأس يسد عليَّ طريقي، ويملأ مستقبلي بالظلام، فلا أرى بصيصًا من نور، ولا شعاعًا من أمل. حياتي ليل طويل ليس له صبح، وطريق طويل مليء بالشوك ليس له نهاية.
عرضتُ نفسي على طبيب نفسي، كما أشار عليَّ من حولي، فأعطاني بعض الحبوب المهدئة، وبعض النصائح المشجِّعة، ولكنِّي لم أهدأ بالحبوب، ولم أتشجَّع بالنصائح، وبقيت كما أنا أدور في حلقة مفرغة.
هذا مع أنِّي متديِّنة أصلِّي وأصوم وأتلو القرآن الكريم، ولكن حتَّى العبادة الَّتي أؤدِّيها لا تخرجني ممَّا أنا فيه.
فهل أجد عندك من «حلٍّ ديني» لهذا الكرب الَّذي أعانيه؟! هل هناك أذكارٌ أو أدعية، يمكن أن أقرأها، تزيل ما بي من هموم وأحزان وآلام، أو على الأقل تبرد نارها، وتخفِّف آثارها، أو أنَّ دائي عُضال لا دواء له، ولا شفاء منه؟!
إنَّ حولي أبًا وأمًّا وإخوة وأخوات، ولكنَّهم مشغولون بهمومهم الخاصَّة، وكأنَّما أعيش وحدي، رغم ما حولي من صخب، ومن غادين ورائحين.
أرجو أن تدلَّني على هذه الأذكار أو الدعوات؛ لعلَّ فيها البلسم لجراحي، أو الشفاء لدائي.
مدَّ الله في عمركم، وأجرى الخير والشفاء على أيديكم آمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ما أنزل الله داءً إلَّا أنزل له شفاء:
لا يوجد في الدُّنيا داءٌ عُضال لا دواء له، ولا شفاء منه، فقد أخبرنا رسول الإسلام ﷺ ، أنَّ الله تعالى ما أنزل داءً، إلَّا أنزل له شفاء، علمه من عمله، وجهله من جهله(1)، «فإذا أُصيب دواء الداء برأ بإذن الله ﷻ »(2).
وهذا ينطبق على الأدواء العضويَّة، والأدواء النفسيَّة سواء، بل هو يشمل الأدواء الفرديَّة، والأدواء الاجتماعيَّة، فكلُّها قابلة للشفاء بإذن الله، إذا أصبنا دواءها.
وداؤك أيَّتُها الأخت لا يخرج عن هذه القاعدة الكليَّة، ودواؤه موجود في صيدلية الإسلام ذاته.
ولكنَّ أيَّ مريض لا يشفى من دائه إلَّا بشروط:
1 ـ أن يجد الدواء المناسب لدائه.
2 ـ أن يستخدم هذا الدواء بالفعل، كما وصفه الطبيب كمًّا وكيفًا ووقتًا، دون إخلال نسبيٍّ منه.
3 ـ أن يكون المحلُّ قابلًا لهذا الدواء، غير رافض له.
4 ـ أن يصبر على العلاج، ويستمر في تناول الدواء، ولا يستعجل النتيجة.
5 ـ أن يكون موقنًا بخبرة الطبيب، ونجاعة دوائه، آملًا في الشفاء.
وأودُّ أن أبيِّن لابنتنا السائلة أنَّ الَّذي تشكو منه ليس شيئًا نادر الوقوع، بل هو ـ للأسف ـ مرض من أمراض هذا العصر، الَّذي نعم النَّاس فيه بالرفاهية، واستطاع الإنسان فيه أن يصعد القمر، ولكنَّه لم يستطع أن يسعد نفسه على وجه الأرض.
إنَّ عصرنا هذا يسمُّونه «عصر القلق» أو «عصر الاكتئاب» أو «عصر اليأس» أو ما شئت من هذه الأمراض، الَّتي تدخل كلها في إطار الأمراض النفسيَّة الَّتي انتشرت انتشارًا حافلًا، وأكثر النَّاس حظًّا منها بلاد التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، فجلُّ النَّاس مصابون بمرض أو بآخر من هذه السلسلة.
