❓ بنوك اللبن

📅 2026-06-22 👁 91 مشاهدة

نص السؤال:

الطفل الوليد الخديج الَّذي ولد قبل أوانه.. قد يدعو الأمر لعزله تمامًا في حاضنة صناعيَّة، لفترة قد تطول حتَّى يفيض حليب أمِّه من ثديها.
ثم يتقدَّم رويدًا لدرجة لم تزل حرجة؛ ولكن تسمح له بتلقي الحليب، ومعروف أنَّ أنسب الحليب وأرفقه به هو الحليب البشري.
وقد درجت بعض المؤسسات على أن تستوعب الوالدات المرضعات بعضًا من حليبهن. تسخُو كلٌّ بما تشاء، ويجمع ذلك ويعقم، ثم يكون في خدمة هؤلاء المواليد المبتَسرين، في هذا الدور الحرج، الَّذي قد تضرُّهم فيه أنواع الحليب الأخرى.
فالذي يحدث أنَّه يستعمل خليط من حليب عشرات الأمهات، بل مئاتهن.. وعليه يتغذى غير مواليدهن عشرات، بل مئات من المواليد الخدج ذكرانًا وإناثًا.. على غير معرفة في الحال والاستقبال.
ولكن يتم ذلك دون لقاء مباشر أي دون مصِّ الثدي.
فهل هذه أخوة شرعيَّة من الرضاع؟ وهل يحرم حليب البنوك رغم مساهمته في إحياء النفوس؟
فإن كان مباحًا حلالًا فما مسوِّغات الإباحة؟ ترى هل هي عدم مصِّ الثدي؟ أم عدم إمكان التعرف على أخوات الرضاع، وهن في مجتمع بذاته يمثِّلن القلة بين الكثرة؟
القلة الَّتي تذوب ولا يمكن تتبعها أو الاستدلال عليها؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فلا ريب أنَّ الهدف الَّذي من أجله أنشئت «بنوك الحليب» كما عرضها السؤال هدف خيِّر نبيل يؤيده الإسلام. الَّذي يدعو إلى العناية بكل ضعيف أيًّا كان سبب ضعفه، وخصوصًا إذا كان طفلًا خديجًا، لا حول له ولا قوة.
ولا ريب أنَّ أيَّ امرأةٍ مرضع تسهم بالتبرُّع ببعض لبنها لتغذية هذا الصنف من الأطفال، مأجورة عند الله، ومحمودة عند الناس، بل يجوز أن يُشترى ذلك منها، إذا لم تطب نفسها بالتبرُّع، كما جاز استئجارها للرضاع؛ كما نصَّ عليه القرآن، وعمل به المسلمون.
ولا ريب كذلك أنَّ المؤسسة الَّتي تقوم بتجميع هذه الألبان، وتعقيمها وحفظها لاستخدامها في تغذية هؤلاء الأطفال ـ في صورة ما سمِّي بنك الحليب ـ مشكورة مأجورة أيضًا.
إذن ما المحذور الَّذي يُخاف من وراء هذا العمل؟
المحذور يتمثَّل في أنَّ هذا الرضيع سيَكْبَر بإذن الله، ويصبح شابًّا في هذا المجتمع، ويريد أن يتزوَّج إحدى بناته، وهنا يخشى أن تكون هذه الفتاة أخته من الرضاع وهو لا يدري؛ لأنَّه لا يعلم من رضع معه من هذا اللبن المجموع، وأكثر من ذلك أنَّه لا يعلم مَن مِنْ النساء شاركت بلبنها في ذلك، ممَّا يترتب عليه أن تكون أمه من الرضاع، وتحرم هي عليه ويحرم عليه بناتها من النسب ومن الرضاع، كما يحرم عليه أخواتها لأنَّهنَّ خالاته، ويحرم عليه بنات زوجها من غيرها على رأي جمهور الفقهاء؛ لأنهن أخواته من جهة الأب، إلى غير ذلك من فروع وأحكام الرضاع.
ولا بدَّ لنا هنا من وقفات، حتَّى يتبيَّن الحكم جليًّا.
