ثبوت النسب عن طريق البصمة الوراثيَّة

❓ ثبوت النسب عن طريق البصمة الوراثيَّة

📅 2026-06-22 👁 85 مشاهدة

نص السؤال:

نرجو من فضيلتكم توضيح أحقية أحد الزوجين في اللجوء إلى استخدام البصمة الوراثيَّة، وأيهما يُقدَّم على الآخر عند طلب التحليل الوراثي: «الزوج أم الزوجة؟» وذلك عند وجود تنازع بين الزوجين في ثبوت نسب الولد، مع رجاء ذكر الأسباب والأسانيد الشرعيَّة الَّتي اعتمدتم عليها في مثل هذا القول، وهل هذا يكون بناء على طلب من القضاء وبرضا الطرفين أو لا؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
شرع الله حدَّ القذف لمن رمى إنسانًا بالزنى ـ رجلًا كان أو امرأةً ـ ولم يُقم بيِّنة على ذلك. والبيِّنة أن يأتي بأربعة شهداء رأوا عمليَّة الزنى وهي تحدث بأعينهم، دون تجسُّس منهم على الزاني ومن يزني بها.
قال تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ[النور: 4، 5].
ولكنَّ القرآن استثنى من هذا الحكم: الأزواج الذين يرمون زوجاتهم ولم يكن لهم شهداء إلَّا أنفسهم، فمن اتَّهم امرأته بالزنى، فقد جعل الله له بديلًا عن الشهود الأربعة: أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصادقين، والخامسة: أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. كما فصَّل القرآن ذلك في سورة النور. وبهذا يسقط عنه حدُّ القذف.
أمَّا المرأةُ فيسقط عنها حدُّ الزنى وعقوبته: أن تشهد أربع شهادات بالله: إنَّه لمن الكاذبين، والشهادة الخامسة: أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
كما قال تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦ وَٱلْخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ٧ وَيَدْرَؤُا۟ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ٨ وَٱلْخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ[النـور: 6 ـ 9].
وهذا اللعان مشروع فيما إذا اتَّهم الزوج زوجتَه بالزنى، أو اتَّهمها بنفي الولد منها.
وفائدة اللعان: أن يفترق الزوجان، وينسب الولد إلى أمِّه، وقد ستر على المرأة، فلم يعرف إن كانت هي الكاذبة أو هو الكاذب، ولم يعرف إن كان الولد ابنه حقيقة أو لم يكن ابنه. وفي هذا من المصلحة ما فيه.
وبعد أن ظهرت «البصمة الوراثيَّة»، وأصبح ممكنًا معها تحليل الدم، ومعرفة الولد إن كان من صلب هذا الرجل أو لم يكن من صلبه. هل يقبل الشرع أن يرجع الزوجان إلى البصمة الوراثيَّة؟ أو لا؟
وقد اتَّفق العلماء على أنَّ الزوج إذا طلب الاحتكام إلى البصمة الوراثيَّة لم يستجبْ له؛ لأنَّه يفوت على المرأة ما يوفِّره لها اللعان من الستر عليها وعلى ولدها، وهذا الستر مقصودٌ للشارع لما فيه من مصلحتها ومصلحة ولدها.
ولكنَّ الَّذي اختلف فيه العلماء هو ما إذا طلبت المرأة المقذوفة: الاحتكام إلى البصمة الوراثيَّة، هل تُجاب إلى طلبها أو لا؟
بحث ذلك المجمع الفقهيُّ لرابطة العالم الإسلامي، فاختلف المشاركون.
أكثر العلماء قالوا: لا يُجاب طلبها، ويكتفى باللعان؛ لأنَّه هو الَّذي شرعه الله لعلاج مثل هذه الحالة، فيوقف عنده، ويقتصر عليه، ولا نتعدَّاه.
ولكنَّ الَّذي أرجِّحه هنا: أن يُستجاب للمرأة في هذا الطلب، على أساس أنَّها تطلب اللجوء إلى وسيلة علميَّة مقطوع بها، تدفع التهمة بها عنها، وتحفظ بها حقَّها، ولا تعتدي على حقِّ إنسانٍ آخر، فهي تطلب بالاحتكام إلى البصمة إثبات أمور ثلاثة في غاية الأهمية شرعًا:
أوَّلها: براءة نفسها من التهمة المنسوبة إليها، وهي جازمة بأنَّها تهمة كاذبة، وهذا أمر يحرص عليه الشارع: ألَّا يُتَّهم بريء بما ليس فيه.
وثانيها: إثبات نسب ولدها من أبيه، وهذا حق للولد، والشارع يتشوَّف إلى إثبات الأنساب ما أمكن. وحفظ الأنساب من الضرورات الشرعيَّة الخمس.
الثالث: إراحة نفْس الزَّوج، وإزاحة الشكِّ من قلبه، بعد أن يثبت له بالدليل العمليِّ القطعيِّ أنَّ الولد الَّذي اتَّهمها بنفيه منه هو ابنه حقًّا. وبذلك يحلُّ اليقين في نفْسه محلَّ الشكِّ، والطمأنينة مكان الريبة.
وبهذا يستفيد الأطراف الثلاثة بهذا الإجراء: الزوجة، والزوج، والولد.
وأمر يحقِّق هذه المصالح كلِّها، وليس فيه ضررٌ لأحد، ولا مصادمة لنصٍّ: لا ترفضه الشريعة، بل هو يتَّفق مع مقاصدها.
وإذا طلبت الزوجة من القاضي الشرعي أو من المحكمة الشرعيَّة: الاحتكام إلى البصمة الوراثيَّة، فالواجب ـ فيما أراه ـ أن يُستجاب لها، رعايةً لحقِّها في إثبات براءتها، وحقِّ ولدها في إثبات نسبه، وعملًا على إراحة ضمير زوجها، وإزالة الشكِّ عنه.
هذا وبالله التوفيق، والله أعلم. وهو حسْبنا ونعم الوكيل.
← العودة لقسم 4- الطب والصحة