ونحن ـ المسلمين ـ أقل النَّاس نصيبًا من هذه الأمراض، وإن لم يخلُ من بيننا من يشكو، مثل ما تشكين.
دواء الاكتئاب من صيدلية الإسلام:
أمَّا دواؤك، فهو موجود ـ بتوفيق الله ـ في الصيدلية القرآنية النبويَّة، وتتلَّخص هذه الوصفة الدوائية أو «الروشتة» الدينيَّة، في الخطوات التالية:
اللجوء إلى الله:
أولًا: الاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه، والتحصن بحصنه الحصين، والأمل في فضله، والرجاء في رحمته، هذا هو الأصل؛ أن يضع الإنسان نفسه في يد مولاه 8 ، وأن يؤمن بأنَّه لن يضيعه، ولن يتخلَّى عنه، وأنَّه أبرُّ به من نفسه، وأرحم به من أمه وأبيه، ولا ييئس من رَوْحه أبدًا، ولا يقنط من رحمته أبدًا،﴿إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾[يوسف: 87].
إنَّ الله تعالى لا يستعصي عليه مرض، ولا مشكلة ماديَّة ولا معنويَّة، فكم من مريضٍ شفاه، وكم من فقير أغناه، وكم من سائلٍ أعطاه، وكم من مشرفٍ على الهلاك نجَّاه، وكم من ضالٍّ هداه، وكم من مشرَّدٍ آواه، وكم من ضعيفٍ قوَّاه، وكم من مبتلًى عافاه، وكم وكم! فهو سبحانه لا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ألم تر كيف كشف غمة يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وجمع بينه وبين أولاده، حين قال: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾[يوسف: 86]، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾[يوسف: 83]، ألم تر كيف كشف الضرَّ عن أيوب، بعد مرض طويل،﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّۢ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَٰبِدِينَ﴾[الأنبياء: 83، 84].
ألم تر كيف استجاب ليونس (ذي النون) بعد أنْ التقمه الحوت، ونادى في الظلمات: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت:﴿أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنبياء: 87، 88].
ألم تر كيف استجاب لزكريا:﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ ٨٩ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًۭا وَرَهَبًۭا ۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾[الأنبياء: 89، 90].
ألم تر كيف استجاب لإبراهيم دون أن يدعوه، بل قال حين ألقي في النار:﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾، هكذا كان ذكر إبراهيم، فقال الله للنار:﴿كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾[الأنبياء: 69].
ألم تر كيف نصر الله سيدنا محمدًا ! يوم أخرجه الذين كفروا من بلده: أحبِّ بلاد الله إلى الله، وأحبِّ بلاد الله إليه:﴿ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة: 40].
هذه الثقة الوطيدة بالله هي بداية الحل، وهي المشعل الَّذي يضيء الطريق، أن يضع المرء أعماله وأفعاله على باب الله، ويتمرغ على عتبته، ولا يبرح هذا الباب أبدًا، فهو سبحانه لا يردُّ من طرق بابه، وخصوصًا إذا دعاه دعاء المضطر، الَّذي لا ملجأ له من الله إلَّا إليه، ولا جناب يلوذ به إلَّا جنابه، فهو يدعو بحرقة وحرارة واضطرار وافتقار.
وليعلم أنَّ أشدَّ ساعات الليل ظلمةً وسوادًا، هي السويعات الَّتي تسبق انبلاج الفجر، وأنَّ سُنَّة الله أن يجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الضيق فرجًا، وقد قال الشاعر:
ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذَرْعًا، وعندَ اللهِ منها المخرجُ
ضاقتْ فلمَّا استحكمتْ حلقاتُها
فُرِجَتْ، وكنتُ أظنُّها لا تفرجُ(3)
الصلاة عُدَّة للمسلم في معركة الحياة:
ثانيًا: ومن أهم ما يلجأ إليه المسلم في شدته وكربه واكتئابه: الصلاة الَّتي يقف فيها المسلم بين يدي ربه خائفًا متضرعًا؛ فهي عدة للإنسان المؤمن في معركة الحياة، تمده بروح القوة، وقوة الروح، وتمنحه طاقة نفسيَّة، وزادًا روحيًّا يعينه على مواجهة الشدائد، قال تعالى في توجيه المؤمنين:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[البقرة: 153].