1 ـ وقفة لبيان معنى «الرضاع» الَّذي رتَّب عليه الشرع التحريم.
2 ـ وقفة لبيان مقدار الرضاع المحرم.
3 ـ وقفة لبيان حكم الشك في الرضاع.
معنى الرضاع:
أمَّا معنى الرضاع الَّذي رتَّب عليه الشرع التحريم؛ فهو عند جمهور الفقهاء ـ ومنهم الأئمَّة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي ـ كلُّ ما يصل إلى جوف الصبي عن طريق حلقه أو غيره، بالامتصاص أو غيره؛ مثل الوجور، وهو أن يصب اللبن في حلقه، بل ألحقوا به السعوط وهو أن يصب اللبن في أنفه، بل بالغ بعضهم فألحق الحقنة عن طريق الدُّبُر بالوُجُور والسُّعُوط.
وخالف في ذلك كله الإمام الليث بن سعد، معاصر الإمام مالك ونظيره، ومثله الظاهرية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
فقد ذكر العلامة ابن قدامة عنه روايتين في الوُجور والسُّعوط:
الأولى ـ وهي أشهر الروايتين عنه والموافقة للجمهور ـ: أنَّ التحريم يثبت بهما. أمَّا الوجور فلأنَّه ينبت اللحم وينشز العظم، فأشبه الارتضاع، وأمَّا السعوط، فلأنَّه سبيل لفطر الصائم، فكان سبيلًا للتحريم بالرضاع كالفم.
الرواية الأخرى: أنَّه لا يثبت التحريم؛ لأنَّهما ليسا برضاع.
قال في المغني: «وهو اختيار أبي بكر، ومذهب داود، وقول عطاء الخرساني في السعوط؛ لأنَّ هذا ليس برضاع، وإنَّما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع، ولأنَّه حصل من غير ارتضاع، فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه»(1).
ورجَّح صاحب المغني الرواية الأولى بحديث ابن مسعود عند أبي داود: «لا رضاعَ إلَّا ما أنشز العظمَ وأنبت اللحمَ»(2).
والحديث الَّذي احتج به صاحب المغني لا حجَّة فيه، بل هو عند التأمل حجَّة عليهم؛ لأنَّه يتحدَّث عن الرضاع المحرِّم، وهو ما كان له تأثير في تكوين الطفل بإنشاز عظمه وإنبات لحمه، فهو ينفي الرضاع القليل غير المؤثر في التكوين، مثل الإملاجة والإملاجتين، فمثل هذا لا ينشز عظمًا، ولا ينبت لحمًا.
فالحديث إنَّما يثبت التحريم لرضاع ينشز وينبت، فلا بدَّ من وجود الرضاع أولًا وقبل كل شيء.
ثم قال صاحب المغني: «ولأنَّ هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم: ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم، ولأنَّه سبيل الفطر للصائم، فكان سبيلًا للتحريم كالرضاع بالفم»(3).
ونقول لصاحب المغني رحمه الله تعالي: لو كانت العلة هي إنشاز العظم وإنبات اللحم بأيِّ شيءٍ كان، لوجب أن نقول اليوم بأنَّ نقل دم امرأة إلى طفل يحرِّمها عليه، بل التغذية بالدم في العروق أسرع وأقوى تأثيرًا من اللبن. ولكنَّ أحكام الدِّين لا تُفْرَض بالظنون، فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث، وإنَّ الظنَّ لا يغني من الحق شيئًا.
والذي أراه أنَّ الشارع جعل أساس التحريم هو «الأمومة المُرْضِعة» كما في قوله تعالى في بيان المحرَّمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ[النساء: 23]. وهذه الأمومة الَّتي صرَّح بها القرآن لا تتكون من مجرد أخذ اللبن، بل من الامتصاص والالتصاق، الَّذي يتجلَّى فيه حنان الأمومة، وتعلُّق البنوة، وعن هذه الأمومة تتفرَّع الأخوَّة من الرضاع، فهي الأصل، والباقي تبع لها.