وكان النبيُّ ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ (أي اشتدَّ عليه) فَزِعَ إلى الصلاة(4).
ولا سيَّما إذا اجتهد المسلم أن يسبغ وضوءها، ويتمَّ ركوعها وسجودها وخشوعها، ويستحضر فيها جلال الله تعالى ومعيته له، وخصوصًا مع قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 5، 6]، فهو يستعين بربِّ العالمين، ويجيب دعاء المضطرِّين، وكاشف حزن المحزونين، وينبغي له أن ينتهز فرصة السجود ليدعوه تعالى بما يحب، ففي الحديث: «أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء»(5).
الاجتهاد في مساعدة الضعفاء:
ثالثًا: وممَّا يساعد المسلم على الخروج من حالة الكرب والاكتئاب، الاجتهاد في مساعدة الناس، وخصوصًا الضعفاء منهم، مثل الفقراء واليتامى والأرامل والمعوقين وأصحاب الحاجات، والعمل بجد لإغاثة الملهوفين، وتفريج كربة المكروبين، ومسح دمعة المحزونين، وإدخال البسمة على شفاههم، والبهجة على قلوبهم، فهذا يفيد الإنسان المكروب والمكتئب عدة فوائد، منها:
1 ـ أنَّه يتعبَّد بهذا العمل لله، وهو من أحبِّ ما تُقُرِّب به إلى الله، وأحبُّ عباد الله تعالى إليه أنفعهم لعياله، وفي الحديث: «أحبُّ النَّاسِ إلى الله أنفعُهم للنَّاس، وأحبُّ الأعمال إلى الله تعالى سرورٌ تدخله على مسلم، تكشفُ عنه كُرْبة، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأنْ أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا»(6).
2 ـ أنَّه يخرج المرء المكتئب من سجن الوَحْدة والوَحْشة، الَّذي فرضه الإنسان على نفسه، ويشعر بكيانه، وبأنَّه قادر على أن ينجز ويؤثر، ويشغله بهموم غيره، بعد أن كان كلُّ همِّه نفسه، لا ينظر إلَّا إليها، ولا يدور إلَّا حولها، كما يدور الوثني حول صنمه.
3 ـ أنَّ نجدته للنَّاس، ومعونته للمستضعفين وأهل الحاجة، يكتسب حُبَّهم له، ودعاءهم له بإخلاص، من أعماق قلوبهم، لا من أطراف ألسنتهم، وهذا الدعاء له أثره وقبوله عند الله تعالى. ولذا قال ﷺ : «وهل تُنصَرون وتُرزقون إلَّا بضعفائكم؟!»(7).
أذكار وأدعية نبويَّة لعلاج الكرب والهمِّ والاكتئاب:
رابعًا: هناك مجموعة من الأذكار والأدعية النبويَّة لعلاج الكرب والهمِّ والحزن، أو ما يسمَّى في عصرنا بـ «الاكتئاب» أو «القلق المَرَضِي» وقد ذكرها الإمام ابن القيِّم 5 في كتابه القيِّم: «زاد المعاد في هدي خير العباد» حين تحدَّث عن هديه ﷺ في علاج الأمراض الحسيَّة المختلفة، وأطال النفس فيها، ثم تحدَّث في فصلٍ خاصٍّ عن علاجه للمكروب والمهموم والمحزون، وإن شئت قلت: للكرب والهم والحزن. وهو علاج يقوم على الأذكار والدعوات الَّتي تصل الإنسان بربِّه عز وجل.
ومن هذه الأدعية:
«لا إلٰه إلَّا الله العليم الحليم، لا إلٰه إلَّا الله رب العرش العظيم، لا إلٰه إلَّا الله ربُّ السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم»(8).
وفي «جامع الترمذي» عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا حزبه أمر، قال: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتكَ أستغيث»(9).
وفي «سنن أبي داود» عن أبي بَكْرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «دعواتُ المكروبِ: اللهمَّ رحمتَك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفْسي طَرْفةَ عَيْن، وأصلحْ لي شأني كلَّه، لا إلٰه إلَّا أنت»(10).
وفيها أيضًا: عن أسماء بنت عُمَيْس قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقوليهن عند الكرب ـ أو في الكرب ـ: اللهُ ربِّي لا أشرك به شيئًا»(11). وفي رواية: أنَّها تُقال سبع مرات.
وفي «مسند الإمام أحمد»: عن ابن مسعود، عنِ النبيِّ ﷺ قال: «ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهمَّ إنِّي عبدُكَ، ابنُ عبدِك، ابنُ أَمَتِكَ، ناصيتي بِيَدِكَ، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نَفْسَك، أو أنزلته في كتابِك، أو علَّمته أحدًا من خَلْقِكَ، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذهاب همِّي، إلَّا أذهبَ اللهُ حزنَه وهمَّه، وأبدله مكانَه فرحًا»(12).
وفي الترمذي، عن سعد بن أبي وقَّاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوةُ ذي النون، إذ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إلٰه إلَّا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين. لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ؛ إلَّا استُجيب له»(13).
وفي رواية «إِنِّي لَأعلمُ كلمةً لا يقولها مكروبٌ إلَّا فرَّج اللهُ عنه، كلمة أخي يُونس»(14).
وفي «سنن أبي داود»: عن أبي سعيد الخُدْري قال: دخل رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ المسجدَ، فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له: أبو أُمامة، فقال: «يا أبا أُمامة، ما لي أراكَ في المسجد في غيرِ وقتِ الصلاة؟». فقال: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسولَ الله. فقال: «أَلَا أُعَلِّمكَ كلامًا إذا أنت قلتَه أذهبَ اللهُ ﷻ همَّك وقضى دَيْنك؟». قال: قلت: بلى، يا رسولَ الله. قال: «قلْ إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الهمِّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجُبْن والبُخْل، وأعوذ بك من غَلَبَةِ الدَّيْن وقَهْرِ الرجال». قال: ففعلتُ ذلك، فأذهبَ اللهُ عز وجلهمِّي، وقضى عنِّي دَيْني(15).
شروط مطلوبة لكي ينفع الدعاء:
ولكي تنفع هذه الأدوية أو الأدعية النبويَّة، وتؤتي أُكُلها، وتحقِّق آثارها، فلا بدَّ أن يصاحبها ما يأتي:
1 ـ أن يخلص الدعاء لله تبارك وتعالى، فلا يشرك مع الله أحدًا ولا شيئًا، لا نبيًّا ولا وليًّا، وقد قصَّ علينا القرآن قصَّة المشركين الذين يدعون الله تعالى عندما تنزل بهم الشدائد، وتحيط بهم الكروب، فييئسون من كل مخلوق، فيرجعون إلى فطرهم، ويذوب كل طلاء زائف غشَّ الفطرة من قبل، ويدعون الله وحده مخلصين له الدين.. لم يدعوا وثنًا ولا صنمًا ولا كاهنًا، فاستجاب الله لهم لصدقهم في هذه اللحظة. اقرأ قوله تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢ فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾[يونس: 22، 23].
2 ـ أن يدعو الداعي، وهو موقن بالإجابة، فلا يجوز له أن يتردَّد أو يشكَّ في أنَّ الله مجيب دعوته، فإنَّ هذا الشكَّ أو التردُّد أو جعل الأمر في صيغة الاحتمال، أو التجربة، يضيع أثر الدعاء، وقد قال ﷺ : «ادْعُوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»(16).
يجب أن يفطن المسلم والمسلمة إلى هذا الأمر ـ الدعاء وإجابته ـ باعتباره قانونًا إلٰهيًّا، قد عبَّر عنه القرآن بقوله:﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[غافر: 60]، وقال تعالى:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة: 186].