فالواجب الوقوف عند ألفاظ الشارع هنا، وألفاظه كلها تتحدث عن الإرضاع والرضاعة، ومعنى هذه الألفاظ في اللغة الَّتي نزل بها القرآن وجاءت بها السُّنَّة واضح صريح، لأنَّها تعني إلقام الثدي والتقامه، وامتصاصه، لا مجرد الاغتذاء باللبن بأي وسيلة.
ويعجبني موقف الإمام ابن حزم هنا، فقد وقف عند مدلول النصوص، ولم يتعدَّ حدودها، فأصاب المحز، ووفِّق فيما أرى للصواب.
ويحسن بي أن أنقل هنا فقرات من كلامه؛ لما فيها من قوَّة الإقناع ووضوح الدليل.
قال: «وأمَّا صفة الرضاع المحرِّم، فإنَّما هو ما امتصَّه الراضع من ثدي المرضعة بفيه فقط، فأما من سُقي لبن امرأة؛ فشربه من إناء، أو حُلب في فمه فبلعه، أو أطعمه بخبز أو في طعام، أو صبَّ في فمه أو في أنفه أو في أذنه، أو حقن به، فكل ذلك لا يحرِّم شيئًا ولو كان ذلك غذاءه دهره كله. برهان ذلك قول الله ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ﴾[النساء: 23]. وقال رسول الله : «يَحْرُم من الرضاعِ ما يحرم من النَّسَب»(4) فلم يحرِّم الله تعالى ولا رسوله في هذا المعنى نكاحًا إلَّا بالإرضاع، والرضاعة والرضاع فقط، ولا يسمَّى إرضاعًا إلَّا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع، يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا. ولا يسمَّى رضاعة ولا إرضاعًا إلَّا أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه. تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأمَّا كل ما عدا ذلك ممَّا ذكرنا فلا يُسمَّى شيء منه إرضاعًا ولا رضاعة ولا رضاعًا، إنَّما هو حلب وطعام، وسقاء وشرب، وأكل وبلع، وحَقْن وسُعُوط وتقطير، ولم يحرِّم الله 8 بهذا شيئًا»(5).
قال أبو محمد: «وقد اختلف النَّاس في هذا فقال الليث بن سعد: لا يحرم السُّعوط بلبن المرأة، ولا يحرم أن يسقى الصبي لبن المرأة في الدواء؛ لأنَّه ليس برضاع، إنَّما الرضاع ما مُصَّ من الثدي، هذا نصُّ قول الليث، وهذا قولنا، وهو قول أبي سليمان ـ يعني: داود إمام أهل الظاهر ـ وأصحابنا (يعني: الظاهرية)».
وردَّ على الذين احتجوا بحديث: «إنَّما الرضاعة من المجاعة»(6) فكان ممَّا قاله: أنَّ هذا الخبر حُجَّة لنا؛ لأنَّه ! إنَّما حرَّم بالرضاعة الَّتي تقابل بها المجاعة، ولم يحرِّم بغيرها شيئًا، فلا يقع تحريم بما قوبلت به المجاعة من أكل، أو شرب، أو وجور، أو غير ذلك، إلَّا أن يكون رضاعة، كما قال رسول الله ،﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ[البقرة: 229](7) اهـ.
وبهذا نرى أنَّ القول الَّذي يطمئن إليه القلب، هو الَّذي يتمشى مع ظواهر النصوص، الَّتي ناطت كل الأحكام بالإرضاع والرضاع، كما يتمشَّى مع الحكمة في التحريم بالرضاع، وهو وجود أمومة تشابه أمومة النسب، وعنها تتفرع البنوة والأخوة، وسائر القرابات الأخرى. ومعلوم أنَّ الرضاع في حالة «بنوك الحليب» غير موجود، إنَّما هو الوجور الَّذي ذكره الفقهاء.
على أنَّنا لو سلَّمنا برأي الجمهور في عدم اشتراط الرضاع والامتصاص لكان هنا مانع آخر من التحريم.