3 ـ أن يستمرَّ في الدعاء والابتهال إلى الله تعالى، تلذُّذًا بدعائه، متعبِّدًا بالتضرُّع إليه، ولا يكون همُّه إدراك الثمرة في الحال، بل هو يدعو ويدعو ويدعو، ويدَعُ الإجابةَ إلى مُدَبِّر الأمرِ كلِّه، ونحن نرى أنَّ كثيرًا من الأدوية لا تحقق أثرها إلَّا بعد مدَّةٍ قد تقصُر أو تطول، ولا بدَّ للمريض أن يصبر عليها، ويستمرَّ في تناولها، ما دامت من وصف طبيب موثوق به.
والنبيُّ ﷺ يحذِّرنا من الاستعجال في الدعاء، فيقول: «لا يزال يُستجابُ للعبدِ ما لم يستعجلْ». قيل: يا رسولَ الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: «قد دعوتُ وقد دعوتُ، فلم أرَ يَستجيبُ لي. فيستحسر عند ذلك ويَدَعُ الدعاء»(17).
(1) رواه أحمد (3578)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. والحاكم في الطب (4/399)، وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (451)، عن ابن مسعود.
(2) رواه مسلم في السلام (2204)، وأحمد (14597)، عن جابر.
(3) البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي، انظر: الفرج بعد الشدة للتنوخي (5/15)، تحقيق عبود الشالجي، نشر دار صادر، بيروت، 1398هـ ـ 1978م.
(4) رواه أحمد (23299)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في قيام الليل (1319)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (4703)، عن حذيفة بن اليمان.
(5) رواه مسلم في الصلاة (482)، وأحمد (9461)، عن أبي هريرة.
(6) رواه الطبراني في الكبير (12/453)، والأوسط (6026)، والصغير (861)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (13708): رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه سُكَيْن بن سراج، وهو ضعيف. وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (176)، عن ابن عمر.
(7) رواه البخاري في السير والجهاد (2896)، عن سعد بن أبي وقاص.
(8) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الدعوات (6345)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة (2730)، عن ابن عبَّاس.
(9) رواه الترمذي في الدعوات (3524)، وقال: غريب. وابن السني في عمل اليوم والليلة (337)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (4777).
(10) رواه أبو داود في الأدب (5090)، وأحمد (20430)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن في المتابعات والشواهد. والبخاري في الأدب المفرد (701)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (3388).
(11) رواه أحمد (27082)، وقال مخرِّجوه: حسن. وأبو داود في الصلاة (1525)، وابن ماجه في الدعاء (3882)، والنَّسائي في الكبرى في عمل اليوم والليلة (10408)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (348).
(12) رواه أحمد (3712)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن أبي شيبة في الدعاء (29930)، والبزار (1994)، وابن حبان في الرقائق (972)، والحاكم في الدعاء (1/509)، وصحَّحه على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمٰن بن عبد الله، عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. وتعقبه الذهبي فقال: وأبو سلمة لا يُدرَى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (17129) بعد أن نسبه لأحمد وأبي يعلى والبزار: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان. وانتهى الشيخ شاكر من بحثه إلى توثيق أبي سلمة، وسلامة الحديث من إرسال عبد الرحمٰن عن أبيه. كما صحح الحديث الألباني وأشبع فيه القول (198)، وذهب مذهبهما الشيخ شعيب في تعليقه على صحيح ابن حبان، ورجع عن ذلك في تعليقه على المسند، وقال: أبو سلمة الجهني لم يتبين لأئمة الجرح والتعديل من هو، فهو في عداد المجهولين.
(13) رواه الترمذي في الدعوات (3505) وسكت الترمذي عنه إلَّا أنَّه قال ورواه جماعة عن إبراهيم بن محمد ابن سعد عن سعد فلم يقل فيه عن أبيه، والنَّسائي في الكبرى في عمل اليوم والليلة (10417)، والحاكم في التفسير (2/382 ـ 383)، وصحَّح إسناده ووافقه الذهبي.
(14) رواه أحمد (1462)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن.
(15) رواه أبو داود في الصلاة (1555)، عن أبي سعيد الخدري. وفي سنده راوٍ ليِّن الحديث، ولكن المفردات المستعاذ منها ثبتت في الصحاح.
(16) رواه الترمذي في الدعوات (3479)، واستغربه. وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (245).
(17) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، عن أبي هريرة.