وهو أنَّنا لا نعرف من الَّتي رضع منها الطفل؟ وما مقدار ما رضع من لبنها؟ هل أخذ من لبنها ما يساوي خمس رضعات مشبعات؟ على ما هو القول المختار الَّذي دلَّ عليه الأثر، ورجَّحه النظر، وبه ينبت اللحم، وينشز العظم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
وهل للبن المشوب المختلط حكم اللبن المحض الخالص؟ ففي مذهب الحنفيَّة من قول أبي يوسف: أنَّ لبن المرأة إذا اختلط بلبن أخرى، فالحكم للغالب منهما، لأنَّ منفعة المغلوب لا تظهر في مقابلة الغالب.
والمعروف أنَّ الشكَّ في الرضاع لا يترتب عليه التحريم.
قال العلَّامة ابن قدامة في «المغني»: «وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو لا؟ لم يثبت التحريم؛ لأنَّ الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك في وجود الطلاق وعدده»(8).
وفي «الاختيار» من كتب الحنفيَّة: «امرأة أدخلت حلمة ثديها في فم رضيع، ولا يُدرى: أدخل اللبن في حلقه أم لا؟ لا يحرم النكاح. وكذا صبية أرضعها بعض أهالي القرية، ولا يُدرى من هو، فتزوجها رجل من أهل تلك القرية، يجوز، لأنَّ إباحة النكاح أصل، فلا يزول بالشك. قال: ويجب على النساء ألَّا يرضعن كل صبي من غير ضرورة؛ فإن فعلن فليحفظنه، أو يكتبنه احتياطًا»(9) اهـ.
ولا يخفى أنَّ ما حدث في قضيتنا ليس إرضاعًا في الحقيقة، ولو سلَّمنا بأنَّه إرضاع فهو لضرورة قائمة. وحفظه وكتابته غير ممكن؛ لأنَّه لغير معيَّن، وهو مختلط بغيره.
والاتجاه المرجَّح عندي في أمور الرضاع هو التضييق في التحريم؛ كالتضييق في إيقاع الطلاق، وللتوسيع في كليهما أنصار.
الخلاصة:
أنَّنا لا نجد هنا ما يمنع من إقامة هذا النوع من «بنوك الحليب»، ما دام يحقِّق مصلحة شرعيَّة معتبرة، ويدفع حاجة يجب دفعها؛ آخذين بقول من ذكرنا من الفقهاء، مؤيدًا بما ذكرنا من أدلة وترجيحات.
وقد يقول بعض الناس: ولماذا لا نأخذ بالأحوط، ونخرج عن الخلاف، والأخذ بالأحوط هو الأورع والأبعد عن الشبهات.
وأقول: عندما يعمل المرء في خاصَّة نفسه، فلا بأس أن يأخذ بالأحوط والأورع، بل قد يرتقي فيدع ما لا بأس به، حذرًا ممَّا به بأس.
ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالعموم، وبمصلحة اجتماعيَّة معتبرة، فالأولى بأهل الفتوى أن ييسِّروا ولا يعسروا، دون تجاوز للنصوص المحكمة، أو القواعد الثابتة.
ولهذا جعل الفقهاء من موجبات التخفيف: عموم البلوى بالشيء؛ مراعاةً لحال النَّاس ورفقًا بهم، هذا بالإضافة إلى أنَّ عصرنا الحاضر خاصَّة أحوج ما يكون إلى التيسير والرفق بأهله.
على أنَّ ممَّا ينبغي التنبيه عليه هنا هو أنَّ الاتجاه في كل أمر إلى الأخذ بالأحوط دون الأيسر، أو الأرفق أو الأعدل، قد ينتهي بنا إلى جعل أحكام الدين مجموعة «أحوطيَّات» تجافي روح اليسر والسماحة، الَّتي قام عليها هذا الدين.
قال رسول الله ! : «بُعِثْتُ بحنيفيَّة سمحة»(10)، «إنَّما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين»(11).
والمنهج الَّذي نختاره في هذه الأمور هو التوسُّط والاعتدال بين المتزمِّتين والمتهاونين،﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا[البقرة: 143].
واللهُ يقول الحقَّ، وهو يهدي السبيل.
← العودة لقسم 4- الطب والصحة